لا أزعم لنفسي أولاً، كما قد لا يزعم كثيرون أنهم حافظوا على ثباتهم وتوازنهم تمامًا إزاء موجات المد والجزر للأحداث التي شهدتها الساحة المصرية منذ ثورتنا المجيدة (25 يناير)، والتي أثبتت قدرة المصريين على صناعة التاريخ من جديد، وأنهم فقط يحتاجون إلى الفرصة والحافز، والعقيدةُ بعد ذلك، بل قبلَه جاهزة، والاستعداد للتضحية متوفر بينهم رائج فيهم- والحمد لرب الأرض والسماء.

 

ولكي أختصر الطريق على القارئ الكريم أقول: إن هذه "سطور في الثبات والتثبيت"؛ أي أننا نبحث لأنفسنا من خلالها عن وسائل الثبات على الحق، ونسعى إلى توفيرها لغيرنا. ولا يعني هذا أننا سننكر خطأ وقعنا فيه، أو سنبقى على باطل بان لنا بطلانه، فعندنا من الشجاعة ما يجعلنا نعترف بالخطأ إن كان خطأ، ولكن في وقت الشدة يجب ألا يهتز الصف، يجب أن يبقى الصف أمتن مما سبق، ففي زمن الشدة تأخذ الأمور أحكاما تختلف عن زمن الرخاوة.

 

أ- لن نندم يومًا لأننا قمنا بثورتنا: هذا أول بند يجب أن يستقر في أذهاننا ونحن نبحث لأنفسنا عن الثبات؛ فإن أطرافا كثيرة داخلية وخارجية تدفعنا دفعا إلى هذه الحال وهذا الشعور المميت، فهل نندم لأننا هدمنا الصنم، وقتلنا الخوف في داخلنا؟! أو لأننا استشهدنا ومتنا، ومن لم يمت منا تمنت نفسه الشهادة؟! عار علينا- والله - إن فعلنا، بعد أن طار مجدنا في سماء الدنيا وأرضها. وواللهِ إن الجليل في عليائه راض عن ثورتكم يا أهل مصر؛ لأنها قامت لرفع الظلم ودفع الظالمين، وقد قال النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم): "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله"، وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا".

 

ب- أنتم تعملون لله: فالدعوة التي بايعتم عليها لم تعدكم بقصور ولا أموال ولا مناصب مقابل التزامكم بها، بل طلبت منكم أن تمنحوها من أموالكم ووقتكم قدر ما تستطيعون.. فقط وعدتكم الجنة ورضى الرحمن في علاقة شخصية مباشرة بين العبد وربه، يمهّد لك الدعاة فيها سبلا لكسب الأجر، وأعمالا لحصد الحسنات، ويتواصون معك بالحق وبالصبر. وهذا هو النهج النبوي في بيعة العقبة كما يمكن أن نقرأه في مظانه من كتب السيرة. أفيكون لنا أن نحزن على ما فاتنا من حظ الدنيا- إن كان قد فاتنا بالفعل- وقد يكون الأمر كله محض نعمة من الله؛ حتى نكون أكثر شعورا بالهدف والغاية، وألا يشغلنا التمكين لأنفسنا عن التمكين للحق والعدل في هذا العالم الذي ما عاد الشياطين يقبلون للحق فيه وجودا. يقول الإمام حسن البنا (رحمه الله): "نُحِبُّ أن يعلم قومنا.. أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامح الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلَّفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدماً في الطريق التى رسمها الحق (تبارك وتعالى) للداعين إليه: {قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}. فلسنا نسأل الناس شيئا، ولا نقتضيهم مالاً، ولا نطالبهم بأجر، ولا نتزيَّد بهم وجاهة، ولا نريد منهم جزاء ولا شكورا، إن أجرنا في ذلك إلاَّ على الذي فطرنا".

