هذه كلمات أخطها لإخواني وهي حصيلة لوقفة طويلة وقفتها مع نفسي بعد نوعٍ من البحث والمصارحة للذات في ضوء الأحداث الصاخبة التي تشهدها الساحة وما تخللها من قرارات لمجلس شورى جماعة الإخوان قوبلت بغضبٍ ورفضٍ من بعض الإخوان، خاصةً فيما يتعلق بالتصويت لمرشحٍ بعينه.. وقد خرجت تعبيرات عديدة من البعض تتحدث عن المقارنة بين طاعة الجماعة في قراراتها وحرية الرأي وراحة الضمير وغيرها من المناظرات التي لا تنتهي.

 

وهذه الكلمات هي نوع من التذكير للنفس بعددٍ من الثوابت المهمة لمَن ارتضَى لنفسه الانخراط في صفوف الدعوة.. ربما تثبته وتقويه وتعينه على مواصلة طريقه، وربما تعينه على مزيدٍ من الاجتهاد ترسيخًا للأقدام على طريق الدعوة.

 

إن أي فردٍ يرتضي لنفسه الانخراط في أي تجمع بشري- حتى ولو كان ناديًا رياضيًّا- يُدرك أن هناك لوائحَ ونظمًا ينبغي عليه الالتزام بها ومَن يخالفها يُعرِّض نفسه للمراجعة أو المساءلة أو المحاسبة، وجماعة "الإخوان المسلمون" ليست بدعًا عن تلك التجمعات فلها نظامها ولوائحها وقوانينها وأدبياتها المعروفة، والتي لم تخف على أي ممن ارتضى لنفسه الانضمام إليها وبايع على ذلك؛ أي أعطى لله موثقًا بالالتزام بأركان البيعة العشر التي حددها الإمام البنا يرحمه الله: "أيها الإخوان: أركان بيعتنا عشرًا فاحفظوها:

الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة الثبات والتجرد والإخوة والثقة" (رسالة التعاليم – الرسائل 356).

 

ولا شك أن الالتزام بتلك الأركان يعدُّ من مقتضيات الانتماء للدعوة  الذي تصحبه تكاليف منها ما يتوافق مع النفس والرأي ومنها ما يخالفها ومنها ما يكون صعبًا عليها، ولكن صاحب البيعة القابض على بيعته لا يجد فكاكًا من الطاعة في المنشط والمكره "وأريد بالطاعة: امتثال الأمر وإنفاذه توًا في العسر واليسر والمنشط والمكره" (رسالة التعاليم ص 362 ).. "والدعوة فيها "خاصة" لا يتصل بها إلا مَن استعد استعدادًا حقيقيًّا لتحمُّل أعباء جهادٍ طويلٍ المدى كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد "كمال الطاعة" (رسالة التعاليم 362)، "وأريد بالتجرد أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص" (رسالة التعاليم- ص 363). ولا يمكن أن تكون "الطاعة" كاملةً إلا إذا كانت مصحوبة بـ"ثقة" وهو الركن الأخير من أركان البيعة .. يقول الإمام البنا : وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)) (النساء)" (رسالة التعالم ص 364).

 

ونشير هنا إلى أن: "الركن الأول من أركان البيعة وهو ركن  الفهم  للإسلام لا يثمر إلا إذا كان الفاهم مخلصًا وأن "الإخلاص" لا يُعبِّر عن نفسه إلا بـ"العمل" بعد "الفهم"، وأن "الفهم" و"الإخلاص" و"والعمل" يفضي إلى الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وليمكن لدين الله في الأرض، ولا "جهاد"  بغير "تضحية": تضحية بالوقت والجهد والمال والنفس من أجل بلوغ الهدف، وما دام "جهاد" و"تضحية" فلا بد من قيادة والقيادة لها "الطاعة"، بل تمام الطاعة من غير ترددٍ ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، وما دامت هناك معارك فلا بد من "الثبات"، والثبات على الحق يحتاج إلى "تجرد" من كلِّ ما يخالف الحق أو يعاديه حتى لو كان يعادي الحق أقرب المقربين إلى المتجرد.

 

وكل هذه الأركان لا تُثمر ثمرتها المرجوة إلا أن يكون بين المبايعين عليها "أخوة" في الله وفي الدين تعرف حقوقها وتؤدي واجباتها، ثم تأتي "الثقة" لتتوج كل هذه الأركان، والجندي هو الناصر والمعاون والأصل- في الإسلام- أن يكون النصر أو العون علي أمر من الأمور التي فيها طاعة لله عز وجل، ومن هنا فإن الجندية في مجال العمل من أجل الإسلام عبادة لله سبحانه وتعالي (سلسلة فقه الإصلاح والتجديد- ركن الثقة-  د.علي عبد الحليم محمود).

 

في هذه الأجواء تجدر الإشارة إلى أن جماعة الإخوان تميَّزت منذ نشأتها عام 1928م بإرساء مبدأ حرية الرأي والنقاش وفق ضوابطه المعروفة وأرست في الوقت نفسه مبدأ "الشورى" في كل دوائر اتخاذ القرار وجعلت من قراراتها ملزمة وليست معلمة.
ومن هنا فعند اتخاذ الجماعة قراراتها  بالشورى عبر مؤسساتها تكون مرحلة النقاش والأخذ والرد قد انتهت ويبقى الالتزام بما صدر من قرارات هو السبيل الوحيد أمام أبناء الدعوة؛ وذلك ما يحدث مثله في كل المجتمعات المتحضرة التي تتخذ من الديمقراطية الغربية سبيلاً لاتخاذ القرار.

 

وأود  أن أشير هنا إلى أنه لا يتم قهر أحد على رأي، ولكن الذي يتم غالبًا هو التذكير  بالوفاء بالبيعته التي يعد الالتزام بقرارات الجماعة من أهم معالم الالتزام بها.

