الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى إخوته الأنبياء والمرسلين ومَن اقتدى بهديهم إلى يوم الدين.

 

أحبتي، إن الظروف العصيبة التي تمر بها مصرنا الحبيبة تفرض علينا أن نتلمس في قرآننا الذي يهدي للتي هي أقوم ما يجعلنا نعبر بها إلى برِّ الأمان وما يهدينا في سيرنا بها سواء السبيل.

 

ولقد جاءتنا في أحسن القصص في كتاب الله المبين هداياتٍ للسائرين وآيات بينات للسائلين، إن أحسن القصص في القرآن الكريم قد فُسِّرت أحداثه وفصلت على أرض مصرنا الحبيبة بعد رؤيا رآها يوسف عليه السلام على أرض فلسطين المباركة.

 

قال ربنا في افتتاح سورة يوسف: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)) (يوسف).

 


واختتم ربنا السورة بقوله: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)) (يوسف).وبين الآيتين الكريمتين وردت عبر هاديات للسائرين وآيات بينات للسائلين.

 


تعالوا أحبتي نتأمل معًا العبرة الهادية الكامنة في رصيد التجربة التاريخية التي أجراها الله من قبل على أرضنا المصرية، وخلد ذكرها في كتابه المبين وجعلها أحسن القصص أمام خاتم المرسلين وأتباعه إلى يوم الدين.

 


لعلنا بهذا التأمل نرحم وَعْيَنا تجاه الأحداث المعاصرة، ونرحم معه سَعْيَنا في حركتنا لدعوتنا وأمتنا في المرحلة القادمة.

 

- ولعلنا نرتقي في وَعْيِنا وَسَعْيِنا إلى تصديق أولي الألباب العاملين المخلصين.

 


- ولعلنا نُنقذ مصرنا، ومعها أمتنا، ونحرر وَعْيَ شعبنا من الإفك الإعلامي حديث المفترين الذين لا همَّ لهم إلا جمع المال عن طريق الهمز واللمز، وويل لكل همزة لمزة يُتاجر بسيرة الشرفاء ومسيرة الأوفياء ويبتغي العيب للبرآء.

 

أحبتي، إن الألفاظ التي خُتمت بها سورة يوسف تحتاج إلى مزيد تأمل؛ لأنها تُشخِّص معالم طريق، وتُنير رؤى سالكين، وتدحض شبهات معوّقين، وترد كيد حاقدين وطامعين، ولا تتعجبوا من كلماتي ولكن تأملوا كلمات ختام أحسن القصص، والتي أكدها الله بأقوى المؤكدات اللفظية: لقد كان في قصصهم، عبرة، أولي الألباب، ما كان حديثًا يفترى [كما تفتري وسائل الإعلام على حملة المشروع الإسلامي]، ولكن تصديق الذي بين يديه [حامل الدعوة على بصيرةٍ ومن اتبعه]، وتفصيل كل شيء، وهدًى، ورحمة لقوم يؤمنون!!

 

 

وبعد تأملكم معي افتتاح السورة وختامها؛ لنتأمل كذلك افتتاح قصة يوسف مع إخوته والتعقيب الرباني على القصة، لقد افتتحها ربنا بقوله: (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7)) (يوسف)، ثم عقَّب عليها سبحانه بقوله: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)) (يوسف).

 

ترى ما الآيات التي ينبغي أن يتأملها السائلون؟

 

- وهل بلغت كثرة الآيات التي يُعرض عن تأملها المارّة والسائرون إلى حدِّ التعبير عنها بـ"كأين"؟

 

- وهل الإعراض عن تأمل آيات الله في السماوات والأرض يُعرِّض إيماننا للشرك؟

 

لطفك يا ربنا!!

إن الإعراض عن تأمُّل آيات الله في الآفاق وفي الأنفس بالمرور عليها دون أخذ العبرة منها وتلمُّس الهداية فيها يجعل الشركيات تتسلل وتدبّ إلى إيمان الكثيرين (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ 106) (يوسف) كيف يحدث هذا؟!