 

ت- فبما كسبت أيديكم: كثيرا ما ننسى أنفسنا في غمرة الأعمال العامة؛ سياسيةً كانت أو اجتماعية، فيخف حرصنا على صلاة الجماعة وصيام النافلة وقيام الليل والذكر في الخلوة والجلوة، ونصبح بهذا في زمرة الغافلين، فتشكونا دموع العين التي جفت في المآقي، وآهات الليل التي لم تعد تتردد في دعاء السحر وجوف الليالي، وجوع النهار وعطشه- تشكونا كلها إلى الله: انظر عبادك هؤلاء؛ يطلبون أعظم المنح- رضاك وجنتك - ويتأخرون عن تقديم الثمن- ركيعات في جوف الليل وصدقة وصيام!! ومن هنا تأتي البلوى، ومن هذه الثغرة تُختَرَق الصفوف، فهلا ساءلنا أنفسنا عن موقعنا من الله، وهل ما زال مولانا أحب إلينا من مالنا وأنفسنا وأهلنا والناس جميعا، أو هو زعم أطلقناه في لحظة حماس سابقة؟!

 

ث- الشدائد تؤدب المؤمنين: تربى الجيل الأول من أتباع الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) على أمرين: حلاوة العقيدة، ونيران المحن، فثبتوا، وبقوا على الطريق أثبت من الجبال الرواسي، وقال لهم مولاهم الجليل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}، ففهموا، وصدّقوا، وعرفوا علامات الطريق وشروطه، فالتزموها وأعينهم معلقة بالآخرة، وقلوبهم معلقة بربهم، ففازوا بالدنيا والآخرة. وكذلك المؤمن المقتدي بهم في كل زمان؛ يُختَبَر ويُمتَحَن، فعليه أن ينخلع من الجزئيات وأسرها للعقول، ويعود إلى الجذور، ويعرف تلك القواعد والشروط التي ارتبطت بالطريق الذي اختاره ليسلكه إلى مولاه الجليل.

 

ج-  منطق المؤمن: إن لأهل الدنيا منطقا، وللمؤمن منطقا، فهم يزنون الرجال بالدنانير والدراهم، فالأكثر مالا والأوسع جاها والأكثر شهرة هو الأرجح في ميزانهم، وإن كان أرذل الناس وأخفهم عقلا وأوسعهم جهلا! وأما المؤمن، فأمره عجب كله، فهو في النعمة شاكر، وفي المحنة صابر، يزن الناس بالركعة والسجدة وحسن الخلق والأمانة، ويرعى حق من يخالفه العقيدة والمذهب بميزان العدل والحق، وربما الصفح والعفو. فانظر إلى منطقك وافهمه، حتى تعرف أدواء الناس فتتجنبها، وتسعى لاجتثاث الداء الوبيل من نفوسهم سعي الطبيب الشفيق على مريضه يخاف عليه الهَلَكة.

 

ح-  قوم لا يكونون إلا مع الباطل: مما يبعث على الثقة في طريقك الذي أنت عليه أن تنظر فيمن حولك وإلى نفسك، وترى من أين يأتي مدحك ومدحهم وذمك وذمهم، فإن كان مدحهم يأتي من تل أبيب وواشنطن وعلى لسان نتانياهو وباراك ومن عبيد الدنيا الذين يخافون على أرزاقهم ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، وهي نفسها مصادر ذمك، ويأتي ذمهم ومدحك من أهل الإنصاف شرقيين وغربيين وممن يحبون الحق ويتيَّمون بالعدل، فاعلم أنك على الحق، وامض في طريقك ثابتا فاعلا وناصحا بأدب وحسن خلق.

 

أهلنا في مصر:

شعب مصر هو رصيدكم الأكبر أيها الدعاة إلى الله، وهو يثق فيكم أكثر من ثقته في نفسه، ومن بنود الدعوة لا أن تحبوه فقط، بل قدموه وقدِّموا مصالحه في المحبة والإيثار على أنفسكم ومصالحكم، وقد قال الأستاذ البنا قبل عقود في بقية كلامه السابق: "ونُحِبُّ كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحبُّ إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزَّتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء. وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلاَّ هذه العاطفة التى استبدت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا. وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم يوماً من الأيـام".

 

نعم، أعمدة بعضها يقوم فوق بعض: عمل في سبيل الله تخلص فيه نية الداعية، وحب الخير للناس ورجاء النفع للخلق يملأ قلبه، ولن تقوم الثانية بدون الأولى، ولن يتحقق كمال الأولى إلا بالثانية، فهي دائرة هذا نصفها وذاك نصفها.

