إن الباحث عن الحق لا يكف عن بحثه، ولا يمل من تأصيله وتوثيقه، فحاله مع مطلوبه كحال المحب مع محبوبه، عندما يذهل عنه أو يفقده فإذا به يدور في كل مدار ويسلك الفيافي والقفار حتى تستأنس روحه بمطلوبه.
وليست مقدمتي هذه هي المرادة بالكتابة، وإنما فرعها وتطبيقها، فما أسطره فاتحة نقاش وكلام- بالعلم والبيان والبرهان- مع أستاذ لي مُدان له بالفضل والعرفان، ألا وهو الأستاذ الدكتور خالد فهمي فيما كتبه ونشره على الموقع الرائد (إخوان أون لاين).
وحتى نكون على هدي في مناقشتنا وردنا ولا نخبط خبط عشواء عمياء في الليلة الظلماء، وجب علينا أن نقول بداية: إن أحدًا لا يرضى أن يأتي رأس من رءوس المسلمين فيخرج على العالم يحرسه أرذال أنذال ليمرروا من خلاله ما لا يرضاه ولا نرضاه، وليس هذا الكلام مناغمة لأهل الميوعة والدناءة.
نفي المقدمات:
وصف زيارة فضيلة المفتي للمسجد الأقصى بأنها شهوة نفس قاتلة، وبأنها حرام، وأن ما فعله المفتي يأتي من ضمن سقطاته التي لا تنتهي، أقول: حنانك يا سيادة الدكتور، فالزيارة ليست شهوة نفس بل هي أمنية يتمناها كل مسلم ويشتاق إليها كل مؤمن.
هل إبداء الرأي شغب يستوجب السكوت والصمت؟
هذه القضية مسألة معاصرة لم يرد بخصوصها نصوص خاصة من الكتاب والسنة، وبناء على ذلك تبحث وفق ما قاله الفاروق عمر- رضي الله عنه- في كتابه الشهير لأبي موسي الأشعري- رضي الله عنه- حيث قال: "الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق"(1)، و"الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين"(2)
كم تعلمنا.. نرد:
أولاً: فيما يتعلق بمقاطعة اليهود، وأن هذه مقدرتنا؛ لا يسلم لصاحب هذا الرأي بأن زيارة فلسطين تحت الاحتلال تطبيع- إن لم يكن القصد منها ذلك- فلا يمكن في هذه النازلة تركيب فعل على فعل ثم استصدار حكم واحد لهما مع انفكاك جهتهما واختلافهما في الصورة.
ثانيًا: فيما يتعلق بالدعم المادي للاحتلال، فيقال: كما أن هذا الدعم المادي يصل لليهود فإنه يصل للمسلمين كذلك، وهم محتاجون إليه وبإمكان الزائر أن يوجه دعمه للمسلمين أثناء الزيارة.
أما الدعم المعنوي فقد يسلم لصاحب هذا الرأي بهذه الحجة إن كانت الزيارة على نحو يؤيد هذا كأن يدخل المسجد الأقصى مثلاً تحت حراسة اليهود، وأمام الإعلام وما أشبه ذلك، فحينئذ يمكننا تحريم هذه الصورة فقط، ولا يسحب الحكم على أصل المسألة كلها؛ فإن هذه الحالة فرع عن الأصل، فيقال: إن أصل الزيارة ليس بالحرام إلا إذا اقترنت بمثل هذه الأمور.
ثالثًا: إن هذا فيه كسر للحاجز النفسي مع المحتل، يقال: إن الإسلام لم يقرر عقيدة البراء من المحتل فقط بل من الكافر، ومع ذلك لم يجعل من التعامل المادي الجائز ناقضًا لهذا الحكم، مع العلم بأن هذا الحكم لا يخص اليهود في فلسطين فقط بل يخص كل كافر في أي بقعة من بقاع الدنيا.
رابعًا: إن الاختلاط بهم ينشر الرذيلة والأمراض، وأين إيمان المسلم وعقيدته، وإذا مرض من الاختلاط فهل يغني حذر من قدر؟.
خامسًا: زيارة فلسطين تحت الاحتلال تشريع وإقرار بالمحتل، يقال: لا يسلم للمخالف بهذه الدعوى بل سأسوق بعض الأدلة التي تبيح الدخول إلى الأراضي المغتصبة، ولا يكون فيها شيء من التشريع للمغتصب، وكيف يكون كذلك ولا سبيل إلى فلسطين إلا عبر هذا الختم؟.
أدلة المشاغبين:
1- ذهاب النبي- صلي الله عليه وسلم- معتمرًا إلى بيت الله الحرام لولا أن حال بينه وبين عمرته أهل الشرك فحاورهم وخيرهم وكلمهم، وأرسل عثمان سفيرًا لهم، ووجه الدلالة في هذه القصة عزم النبي على زيارة بيت الله من أنه مغتصب من كفار شرار، ولا يخفاك أن النبي- صلي الله عليه وسلم- أُخرج من مكة المحببة إليه ومن ربه، فلو كان هذا محرمًا ومعصية لما همَّ به النبي، ولا عزم عليه مع إخراج الكفار له من بلده وغصبهم لحقه وصحبه.