 

إن إعراضنا عن تأمل آيات الله في خلقه وكونه يجعلنا ننظر إلى الأمور نظرة مادية تغيب عنها رؤية حقائق الإيمان وعندئذٍ يغيب عن تصورنا ووَعْينا الفعل الرباني في الأشياء والأشخاص والوقائع والأحداث (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18)) (البروج) " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) (آل عمران)، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 1) (الملك).

 

وعندما يغيب عن الوَعْي الفعل الرباني والإرادة الإلهية في الأحداث والأشخاص يتعثر السَّعي بخلل الوعي ويدبّ الشرك دبيب النمل إلى تصورنا ثم سلوكنا. منا مَن كان يقول أيام إمهال ربي للظلمة في عهد مبارك (اللي الحكومة عايزاه هتعمله)، ويتأثر سعيه لدينه ووطنه بهذا الخلل في الوعي الذي غاب عنه الفعل الرباني في الأحداث والأشخاص.

 

"اللهم نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه".

 

*****

أحبتي، إنَّ مَن تأمَّل آيات الله أدرَك القانون الرباني في التعامل مع الظالمين والمظلومين والذي ختم الله به سورة يوسف وجعله سبحانه قانونًا عامًّا في كل القصص القرآني.

 

مادة القانون تقول: "إن الله عزَّ وجلَّ يُملي للظالم ويُؤخِّر الانتقام منه حتى يستنفذ الظالم ما عنده من أشكال الظلم، مع الأخذ في الاعتبار أن الظالم في فترة تأخير الانتقام يكون تحت الهيمنة الربانية والقهر الإلهي ولا يفعل بالمظلوم إلا ما يأذن به الله.. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" (البخاري ك التفسير).

 

وإن الله عز وجل يؤخر الانتصار للمظلوم حتى يستنفذ المظلوم كل ما عنده من حيلةٍ أو سبيل في دفع الظالم ومقاومته. وعندما يصل الأمر إلى ظالم بلغ منتهى ظلمه ومظلومٍ استيأس وعجز عن دفعه؛ عندئذٍ.. ليس قبل ولا بعد تتدخل العناية الربانية لتنتصر للمظلوم وتنتقم من الظالم، قال تعالى عن هذا القانون: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)) (يوسف).

 

أليس من الآيات الربانية في تطبيق هذا القانون في أيامنا المعاصرة لنتأمل الفعل الرباني أن نرى لحاق البأس الرباني بمَن أجرموا في حقِّ الدين والوطن وما نالهم من خزي الدنيا جزاء ظلمهم الذي بلغ منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعوا في خرابها (أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) (البقرة: من الآية 114)، وكنت أرى خوفهم أثناء دخول المساجد في حماية أمنهم وشرطتهم، وكنت موقنًا أن الخزي سيلحق بهم في الدنيا يومًا ما..

 

أوليس في هروب ابن علي (بن علي هرب) ظالم تونس خزي في الدنيا؟!

 

أوليس في سجن ظالم مصر وأعوانه خزي في الدنيا؟!

 

أوليس في القبض على ظالم ليبيا مختفيًا داخل (ماسورة مجاري) خزي في الدنيا؟!

 

أوليس في نزع الملك من ظالم اليمن خزي في الدنيا؟!

 

وكلي يقين أن ربي سينزع ملك ظالم سوريا بعد أن تسري مدة القانون الرباني وسيرينا فيه ربنا آياته كما أرانا فيمن سبقه (وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف: من الآية 110).

 

بالنظرة المادية بعيدًا عن تأمُّل الآيات الربانية، مَن كان يظن أن هذا سيحدث وبهذه الكيفية وبهذا التزامن.. إنها إرادة ربنا القاهرة، ووعده الواقع، وأمره الغالب، وقانونه النافذ، وآياته التي يجيب بها السائلين، وعبرته الهادية للسائرين.

 

*****

أحبتي، بعد هذا التقديم والتأصيل لمنهجية تأمل الآيات وتلمّس العبرات والاهتداء بالخبرات، ومحاولة الارتقاء إلى وعي وسعي أولي الألباب، وبعد تأكيد خطورة المرور على آيات الله في الآفاق وفي الأنفس دون تأمل واعتبار، وما يترتب على الإعراض عن التأمل من وعيدٍ يتهدد الإيمان ويصفّ المعرضين في مصافِّ الظالمين (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا) (الكهف: من الآية 57)، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22)) (السجدة).