 

ولكن هذه الحقائق التي يجب أن تستقر في نفوس الدعاة قد تتحقق ومع ذلك تثير ثعالب الخلق عليهم تراب المشرق والمغرب؛ لتعفّي على الحق، وتطمس وجه الحقيقة، وهذا ما يجري في أرض مصر الآن، كائنات مسعورة تجدّ في التشويه والتضليل، وتخطط وترتب مع أبالسة المشرق والمغرب لوأد الثورة العظيمة التي لم ترد أكثر من أن يأخذ كل واحد من أبناء الشعب حقه، لا فرق بين وزير وخفير، ولا بين شريف وضعيف، ولا حق لأجنبي في خير مصر إلا شراء أو قِرَى.

 

وهنا تبرز الرسالة التي ينبغي أن يحملها كل أخ إلى مساجد مصر وأسواقها ومحافلها وطرقها ومنتدياتها ومؤسساتها ومصالحها ومدارسها وملاعبها ومتنزهاتها وحقولها ومراكبها وقطاراتها، وملخص هذه الرسالة هو: "لا تندموا لأنكم منحتمونا ثقتكم، لكن تبينوا الحقائق جيدا"، وبنود الرسالة بوضوح وفي إلحاح وبأدب حديث وصبر على الحوار ودعاء أن يظهر الله الحق - تتمثل فيما يلي:

1- قمتم بثورتكم- يا أهل مصر- في وجه هؤلاء الذين عكروا صفو حياتكم دهرا طويلا، وصفوا عكار حياتهم من مالكم وجهدكم وعرقكم، بل من صحة أبدانكم وعقولكم، بتعليم فاسد، وزراعة مسمومة، وتجارة مسرطنة، وها هم يريدون القفز من جديد على كراسي السلطة، والعودة إليها لا بوجوه جديدة، ولكن- ورحم الله الحياء وأهل الحياء- بالوجوه نفسها التي خلعتموها خلع الشجرة الفاسدة.. عادوا بلا أقنعة إلا تلك التي تلبسها الذئاب حين تنتظر من فريستها غفلة- هؤلاء أنفسهم هم السحرة الذين يريدون أن يفرقوا بين الأمة وأبنائها الذين وثقت فيهم، فهل ستسمحون لهم، وهم من قتل الأب بالسرطان، والأخ بالكبد الوبائي، والخالة بالفشل الكلوي، وإن عادوا فسيأتي الدور عليكم؟!

 

2- وسياستهم التي اختاروها في حجراتهم المظلمة بعد الثورة المجيدة: أن يرتكبوا كل كبيرة، ويورطوا مصر في كل مصيبة، ويصيبوا حياة الناس في صميمها بالعطب، ثم ينسبوا هذا إلى نواب الشعب، وما هي إلا بعض أوزار المجلس العسكري، ووزارته المهترئة التي جاءت كالمحلل لزواج باطل، وماذا يمكن للنواب أن يفعلوا وقد جردوهم من كل سلطاتهم؟! لقد جردونا في الميدان من أسلحتنا، وفقدوا نبل المقاتل، وشرف المحارب، وقاتلوا في صف المعتدين، ثم نسبوا كل الكبائر إلينا، وليس لهم هدف أقل من أن يعودوا ليركبوا متن الموقف، على أن نكتفي نحن بالهامش إن فضل من موائدهم هامش!

 

3-  وإلى جانب الحوار البناء لابد من جانب عملي يتآزر فيه الشعب ونوابه، ففي عام الرمادة تحمل أمير المؤمنين عمر من الشدائد أكثر مما تحمل غيره من الرعية، وسعى بكل عزمه إلى حل مشكلات الناس في تعاون وتآزر مثالي مع رجاله وعماله.

 

4- ثم راقبوا والشعب معكم وكلكم عيون يقظة، راقبوا لصوص الغاز والسولار وسرَّاق القوت وصنَّاع الأزمات والفتن، وكافئوا من يكشف عن لص يسرق وطنه بهذه الطريقة الخسيسة، ويبيع مستقبل أمته بهذا الثمن البخس.

 

كلي أمل بعد هذا أن أقرأ في تعليقات القراء الكرام ما لم أدركه من وسائل الثبات والتثبيت في الظروف المصرية الحالية؛ ليكون مشروعا من صنع عقولنا جميعا كما صنعنا الثورة جميعًا.

----------

* أستاذ مشارك في الفلسفة الإسلامية