• على من تجب الزكاة؟

يقول أهل العلم والفقه إن الزكاة تجب على المسلم؛ لأنها عبادة، ولا تقبل من الكافر، ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله عز وجل: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه) (التوبة: من الآية 54).

 

كما أنها (الزكاة) تجب على المسلم الحر، ولا تجب على العبد؛ لأنه لا يملك وإن ملك فرضًا لا يستطيع التصرف في المال، ودليل ذلك من السنة النبوية الشريفة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من باع عبدًا له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع" (أخرجه البخاري ومسلم).

 

وتأسيسًا على ذلك تجب زكاة المال على المسلم الحر، سواء كان ذكرًا أو أنثى، مكلفًا أو غير مكلف، عاقلاً أو مجنونًا متى كان هناك مال تتوافر فيه شروط الخضوع للزكاة، وهذا ينطبق على مال اليتيم على النحو الوارد في البند التالي:

 

• حكــم زكاة مال اليتيم:

الزكاة عبادة مالية، تتعلق بالمسلم كعبادة وتتعلق بماله كفريضة مالية، ولقد اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة على مال اليتيم.
فيرى جمهور الفقهاء أن في مال اليتيم زكاة إذا توافرت شروطها، بينما يرى فريق آخر أنه ليس في ماله زكاة؛ حيث إنه يعدُّ غير مكلف بالعبادة والزكاة عبادة.

 

ومن أدلة رأي الفريق الأول أن في مال اليتيم زكاة، ويجب على ولي أمره أداؤها، ودليلهم في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا من ولي يتيمًا له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" (أخرجه الترمذي)، ولقد أخذ بهذا الرأي: الإمام مالك والشافعي وأحمد، كما أخذت به أيضًا الهيئة الشرعية العالمية للزكاة ، ونحن نميل إلى هذا الرأي.

 

ومن أدلة رأي الفريق الآخر: لا زكاة في مال اليتيم؛ لأن الزكاة عبادة ترتبط بالتكليف، واليتيم الصبي غير مكلف بالعبادات، ولقد أخذ بهذا الرأي: الحسن ومجاهد.

 

ويرى أبو حنيفة: لا زكاة في مال اليتيم إلا في زكاة الزروع والثمار فقط.

ونرى أن رأي الفريق الأول هو الأرجح؛ أي فرضية الزكاة في مال اليتيم إذا توافرت شروط وجوبها.

 

• حكم زكاة المال المجمد المحبوس لليتيم:

 

أحيانًا يكون مال اليتيم مجمدًا أو مقيدًا في استثمارات أو لدى البنوك الحكومية ولا يستطيع الوصي التصرف فيها كما تقضي بذلك بعض القوانين (نظام المجلس الحسبي في مصر على سبيل المثال)؛ ففي هذه الحالة ليس عليها زكاة؛ لأنها تأخذ حكم الأموال المقيدة التي ليس عليها زكاة، وتزكى عند الإفراج عنهما لسنة واحدة فقط وليس بأثر رجعي.

 

• حكـم تطهير مـال اليتيم المكتسب مـن حرام:

أحيانًا تستثمر أموال اليتيم بالأسلوب الربوي؛ حيث توضع في بعض البنوك التقليدية التي تعطي فائدة ربوية؛ ففي هذه الحالة التي فيها اضطرارًا، تجنب تلك الفوائد بعيدًا عن أصل المال الحلال ويتم التخلص منها في وجوه الخير وليس بنية التصدق.

 

• من يدفع زكاة مال اليتيم؟

يقوم الولي على مال اليتيم بحساب الزكاة المستحقة وله أن يستعين بأهل الاختصاص في هذا الأمر، مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)، وتخصم الزكاة المستحقة من مال اليتيم وتدرج ضمن نفقاته، وفي هذا الخصوص تثار العديد من المسائل والتساؤلات من بينها ما يلي:

 

• هل يجوز للوصي أن يتحمل زكاة مال اليتيم هبةً أو تبرعًا أو هدية؟

 

أجاز الفقهاء ذلك من باب الصدقة والبر والصلة والتبرع ويثاب الوصي على ذلك.

 

• هل يجوز للوصي أن يقرض اليتيم قرضًا حسنًا يدفع منه الزكاة الواجبة إذا لم يوجد سيولة نقدية عند اليتيم؟

 

أجاز الفقهاء ذلك أيضًا بشرط أن لا ينتفع الوصي بأي شيء؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل قرض جر نفعًا فهو ربا" (رواه أحمد).

 

• هل يجوز تقسيط الزكاة المستحقة على مال اليتيم، وخصوصًا في حالة نسيان الوصي أداءها في حينها؟

 

أحيانًا يفاجأ اليتيم بعد بلوغ سن النكاح والرشد أن الوصي عليه لم يقم بدفع الزكاة الواجبة في ماله لعدة سنوات ماضية، ولم يكن هناك مانع شرعي يمنع أداءها، وبذلك يتراكم مبلغ كبير يصعب سداده مرة واحدة؛ ففي هذه الحالة يجوز تقسيط الزكاة المستحقة والأولى التعجيل بسدادها ولا تقسط؛ لأنها حق الله في المال وله صفة الامتياز على بقية الحقوق.

 

• حكم الصدقة التطوعية من مال اليتيم:

يثار تساؤل: هل تجوز الصدقة التطوعية من مال اليتيم؟

 

لقد تناول الفقهاء هذه المسألة بشيء من التفصيل ولهم آراء كثيرة، والرأي الراجح عندهم هو لا يجوز للولي أن يتصدق من مال اليتيم؛ وذلك لأن الصدقة التطوعية مندوبة وليست فرضًا أو واجبًا وذلك من باب المحافظة على المال.

 

وإذا اقترب اليتيم من سن النكاح  والرشد ورأى أن يتصدق بالعدل دون تجاوز حسب ما يتعارف عليه الناس، فلا بأس، وخصوصًا وأنه في هذه السن يكون قد عقل ما يصنع.

 

• حكم التبرع والهدايا والهبات من مال اليتيم: 

 يرى الفقهاء أنه لا يجوز التبرع أو الهدية من مال اليتيم؛ لأن ذلك كله من المندوبات وليست من الفرائض أو الواجبات، والغاية من ذلك هو المحافظة على  مال اليتيم.

 

• حكم الأضحية من مال اليتيم:

يرى الفقهاء أنه لا يجوز التضحية من مال الفقير لنفس المبررات السابقة، ولكن إذا قرب اليتيم من سن الرشد وعقل معنى الأضحية فلا حرج.

• الخلاصة:

وخلاصة القول أن الراجح من أقوال الفقهاء هو خضوع مال اليتيم للزكاة، سواء زكاة المال أو زكاة الفطر، ولكن لا يجوز التصدق أو التبرع أو الإهداء أو ما في حكم ذلك من النفقات المندوبة؛ وذلك بهدف المحافظة على المال ورده إليه بالعدل. 

-------------

* الأستاذ بجامعة الأزهـــر

خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية

والمشرف على موقع "دار المشورة للاقتصاد الإسلامي

www.Darelmashora.com

E.m: Darelmashora@gmail.com