 

يوسف من السجن إلى الحكم

تعالوا نتأمل العبرة في فترة من تاريخ مصرنا اليوسفية؛ علنا نهتدي بخبراتها التاريخية.

 

ولا يقولن قائل إن الحديث عن يوسف النبي فكيف تسقطونه على واقعنا المصري إن هذا يعد تعسفًا في التعامل مع القرآن؟! وللمتسائل المتعجب أقول:

 

ألم يطالبنا ربنا بأخذ العبرة والاستهداء بالخبرة في السورة الكريمة؟!!

 

ألم يحذرنا الله في السورة الكريمة من خطورة المرور على آيات الله في السماوات والأرض دون أن نتأمل الفعل الرباني في الأشياء والأشخاص وفي الوقائع والأحداث؟!!

 

ألم يجعل ربنا سورة يوسف آيات للسائلين وهدايات للسائرين؟!!

 

قل لي بربك كيف نأخذ العبرة ونهتدي بالخبرة ونرتقي إلى وعي وسعي أولي الألباب؟!!

 

وهل وصْف أولي الألباب خاص بالأنبياء فنبتعد عن الإسقاطات المعاصرة؟!

 

ولِم ننكر على مَن التقى مع سادته الأنبياء في مثلية وجه شبه في الابتلاء ورسولنا صلى الله عليه وسلم قد أقرَّ بالمثلية في قوله: "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" (رواه النسائي).

 

وما فائدة تخليد الحدث بذكره في القرآن، أليس في تخليده دليل على حتمية تكرره وتجدده وإمكانية تجدد وتكرر نفس نتائج الحدث إذا ما توفَّرت له الأسباب والشروط التي هيأته أول مرة؟!

 

ولم التشكيك في تكرار ذات التمكين الذي حققه الله ليوسف (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ) (يوسف: من الآية 21) أن يعيد تحققه لعباده المؤمنين عندما يستوفون شروط تحققه للسابقين وقد وعد به في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)) (النور)؟!!

 

*****

تعالوا أحبتي نهتدي بالخبرة التاريخية ونرحم حياتنا المعاصرة- وعيًا وسعيًا- برصيد التجربة الهادية؛ لأن فيها دليلاً هاديًا للإفادة من تكرار النهوض والإعمار والأمن والإشباع الذي حققه ربنا لمصرنا اليوسفية؛ ولأن فيها دليلاً هاديًا لتجنب السقوط والإفساد والجوع والحرمان الذي لحق بمصر الفرعونية.

 

واهتمامنا بالهداية التاريخية ليس مجرد محاولة للتعلق بالماضي عجزًا عن مسايرة الحاضر أو استشراف المستقبل؛ وإنما محاولة واثقة للبحث عن مصريتنا الحقيقية ووضع أيدينا على فترات التألق والعلوّ الإسلامي الحضاري على أرضنا اليوسفية من أجل استعادة الثقة بالنفس وبيان القدرة الإسلامية على العلوّ الحضاري وتحقيق أستاذية العالم من جديد.

 

إن تاريخنا كمصريين ليس مجرد حكومات تقوم وأخرى تسقط؛ وإنما تاريخ عقيدة ونظام حياة يعكس القدرة الإسلامية على صناعة حياة طيبة لأمة راشدة.

 

1ـ تقول هداية العبرة: إن مصر خزائن الله في أرضه استودعها الله جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم، وجعلها ربنا طعام الجائعين وأمان الخائفين (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: من الآية 55)، (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ) (يوسف: من الآية 99).

 

وشاء قدر الله أن ينعم شعب مصر بالأمن والإشباع حين يحكمها حفيظ عليم؛ كما شاء قدر الله أن يتجرَّع شعب مصر مرارة الجوع والخوف والفساد والطغيان حين يتسلط عليه جنود فراعين.. (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18)) (البروج)، (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)) (القصص)، (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)) (الفجر).

 

2- وهداية العبرة تقول: إن شعب مصر لا ينعم بالإشباع والأمن والكفاية والحرية إلا إذا تولى أمره من يدرك القيمة العليا للإشباع والأمن والكفاية والحرية.

