1- لن تكون السقطة الأخيرة:

 

إن المستقر في الأدبيات السياسية والاجتماعية أن للثورة مفهومًا عامًّا، ودلالة مركزية تتلخص في التغيير الشامل والمفاجئ معًا لكل الأوضاع السياسية والاجتماعية التي أدت إلى اندلاع هذه الثورة أو تلك.

 

وقد صار واضحًا اليوم أن واحدًا من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها ثورة 25 يناير 2011 م أنها لم تضغط في اتجاه تغيير كل مظاهر النظام السابق، وأنها لم تضغط في اتجاه إزاحة كل رموزه، ولعلها تستدرك ذلك في هذه المرحلة الثانية من موجاتها.

 

أقول هذا لأن المفتي بما أحدثه من خرق للإجماع الوطني، وبمخالفته لقرارات المؤسسات الوطنية المصرية- بما فيها المؤسسة العريقة التي ينتمي إليها وهي مؤسسة الأزهر الشريف ومؤسسة مجمع البحوث الإسلامية- برهن على أنه كان من الضروري للثورة أن تسير في اتجاه عزل كل رموز النظام السابق الذين اختارهم وعينهم في الأماكن الحساسة المؤثرة الداعمة لمواقفه وسياساته، وفي مقدمتها مؤسسة الإفتاء.

 

ولذلك فإن هذه السقطة التي تورط فيها الدكتور المفتي لن تكون الأخيرة ما دام رموز نظام ما قبل الثورة جاثمين  فوق صدور هذا الوطن العظيم.

 

2- أسكتوا أصوات المشاغبين:

لقد انطلق أصحاب الرأي القائلين بحرمة السفر إلى المسجد الأقصى في ظل الاحتلال الصهيوني حرمة شرعية بالمعني الأصولي من ثلاثة أدلة مدعومة بأصل كلي جامع يتعلق بسد الذرائع و منع المفاسد، ويتزعم هذا الاتجاه العلامة يوسف القرضاوي في كتابه فتاوى معاصرة؛ حيث يفتي بتحريم زيارة المسجد الأقصى، وقد أسس فتواه علي ما يلي (فتاوى معاصرة، دار القلم، الكويت، القاهرة 2003م- ط3-3/61 وما بعدها):

 

أولاً: هو أن عدم الزيارة هو السلاح المتاح والقدر الممكن من الجهاد.

 

ثانيًا: التعامل مع العدو؛ شراء منهم أو بيعًا لهم أو سفرًا إلى ما يسيطرون عليه يشد من أزرهم ويقوي دعائم اقتصادهم ويمنحهم قدرة على استمرار  العدوان والشغب به واستثماره دعائيًّا وإعلاميًّا.

 

ثالثًا: التعامل معهم باستقبالهم، والسفر إليهم يكسر الحاجز النفسي بيننا وبينهم، ويعمل مع تقادم الزمن على ردم الفجوة التي أوجدها الاغتصاب والعدوان والاحتلال.

 

ثم يقرر تأسيسًا على ذلك فتواه فيقول (3/462): لهذا كان سد الذرائع إلى هذا الفساد المتوقع– بل المتيقن- فريضة وضرورة؛ فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع، وفي ضوء هذه الاعتبارات نرى أن السفر أو السياحة إلى العدو الصهيوني لغير أبناء فلسطين حرام شرعًا، ولو كان ذلك مقصد ما يسمونه- السياحة الدينية- أو زيارة المسجد الأقصى، فما كلف الله المسلم أن يزور هذا المسجد وهو أسير تحت نير يهود،       وفي حراسة حراب بني صهيون.

 

لكن المدهش أن يتترس المخالفون لهذه الفتوى، دعمًا لسقطة الدكتور المفتي ببعض أحداث السيرة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكي التسليم، وبغض النظر أن السيرة النبوية عند التنزيل الصحيح والفهم السليم دليل كلي مرشد للحكم الصائب.

 

لقد التقط نفر من المحسوبين على المؤسسة الدينية الرسمية- مشايعة وانتصارًا للمفتي- أحداث الحديبية ليستنبطوا بناء عليها جواز السفر إلى المسجد الأقصى.

 

وقال من قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه خرجوا للعمرة وهي مندوبة وفي ظل سيطرة كفار قريش على المسجد الحرام وفي ظل وجود أصنام حول الكعبة.

 

 وتغافل هؤلاء الذين استحضروا الحادثة القديمة عدة أمور أرجو تأملها:

أولاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ليسوا وافدين على مكة المكرمة وإنما هم من أهلها الذين سبق أن أخرجوا منها، وضُيّق عليهم  فيها، والفتوى المعاصرة لم تمنع أهل فلسطين من زيارة القدس لأنها  أرضهم، وإنما منعت وحرمت زيارة غيرهم لأن فيها تطبيعًا ودعمًا للاحتلال.