 

والذي حفظ جماعة "الإخوان المسلمون"  قوية منيعة مستعصية على كل محاولات شقها هو وحدتها على قلب رجل واحد والتفاف أبنائها حول قيادتها وطاعتهم لقرارتها مهما كان الرأي الشخصي في ذلك فـ(لا يمكن لجماعة أن تعمل بلا قيادة تنظم العمل وتحدد الأهداف والوسائل وتتابع التنفيذ ويرجع إليها عند أي أمر يحتاج إلى إيضاح ولإزالة أي خلافٍ حول أمر من الأمور، وجنود ينفذون ويسددون القيادة ويقدمون لها النصح والمشورة، ولا قيمة لجماعة ما لم يكن لقيادتها حق السمع والطاعة علي الجنود- في غير معصية- وإلا فكيف تضع القيادة خطة لإنجاز عمل وتكلف الأفراد بالتنفيذ إذا كانت لهم حرية التنفيذ من عدمه؟ فيجدر بمَن يتصدون لأعظم إنجاز في هذه الدنيا وهو إقامة دولة الإسلام أن يعملوا في جماعة لها قيادة يسمع لها الأفراد ويطيعون في غير معصية ؟..."– القائد القدوة على طريق الدعوة- الأستاذ مصطفى مشهور يرحمه الله  ص 12.

 

"ثم إن توقير القيادة من قبل الأفراد أمر يحث عليه الإسلام لا لمجرد أشخاص القيادة ولكن باعتبارها رمز الجماعة التي تحمل لواء الإسلام.. وأي انتقاص من مكانة القيادة ينال من وحدة الجماعة وقوتها. أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية". (القائد القدوة على طريق الدعوة ص 17).

 

وعلى الفرد "أن يعلم أن التزامه بنظم الجماعة ولوائحها أمر أساسي ولازم لحسن سير العمل لتحقيق الأهداف وأن وفاءه بما يعطيه من عهدٍ وبيعةٍ يعتبر طاعةً وتعبدًا لله ومن أفضل القربات، وأن طاعته لأميره في غير معصية هي طاعة لله ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومَن يطع الأمير فقد أطاعني ومَن يعص الأمير فقد عصاني" (متفق عليه) (القائد القدوة علي طرق الدعوة ص 92).

 

"وعلى كل رجل العقيدة وجندي الدعوة أن يخلص ولاءه لها ويتخلص من أي ولاء لسواها من المبادئ والأشخاص ولو كانوا أعز أقربائه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: من الآية 4).

 

هذا التجرد لدعوة الله أمر لازم وضروري لضمان استمرارية العمل والعاملين دون تعرض للتسيب والانفراط ولتفادي ازدواجية الولاء وما يترتب عليه من أضرار، وليحذر كل فردٍ أن ينفرد بتصرف فيه ارتباط بحزب أو هيئة أو حلف أو مشاركة في حكم أو غير ذلك، وعليه أن يلتزم بتعليمات الجماعة في هذا السبيل..(القائد القدوة علي طريق الدعوة – ص 98- 99).

 

وألفت انتباه نفسي وإخواني هنا إلى أن المعضلة لا تكمن أبدًا في الاختيار بين شخص مهما كان تاريخه ومهما تعاظمت كفاءته وأرضيته الإسلامية وبين غيره من المرشحين، ولكن المعضلة تكمن في الاختيار بين قرارات الجماعة- الصادرة من القيادة- المبنية على الشورى وبين شخص أيًّا كان هذا الشخص سواء كانت قرارات الجماعة تصبُّ في اختيارها، والدعوة لانتخابه أو رفض شخص والدعوة لعدم انتخابه، فالأشخاص في كل الأحوال (ولهم كل التقدير والاحترام) زائلون وثوابت الدعوة ولوائحها تنبه الجميع إلى عدم الالتفاف حول الأشخاص- أيًّا كان قدرهم- على حساب الدعوة والانسياق وراء رغباتهم أو قراراتهم على خلاف قرارات الجماعة وإلا لفتح المجال ليأخذ كل قراره الخاص في كل أمر وبهذا لن تكون هناك أي فاعلية لقرارات الجماعة، وهو ما ينعكس بالسلب على فاعلية الجماعة بل ووجودها.

 

ولم يحدث في التاريخ أن أعضاء أي تجمع يتخذون قراراتهم بمعزلٍ عن ذلك التجمع أو يتخذون قراراتهم عكس ما يراه ذلك التجمع، وغني عن البيان هنا فإنه لا مجالَ للمقارنة بين حرية الرأي وراحة الضمير من جانب والطاعة الواجبة من جانب آخر، ففي الطاعة كل راحة لضمير الفرد الملتزم بدعوته ثم إن الدعوة لم تتأسس ولا تصدر قراراتها بمعزلٍ عن رضى الله وبضمير مرتاح، فهي جماعة إسلامية فكرًا ومنهجًا واجتهادًا، ولا يمكن أن يصدر عنها قرار يخالف الشرع.

 

إن مشروع الإخوان المسلمين الحضاري لا ينحصر في رئاسة دولة أو نيل عضوية برلمان  أو غيرها من المواقع فتلك كلها تمثل حلقات مهمة ضمن المشروع الإسلامي الحضاري.

 

نعم إن حرية التفكير وحرية الرأي وحرية النقد مكفولة داخل الجماعة لكن بضوابطها وفيما لا قرارَ فيه للقيادة، وذلك هو نظام جماعة الإخوان- كما أفهمه- الذي ارتضته لنفسها، والذي وافق عليه كل مَن انتسب إليها عند بيعته بمحض إرادته وبراحةٍ من ضميره.

---------

* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة "المجتمع"