 

وليس يدرك قيمة الإشباع والأمن إلا مَن أخذته العناية الربانية من حياة الرفاهية والقصور لتودعه المعتقلات والسجون حتى يناله قسط من الجوع والخوف يدرك معه القيمة العليا للإشباع والأمن والكفاية والحرية، والمتأملون في أحوال الناس المعيشية يقولون: لا يعرف قيمة النعمة إلا من حُرمها.

 

إن من عظمة قيمة الإشباع والأمن أن الله جعل منحها للشعوب والدول مضرب المثل في تقدم الدول وسعادة شعوبها وجعل سبحانه الحرمان منها مضرب المثل في تخلُّف الدول وشقاوة شعوبها.. (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112)) (النحل).

 

3 ـ وهداية العبرة تقول: إن يوسف عليه السلام خرج من سجنه مدركًا قيمة الإشباع والأمن؛ حيث أعلن أن مشروعه الأول بعد حريته هو العدالة في توزيع الثروة التي يتفكّه فيها الكهنة وجنودهم الظلمة ليردها على الشعب المحروم من ثروات وطنه الذي تنهب خزائنه لتودع في صناديق الكهنة وحسابات جنودهم بشكل يُعرِّض ثروات مصر للضياع ويعرضها للسقوط في الأزمات.

 

وعندئذ تقدم يوسف معبرًا عن صدق وطنيته ليتحمل المسئولية في هذا التوقيت الحرج من عمر الدولة المصرية معلنًا أن ثروات الوطن تضيع إن لم يهيئ الله لإدارتها من ترفعه أهليته لحمايتها، ومعلنًا في ذات الوقت عن كفاءاته وإمكانياته الاقتصادية والسياسية بجانب تفوقه الأخلاقي الذي يعلمه الجميع والذي سجن بسبه، ومن هنا نفهم معنًى للتحديد الوارد في الطلب: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: من الآية 55) فحفيظ صفة اقتصادية، وعليم صفة سياسية، والكل يعلم الربط الوثيق بين الاقتصاد والسياسة، ولا عجب أن يقترن الاقتصاد بالسياسة على أرضنا المصرية في كلية تُسمَّى "اقتصاد وعلوم سياسية".

 

ومن هداية هذه العبرة أرجو أن تُعنى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالإعداد الأخلاقي لخريجيها، بجانب عنايتها بالإعداد العلمي التثقيفي حتى تكتمل أركان الشخصية السوية؛ لأن شعبنا المصري عانى لسنوات ممن يفخرون بالدراية السياسية والاقتصادية ولم تمنعهم درايتهم من سرقة ثروات مصر والاستخفاف بشعبها واستضعافه وإرهابه وإذلاله.

 

4- وهداية العبرة تقول: إن سجن يوسف عليه السلام كان عسكريًّا بعد أن صدرت براءته مدنيًّا (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)) (يوسف)، وأن مدة سجنه كانت سبع سنين على رأي أكثر المفسرين، وهو أكثر إطلاق لغوي على البضع (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (يوسف: من الآية 42)، وقال بعض المفسرين خمس سنين، وهداني ربي الآن وأنا أكتب أن أتأمل رقم آية دخول السجن 5 3 وآية مدة السجن 42 أرأيتم الإعجاز العددي فيما هداني ربي!.

 

5- وهداية العبرة تقول: إن يوسف عليه السلام لم يجزع لقرار سجنه بسبب تديُّنه، بل استحبَّ السجن الذي تُحفظ معه القيم وتصان فيه العفة ويتحقق معه الولاء للوطن، فلم يهرب حين هُدد بالسجن وإنما سلم نفسه معتزًّا بتديُّنه (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف: من الآية 33).

 

6- وهداية العبرة تقول: إن مَن حَمَته العناية الربانية فأودعته السجن للإعداد والتأهيل لا يمكن أن تخرجه من سجنه الجهود البشرية.. لقد حاول يوسف عليه السلام أن يتلمس دورًا للجهد البشري في إخراجه حين قال لساقي الملك (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) (يوسف 42) لكن لم ينفع الجهد البشري، وإنما تدخلت العناية الربانية المباشرة، بعد مضيّ سنوات التأهيل الرباني لتخرج يوسف في وقت وبسبب لم يكن في حسابات يوسف؛ أي جهد ليوسف في رؤيا الملك؟! وقد أخبر يوسف عن العناية الربانية (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (يوسف: من الآية 100).