2- قول النبي- صلى الله عليه وسلم- عن المسجد الأقصى: "ولنعم المصلي هو، وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه (وفي رواية: مثل قوسه) من الأرض حيث يُرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعًا"، أو قال: خيرٌ له من الدنيا وما فيها"(3)....ووجه الدلالة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- يخبر في هذا الحديث عن وقوع هذا المسجد الحبيب بأيدي العدوان والتخريب، ومع ذلك فإن النبي يحث أهل الإيمان على الدنو من هذا المسجد قدر الاستطاعة والإمكان، ولا يقال إن هذا الحديث خاص بأهل هذه الديار أو أهل فلسطين، فالحديث يعم كل القادرين، ولو كان مثل هذا حرام لبينه النبي العدنان.
3- ما رواه جابر بن عبد الله من أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال رسول الله: "صل هاهنا"، ثم أعاد عليه فقال: "صل هاهنا" ثم أعاد عليه، فقال: "شأنك إذن"(4)، ووجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعترض على الناذر أصل زيارته للمسجد الأقصى والصلاة فيه- مع أنه كان تحت الكفار- ولكنه أرشده إلى ما هو أيسر مطلبًا وأكثر أجرًا، ثم لما أصر الصحابي على نذره تركه النبي وشأنه.
4- ألم يزر النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى وهو بأيدي الكفار، وصلى به إمامًا بالأنبياء الأطهار الأخيار؟ ولا يقال إن المسجد هنا كان بيد الرومان فكله كفر واحتلال، أو لم يكن المسجد قبل الرومان بيد أهل التوحيد والإيمان؟.
5- ذكر الحافظ ضياء الدين المقدسي هجرة المقادمة من فلسطين إلى دمشق بسبب أذى الكفار الصليبيين لهم، وعدم قدرتهم على القيام بدينهم، وحكى حادثة هجرتهم بالتفصيل، وروى أخبارهم وما حل بهم، وكان مما قاله: تردد بعض العلماء من دمشق إلى فلسطين والعكس، وقال: وكان جماعة من أصحابنا يأتون مدة فيقيمون مدة ثم يرجعون ثم سرد أسماءهم وأخبارهم" (5) فلو كان الدخول إلى فلسطين وهي تحت أيدي الصليبيين نوع اعتراف وتطبيع معهم لأنكر ذلك عليهم ولكن شيئًا من ذلك لم يكن.
6- لقد كان السلف إبان الاحتلال الصليبي يزورون المسجد الأقصى لكنهم لم يكونوا يتصورون إن زيارتهم له اعتراف بهؤلاء الصليبيين، وأن عملهم حق ولكنهم كانوا يعلمون ويتصورون أن زيارتهم للمسجد الأقصى تحد لوجودهم ومواصلة وتجديد لعهد الله عزَّ وجلَّ الذي أبرموه في حقِّ أنفسهم، وأن يصدوا ذلك العدوان، فلماذا لا نكون مثلهم؟
7- لم نجد فيما ترك الأئمة السالفون من قال بالتحريم، ولم نجد في أصحاب رسول الله من انقطع عن زيارة المسجد الأقصى أثناء احتلال الرومان له.
8- كيف نأخذ بفتوى التحريم ممن يغدون ويروحون مع القوى التي احتلت فلسطين والمسجد الأقصى ومجالستهم على موائد معروفة، ثم إنهم بعد ذلك يقولون ما ينبغي أن نزور المسجد الأقصى؛ لأن ذلك اعتراف بأحقية الاحتلال؟.
9- لي أسئلة أتمنى الإجابة عليها، ما الفرق بين دخول الأندلس- الدولة المسلمة المحتلة- وفلسطين الدولة المسلمة المحتلة، هل ختم محتل الأندلس على جواز سفري تشريع مني لاحتلالها ورضا مني به؟ فلماذا نبيح الأول ونحرم الثاني؟ ما الفرق بين التعامل مع أمريكا مثلاً وهي بلد محتل لبلاد المسلمين فهل دخولي إليها تطبيع؟ هل دخولي إلى أمريكا أو بريطانيا أو دخولهم إلى بلاد المسلمين ينقل الرذيلة والفساد والأمراض؟ ألا يكون في زيارتي لفرنسا أو ألمانيا مثلاً تعاون على كفرهم وضلالهم مثل قولكم لزيارة فلسطين المحتلة؟.
ختامًا:
المسألة يا أستاذي- بهذا التصوير الذي ذكرته- خلافية لكل رأي يراه، ولا يسع متبني أحد القولين أن يرمي الآخر بالجهل بالواقع أو التعامي عن الوقائع أو يصف زيارة المفتي بأنها شهوة نفس قاتلة.
فليزر من يزر، وليذهب من يذهب، بشرط ألا تكون زيارته تطبيعية أصلاً، وأن تكون زيارته استنانًا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبة لأهل فلسطين زادهم الله توفيقًا وهدى، وتقوية لشوكة الإسلام بها، وإرغام لمحتلها، وتحد في وجهه بأن هذه الأرض إسلامية، وهي لنا نزورها ونلتقي بأهلها متى أردنا.
------------------------
* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية – أسوان.
الهوامش:
1- إعلام الموقعين 1/68
2- الموافقات 4/91
3- أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي والطحاوي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي والألباني، انظر: السلسلة الصحيحة 2902
4- أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي، ووافقه الألباني، انظر إرواء الغليل 4/147
5- انظر القلائد الجوهرية 1/26،33 وما بعدها.