تعيش مصرنا في هذه الفترة الحساسة من تاريخ أمتنا مرحلةً عصيبةً، تكاد تعصف بكل أركانها وتكاد تدع الحليم حيرانًا، وهي مرحلة تستوجب من الجميع أن يعيدوا النظر في منهجية العمل السياسي القائمة اليوم بين الأغلبية والأقلية، وهذا ما دفع الخائفين على مستقبل مصر إلى المطالبة بالتوافق الوطني على أنه واجب الوقت.

 

بدايةً نحب أن نشير إلى أن التوافق مبدأ إسلامي حثَّنا عليه ديننا الحنيف؛ شريطة ألا ينتهك ثوابت الدين ولا حرماته؛ فقال تعالى: (تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران: 64)، ولقد تربينا في ديننا الإسلامي على احترام الآخر وصيانة حقوقه ولو كان أقلية في المجتمع، كما تربينا على أن التوافق أحد منطلقات السياسة الشرعية التي تحكم أداءنا السياسي، وما صلح الحديبية إلا تجسيد لهذا المبدأ التوافقي الذي فتح صفحةً كبيرةً من التضامن والتعايش والتقارب بداعي المصلحة العامة للأمة، فقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُمسح البسملة من الوثيقة وألا تُكتب كلمة "رسول الله" رغم اعتراض أكثر الصحابة على ذلك، وكذلك كانت معاهدات الحبيب صلى الله عليه وسلم مع قبائل يهود في المدينة.

 

فالتوافق الوطني كان السمة الغالبة عند الممارسة السياسية، سواء كانت تحالفات أو معاهدات أو توافقات، ولقد سلكت دعوة الإخوان هذا المسلك واعتمدته مبدأً من مبادئها حينما انتهجت سياسة "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، فكانت تجاربها وممارساتها السياسية تظهر ذلك بوضوح، وما تحالف الإخوان مع حزب الوفد في 84 م ومع حزبي العمل والأحرار في 87 م إلا من هذا الباب، وكذلك تشكيل التحالف الديمقراطي الذي خاضت به الجماعة انتخابات 2011.

 

إن التوافق مطلب وطني تشتدُّ الحاجة إليه كلما كان الوطن يواجه أزمةً طاحنةً مثلما هو الحال الذي تحياه مصرنا اليوم، ونحن اليوم أشدّ حاجة إلى التوافق الوطني من أجل تشكيل حكومة ائتلافية تخرج بمصر من أزماتها الحالية، ومن أجل تشكيل جمعية تأسيسية للدستور تحظى بقبول من الجميع، ومن أجل مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي نتعرَّض لها اليوم.. كل ذلك يدفعنا إلى البحث عن التوافق الوطني المنشود بحثًا عن المصلحة العامة واستشعارًا بالمسئولية عن هذا الوطن وحمايةً له من الضياع وتحقيقًا لأهداف ثورته المجيدة، ولكننا يجب أن ندرك أن للتوافق قواعد وأصولاً حاكمة لا بد أن تراعى حتى ينجح هذا التوافق، ومن هذه القواعد:

 

- التوافق يعني إحساس الجميع- أغلبيةً وأقليةً- بالمسئولية، والحاجة إلى التوصل لاتفاق يجمع الأمة على مصالحها ويبعد عنها خطر التحديات.

 

- التوافق يعني أن يُقبل الجميع- أغلبيةً وأقليةً- عليه بعناصر أساسية (الرغبة الصادقة في تحقيقه- والقدرة الفعلية على إنجازه- القناعة بأهميته وحاجة الأمة إليه- تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة).

 

- التوافق يعني أن قواعد وأدبيات الحوار القائمة على المساواة بين المتحاورين، تختلف عن قواعد وأدبيات اتخاذ القرار التي تعتمد على الأغلبية التصويتية؛ مما يعني أن كل الأطراف تسهم في الحوار وما ينتج عنه بالتساوي لا بالنسب التصويتية.