 

يا لها من عبرة تؤكد أن السجون حين تغلق على القادة الربانيين يهيئ الله فتحها بعيدًا عن الحسابات البشرية (فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: من الآية 52) ألا ترون أن ثورتنا المصرية في يناير هيَّأها الله على غير الحسابات البشرية لينزع بها ملك الظلمة الذين خدعونا كثيرًا بمسارعتهم في الولاء للصهاينة والأمريكان، وكانوا يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) فأتى ربنا بالفتح من عنده ليُخرج عباده الربانيين ويُدخل مكانهم الظلمة المخادعين ليصبحوا بعد فتح الله على ما أسروا في أنفسهم نادمين!.

 

ويا لها من عبرة تطمئن المصريين على الحماية الربانية لثورتهم، فربنا الذي أجرى ثورتنا وهو سبحانه الذي سيرسيها.

 

7- وهداية العبرة تقول: إن يوسف عليه السلام رفض الإسراع بالخروج من السجن حين واتته فرصة الخروج، وإنما تمهل وانتظر خروجًا كريمًا لا ترى فيه ضعف النفس البشرية حين تتوق شوقًا إلى الحرية.

 

8- وهداية العبرة تقول: إن يوسف عليه السلام اختير للمسئولية دون أن تتطلع إليها نفسه وإنما حدَّد نوع المسئولية بعد أن مُنح التمكين، تأملوا معي السياق الذي ورد فيه طلب يوسف: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ (54) (يوسف) عندئذ- وليس قبل- حدد يوسف نوع المسئولية قائلاً: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ) وفرق كبير بين مَن يتطلع للمسئولية ويطلبها وبين مَن يحدد نوعها وفق ما منحه الله من قدرات وإمكانيات بعدما يُطلب منه تحملها. إن هذا يعينه الله عليها، أما الآخر فيكله الله إلى المنصب، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فائت الذي هو خير وكفِّر عن يمينك" (مسند أحمد (21568) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

 

9- وهداية العبرة تقول: إن يوسف حين طُلب منه تحمل المسئولية وتعيّن عليه واجب الإنقاذ الوطني، أدرك أن مشروعه الوطني لا يكفي فيه طرح البرامج وتقديم الخطط بين يدي من لم تصقلهم المحن والشدائد ولم ينالوا قسطًا من الجوع والخوف يدركون معه قيمة الإشباع والأمن؛ مما يجعلهم مولعين بحماية وطنهم وجادِّين في تجنيب شعبهم آلام الجوع والخوف.

 

وإن البرامج والخطط تتحقق مصداقيتها حين يشرف على تنفيذها من يسعون لإسعاد شعوبهم طمعًا في مرضاة ربهم لعلهم يقتحمون العقبة (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ 12 فَكُّ رَقَبَةٍ 13 أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ 14 يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ 15 أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ 16 ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ 17 أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ 18) (البلد)، يا له من دين يجعل اقتحام العقبة في منح الحرية لفاقديها "فك رقبة"! وتحقيق العدالة في توزيع الثروة على المحرومين منها خصوصًا وقت الأزمات " أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ..."! مع انطلاق مقتحِم العقبة من مرجعية إيمانية تحيطها صحبة تتواصى بالصبر والمرحمة!!.

 

لذا، هيأت المشيئة الإلهية التمكين ليوسف ليس فقط على الخزائن كما حدد يوسف وإنما منحه الله تمكينًا عامًّا على كل مصر يتبوأ منها حيث يشاء، رحمةً من الله بمن اتقى وصبر وأحسن؛ ليباشر مشروعه في تحرير الرقاب وعدالة التوزيع بنفسه وعلى جميع المستويات (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)) (يوسف).