 

ثانيًا: إن كفار قريش لم يكونوا محتلين ولا غاصبين للبيت الحرام ولا للكعبة المشرفة، وإنما كانوا أهلها أو جزء من أهلها ولعل الدليل الظاهر هنا هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبقي وظائف البيت الحرم في البيوت التي كانت فيها قبل الفتح، فجعل السقاية كما كانت في بيت أبي طالب، ورفض أن يضم إليها الحجابة لما سأل ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أخرج الفاسي المكي (قاضي مكة المكرمة المتوفى 832 هـ في كتابه شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام-2/209-210-) قال ابن إسحاق: (حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على باب الكعبة فقال لا إله إلا الله لا شريك له صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى به فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) (الحجرات:13) ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم، قالوا: خير أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن أبي طلحة؟ فدُعي له فقال صلى الله عليه وسلم: هاك مفتاحك يا عثمان إن اليوم يوم بر ووفاء)، فهل رد مفاتيح الكعبة لعثمان بن طلحة وبيته كان إقرارًا لمغتصب على اغتصابه حتى يتخذ المشاغبون عمرة الحديبية التي لم تتم أصلاً يقيسون عليه زيارة الدكتور المفتي اليوم، اللهم لا.

 

ثالثًا: لم يُعرف عن كفار قريش، مع التسليم جدلاً بقياس هؤلاء وهو فاسد وباطل أنهم كانوا يسعون للإضرار بالبيت الحرام أو التدبير والتخطيط لهدم الكعبة، كما يفعل الصهاينة تخطيطًا وتدبيرًا وتنفيذًا سعيًا لهدم المسجد الأقصى.

 

رابعًا:  لم يدّع كفار قريش أن مكة المكرمة والكعبة المشرفة إرثهم الذي اضطروا للخروج منه في الهجرة، بل كانت بنود صلح الحديبية بما قررته من السماح بالعمرة من عام قابل، إقرارًا بحقوق المسلمين في مكة المكرمة وهو الأمر الذي يتناقص مع دعاوى الصهاينة من أن القدس المشرفة هي العاصمة الأبدية لكيانهم الغاصب بما يعني نفي حقوق المسلمين في هذه المدينة المقدسة المباركة.

 

ألا ساء شغب المشاغبين، وافتضح أمرهم وارتباطهم بالكراسي والمناصب الزائلة.

 

3- دفوع مكشوفة، ومسوغات واهية

ليس لدي مانع من أن يخطئ أحد، صحيح أن خطأ المفتي في المجال الفقهي لا ينزل منزلة خطأ غيره، ولكنه عند اعترافه به خطأ.
ولو قال إنها شهوة نفس لقدر الناس والرأي العام أمره، ولكن المفتي دافع عن موقفه وقال إنه زار المسجد الأقصى زيارة شخصية وهو يعلم أن القياس كان يقتضيه غير ما قال، وإلا هل يفتي بجواز قبول الهدية وهو في منصبه بحجة أنها هدية لشخصه، أم يقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعماله: "هلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر هل يهدى إليه".

 

يا فضيلة المفتي ليتك أعلنت سابقا أنك في إجازة أو عطلة من عملك ثم سافرت أو ليتك استقلت ثم سافرت وأنت ساعة تفعل ذلك آثم لأنك ارتكبت إثمًا بما أن الفتوى قررت حرمة زيارة القدس تحت الاحتلال، لكنه إن كان؛ كان إثمًا أقل في الدرجة والحجم مما ارتكبته وأنت في منصبك.

 

لقد خالف المفتي الأزهر، وسلوك العظام ممن تولوا منصب المفتي من قبل، ومواقفهم من المسجد الأقصى وزيارته معلنة، يفهم منها تقدير الجهاد في سبيل القدس وعدم إعانة المحتل معنويًّا على احتلاله، نقول هذا ونحن نذكر مواقف المفتين العظام من أمثال: محمد حسنين مخلوف وعبد المجيد وحسين مأمون وغيرهم.

 

ثم لماذا اعتذر المفتي ضمنيًّا أمام أعضاء مجمع البحوث الإسلامية في الاجتماع الطارئ الذي دعا إليه شيخ الأزهر يوم الخميس 19 من أبريل 2012م؛ حيث جاء في جريدة المصريون في عددها الصادر يوم الجمعة 20 من أبريل 2012 م بالنسخة الضوئية ما نصه: المفتي يعتذر عن زيارة المسجد الأقصى.

 

إن هذا الاعتذار الضمني بداية جديدة تحتاج إلى معالنته فيه بالخطأ وطلب المغفرة من الله سبحانه عما ارتكبته من إثم الزيارة في ظل الاحتلال، فإن استكبر بإثمه فإن عزله خطوة مهمة تبقي جذوة العداء للصهاينة وتبقي جذوة الرفض للتطبيع مشتعلة، نسأل الله تعال أن يفك أسر المسجد الأقصى، وأن ينعم علينا جميعًا بزيارته بعد تحريره.

 

-----------

* كلية الآداب ـ جامعة المنوفية