 

- التوافق يعني أن الأغلبية لا تتوغل؛ فهي تقود دون أن تهيمن، وتحكم دون أن تحتكر، ولكن بما لا يمنع الأغلبية العددية من أن تمارس دورها بفاعلية بدلاً من هدر طاقتها في صياغة قرارات غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

 

- التوافق يعني أنه عند وجود التوجس لدى الأقلية، تقوم الأغلبية بسلوكيات الكبير الذي يحتضن الصغير، فلا تهضم الأغلبية حق الأقلية، ولا تحرمها حق التمثيل في صناعة القرار السياسي، وهذا ما حدث عند تشكيل لجان مجلس الشعب.

 

- التوافق يعني أن تسود روح الكرم السياسي من الأغلبية تجاه الأقلية، ولا مانع من تنازلها عن بعض حقها طواعية، ليس عن ضعف منها، ولكن من باب ميزات الفضل لا العدل، وهذا ما رأيناه حينما أعلن حزب الحرية و العدالة عن استعداده لسحب 10 من أعضائه بالجمعية التأسيسية.

 

- التوافق يعني الدور الذي يجب أن تلعبه الأغلبية مع الأقلية في القدرة على البحث عن حلول وسط، بما يسمح بوجود ائتلاف قادر على حل المشكلات الآنية وتأسيس هيئة حكماء مشتركة تحقق مصالح الأمة والوصول إلى مسافات منتصف الطريق.

 

- التوافق لا يعني إمساك أي طرف- مهما كان صغير الحجم أو الوزن- بحق الفيتو والاعتراض على طول الخط، مثلما تفعل الأقلية اليوم تحت شعار "فيها أو أخفيها".

 

- التوافق يعني أن تقوم الأقلية بدورها الراشد إعلاميًّا وسياسيًّا ومجتمعيًّا، وألا تتحول إلى أسلوب خرق السفينة، وإشعال الفتن وقلب الحقائق، وإثارة القلاقل وتأليب الرأي العام.

 

- التوافق يعني أن الأقلية لها حقوق متساوية عند الحوار، وأنه لا يجوز حرمانها من حقوقها السياسية ولا مشاركتها في صناعة مستقبل الأمة، ولكن شريطة ألا تقوم الأقلية بممارسة بلطجة سياسية أو تعطيل القانون السائد والمراكب السائرة.

 

- التوافق يعني ألا تفرض الأقلية كلمتها ورأيها بمنطق ديكتاتورية الأقلية، وأن تكون على مستوى الحدث، فتقبل بالتوافق طواعيةً لا بتوجيه من عسكر أو غيره.

 

- التوافق لا يعني أن تخلع الأغلبية الإسلامية عباءتها وتتخلَّص من مبادئها كي تتبنى مبادئ الأقلية أو ترتدي عباءتها، وكذلك الأقلية، ولكن التوافق يعني محافظة كل فصيل على عباءته ومبادئه، مع بقاء شعرة معاوية بين الفصيلين.

 

نحن بحاجة إلى إتقان صناعة التوافق، وبخاصةٍ في تلك اللحظة التي بدت فيها على الساحة صور التباين الشديد بين القوى السياسية، ونريده توافقًا يكون الدافع إليه هو الرغبة الكامنة في النفس الحريصة عليه، وأن يتوفر في الجميع النية الصادقة والحرص الشديد على إنجاح التوافق وهذا لا يكون إلا من خلال إزالة العراقيل التي توضع أمامه، وعدم إحداث فرقعات إعلامية في طريقه.

 

إن الخطوة العملية الأولى على طريق تحقيق التوافق الوطني أن تتنازل الأغلبية الإسلامية طواعيةً عن بعض حقها المشروع من باب الكرم السياسي، وأن تتنازل الأقلية الليبرالية عن بعض عجرفتها وديكتاتوريتها من أجل الوصول بمصر إلى بر الأمان، فهل ينجح الفريقان في ذلك؟!