 

10- وهداية العبرة تقول: إن رحمة الله التي مكَّن بها ليوسف رحم معه بها كذلك شعب مصر الذي أحب يوسف وأحب مشروعه الاقتصادي والأمني والاعتقادي والأخلاقي، وإن رحمة الله حين يرسلها لقائد وشعب لا يمكن أن تعبث بها يد عابث ولا أن تطولها يد متطاول أو تمنعها يد ممانع (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)) (فاطر).

 

11- وهداية العبرة تقول: إن الكهنة وجنودهم ما كان لهم أن يسكتوا على التحول الجديد لمصر التي اعتادوا نهب ثرواتها وصناديقهم الممتلئة بالخداع والاحتيال تتعرَّض للخطر في عهد الحاكم الجديد ومشروعه الوطني المستمد من الدين الذي يؤمن به يوسف؛ فقاموا بحملات إعلامية شرسة ليوقعوا بين يوسف والملك تارة وليوقعوا بين يوسف والشعب أخرى متصورين قدرتهم على الوقيعة بيوسف متجاهلين الفعل الرباني في الأحداث، فإذا بالهزيمة تلاحقهم المرة تلو المرة؛ لأن من يغالب الله يُغلب " وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (يوسف: من الآية 21).

 

12- وهداية العبرة تقول: إن ملِكَ مصر اليوسفية لم يكن فرعونيًّا مستبدًّا، وإنما كان ملكًا وطنيًّا يعشق المصلحة العليا للوطن الذي يحكمه؛ ألا ترون وطنيته الصادقه تدفعه لاتخاذ القرار الوطني الذي يمنح صاحب الكفاءة الحديث عهد بالسجن الحق في تبوؤ إدارة شئون البلاد ليجنب وطنه الأزمات، قائلاً: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) (يوسف: من الآية 54).

 

13- وهداية العبرة تقول: إن مشروع الإنقاذ الوطني لمصر على يد يوسف عليه السلام وُضعت خطته الأولى نظريًّا داخل السجن (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48)) (يوسف).

 

14- وهداية العبرة تقول: إن البرنامج اليوسفي للإنقاذ الوطني لمصر وتحقيق الحلم المصري بنهضة اقتصادية وأمنية وأخلاقية قد استغرق سبع سنوات استطاع يوسف خلالها بمعاونة الوطنين الشرفاء أن يعبر بمصر من أزمتها بسلام، فبدأ بالأخذ على يد العابثين بالأمن ومقدرات الوطن المتمثلين في الكهنة وجنودهم ليوقف نزيف تبديد الثروة وتفزيع المواطنين.

 

واستطاع بتوفيق الله ثم بمعونة المخلصين لوطنهم عبر منهجية اقتصادية فاعلة أن يجعل مصر واحةً اقتصاديةً- كما سماها في إعلانه الأول "خزائن الأرض"- لم تُشبع المصريين وحدهم وإنما أطعمت العالم حول مصر أربعة عشر عامًا، واكتمل حلم النهضة المصري أمنيًّا مع اكتماله اقتصاديًّا لتصبح مصر واحة الأمن ليس للمصريين وحدهم، وإنما للمسافرين إليها أو المقيمين فيها كما وصفها حاكمها يوسف في إعلانه التالي: (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ) (يوسف: من الآية 99).

 

15- وهداية العبرة تقول: إن المكر السيئ الذي تعرض له يوسف أكثر من مرة وعلى يد أكثر من جهة لم يحِق إلا بأهله، وأن النفوس المسوِّلة لن تصل إلى بغيتها أبدًا، إن مكر إخوة يوسف حاق بهم، وإن مكر امرأة العزيز حاق بها، وإن مكر زوجها رئيس العسكر حاق به وبوأ الله يوسف مكانه وأورثه مقعده.

 

وعلمتنا العبرة دائمًا أن الباطل أحد جنود الحق, وأن أقصى ما يفعله مكر الباطل أن يسهم في إحقاق الحق وبلوغه هدفه (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ 7 لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ 8) (الأنفال).

 

ولما بلغ العلوّ الفرعوني مداه في الطغيان والإفساد جاءنا (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)) (القصص: 5، 6).

 

أرجو أن نتأمل آية القصص بنفس منهجية العرض السابقة؛ لأن وظيفة القرآن تحقيق الهداية لكل جيل وفي كل عصر.

 

"ونريد أن نمن" عندما يريد ملك الملوك عز وجل أن يمنَّ هل يمكن لقوة الأرض مجتمعة أن تمنع؟!! (عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) تذكروا أنهم كانوا في مصر والعبرة بعموم اللفظ، لكن لا تحرموا خصوص السبب حقه (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) وُرثت أشياء وأشخاص وما زال وعد ربي يتجدد " وَنُرِي " يا سلام على "نري" بإعجازها المرئي ويا سلام على الترتيب التالي (فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا) لم يقل والجنود ليبرئ كل جندي وطني لم يبع نفسه لفرعون، أرأيتم الإعجاز في الإضافة (مِنْهُم) من الورثة المستضعفين (مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) تأملوا يا من تتلتمسون بهمزكم ولمزكم عيب البرآء، لن يرى مَن علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا واستضعف طائفة منهم وذبح أبناءهم لن يرى من هذه الطائفة إلا ما يحذر؛ إذًا الفراعنة لن يروا ما يحذرون إلا على أيدي من كانوا يستضعفونهم ممن مكن الله لهم وبدل خوفهم أمنً، فلم الافتراء على هذه الطائفة واتهامها بعمل صفقات مع من استضعفوهم من قبل؟!

 

وختامًا أحبتي، لا تخافوا على مصر مع هذه الطائفة المؤمنة التي كان فرعون يحذرها، أتدرون لماذا كان يحذرها ؟! كان فرعون وجنده يتفكهون ويتنعمون بجنات مصر ويحرمون منها الشعب فكانوا يحذرون من سعي هذه الطائفة لرد جنات مصر إلى شعبها حين يعود لربه.

 

لكن حذر فرعون وجنده من تحول هذه الجنات إلى الشعب لم يمنع قدرة الله من أن يخرج الطاغية وجنده منها، هذا ليس حديثًا يُفترى ولكنه من هدايات ربي تصديقًا لمسيرتنا المباركة، تأملوا معي هذه الآيات البينات، قال ربنا: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ 53) [إعلاميون لتشويه صورة هذه الطائفة] (إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ 54 وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ 55 وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ 56) [حذر من الخروج من جنات مصر وخيراتها] (فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 57 وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ 58) (الشعراء).

 

وهلك الطاغية وجنده، وعادت مصر بجناتها وعيونها وكنوزها ومقامها الكريم إلى شعبها.

 

ومصرنا الحديثة تنتظر تجدد الوعد الرباني حين تتطهر من بقايا النظام الفرعوني ويرأسها حفيظ عليم متدين لتصبح جنات يتفكه وينعم فيها المصريون بعد أن كان التنعم بها خاص بفرعون وجنده، تأملوا معي الوعد الرباني لمصر: (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ 24 كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 25 وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ 26 وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ 27 كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ 28) (الدخان).

 

وتأملوا (كَمْ تَرَكُوا) كم للكثرة، فمهما بدد الفراعنة من ثرواتها ستظل مصرنا غنية بثرواتها وقادرة على النهوض بإمكاناتها، فلم الإصرار على إغراقها بالديون رغم ما فيها من مؤهلات النهوض كما وعد ربي؟!! (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً) (النساء: من الآية 122)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا) (النساء: من الآية 87).

 

مصر ليست بحاجةٍ إلى قرض أو معونة خارجية، مصر فقط بحاجة إلى أبنائها الثكالى أصحاب القلوب الملذوعة يتعبدون إلى الله بحمايتها ونهضتها كما تعبد يوسف إلى ربه من قبل.

 

ولن ينهض بمصر المستأجرون أدعياء بنوتها من أصحاب الحناجر المرفوعة  والأقلام المأجورة.

 

اللهم امنح قلوبنا حبًّا لمصر ووطنية صادقة نختار بها يوسفيًّا حفيظًا عليمًا يخافك ويرجوك لنسلمه رئاسة مصر قائلين: "إنك اليوم لدينا مكين أمين".. لننعم وذريتنا بمصر اليوسفية، وباعد اللهم بيننا وبين طغيان وفساد الفراعنة كما باعدت بين المشرق والمغرب.