تاريخ من الجهاد والدعوة والعمل في مجال الاستثمار والاقتصاد عاشه المهندس خيرت الشاطر، الرجل الحديدي كما يُفضِّل البعض أن يطلقوا عليه بدأه كقائدٍ لانتفاضة الطلبة في جامعة الإسكندرية، وسُجن 6 مرات 4 منها في عهد النظام المخلوع، وخرج بعد الثورة ليبدأ في إعداد مشروع النهضة الشاملة لنقل مصر إلى مصاف الدول المتقدمة.
وفي 31 مارس 2012م أعلنت جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة ترشيح المهندس خيرت الشاطر في انتخابات رئاسة الجمهورية.
نشأة قائد
ولد محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر في قرية كفر الترعة القديمة بمركز شربين محافظة الدقهلية في 4 مايو 1950م، وعُرف بتفوقه وفكره الحاضر منذ نعومة أظفاره.
عَرَفَ المهندس خيرت الشاطر طريق النضال مبكرًا فبدأ نشاطه الطلابي والسياسي في نهاية تعليمه الثانوي عام 1966م.
رغم حداثة سنه قاد طالب إعدادي كليه الهندسة انتفاضة الطلبة 1968م في عهد جمال عبد الناصر، وأقام معسكرًا داخل كليته التي حاصرتها قوات الأمن، وظلَّ يُحمِّس الطلاب ويسيطر على انفعالات أصدقائه رغم أنه كان الأصغر سنًا.
وينتهي الحصار ويقبض على خيرت ويحبس في معتقل الحضرة، وتصدر الدولة قرارًا خاصًّا بتجنيد خيرت الشاطر ليشترك في حرب الاستنزاف رغم أنه لم يبلغ السن القانونية لدخول الجيش ويعود في 1972م إلى الجامعة ليقود الطلاب مرةً أخرى في حركة طلابية جديدة عام 1973م ويلقبه زملائه بالزعيم.
انخرط الشاطر في العمل الإسلامي العام منذ عام 1967م، وشارك في تأسيس العمل الإسلامي بجامعة الإسكندرية منذ مطلع السبعينيات، وارتبط بجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1974م، وتدرَّج في مستويات متعددة وأنشطة متنوعة في العمل الإسلامي، من أهمها مجالات العمل الطلابي والتربوي والإداري، حتى أصبح عضوًا بمكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1995م ثم نائبًا للمرشد العام حتى استقال من منصبه بعد ترشيحه لرئاسة الجمهورية 2012م.
اعتقل الشاطر عدة مرات؛ حيث صدر أمر بالقبض عليه عام 1981م، ولكنه كان خارج مصر، كما اعتقل مجددًا في عام 1992م لمدة عام، فيما عرف إعلاميًّا بقضية سلسبيل، وفي عام 1995م اعتقل وحُكم عليه بخمس سنوات مع عددٍ من قيادات الجماعة فيما سُمِّي بقضية "مجلس شورى الإخوان"، وبعد الإفراج عنه لم يقضِ أكثر من عام حتى تم اعتقاله مجددًا في عام 2001م ليقضي عامًا آخر خلف القضبان.
وكانت القضية الأشهر التي تم اعتقاله فيها عام 2006م فيما سُمِّي إعلاميًّا بـ"ميليشيات الأزهر"، ووجهت له عدة تهم منها غسيل الأموال، والانضمام إلى تنظيم غير شرعي، وتمويل نشاطات إرهابية، وهو ما لم يتمكن نظام مبارك من إثباته أمام المحاكم الطبيعية فتم تحويله إلى محاكمة عسكرية.
يرجع تاريخ القضية إلى يوم 14 ديسمبر 2006م؛ حيث اعتقل النظام المخلوع خيرت الشاطر ومجموعة من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وعلمائها ورجال الأعمال البارزين بها بلغ عددهم 40 قياديًّا، حيث تم عرضهم في بداية الأمر على القضاء المدني الذي برَّأهم وأمر بإطلاق سراحهم ثلاث مرات في القضية رقم 963 لسنة 2006م، فتمت إحالتهم بأمر من الحاكم العسكري رئيس الجمهورية المخلوع حسني مبارك في 5 فبراير 2007م إلى محاكمة عسكرية استثنائية وسرية منعت عنها الكاميرات ووسائل الإعلام، وبعد ما يزيد عن سبعين جلسة من المحاكمة، وفي 15 أبريل 2008م أصدر لواء من سلاح المشاة يُدعى عبد الفتاح عبد الله علي أحكامًا مشددة بالسجن ومصادرة الأموال على 25 متهمًا منهم 7 خارج البلاد، كما قضت بتبرئة 15 متهمًا، بلغت جملة الأحكام 128 سنة ما بين 10 سنوات لقيادات الخارج حتى 3 سنوات، وكان نصيب الشاطر فيها 7 سنوات، وهي أقصى عقوبة شهدتها المحاكمات العسكرية للإخوان في عهد مبارك، ثم أفرجت عنه ثورة الشعب في فبراير 2011م.
ولم يكن هذا العداء الواضح من النظام المخلوع للشاطر إلا لنشاطه الكبير وغير العادي منذ بداية حياته، وظلَّ محافظًا على نفس الطريق رغم الابتلاءات وما لحقه من ظلم.
موسوعة علمية
تميز الشاطر بالاهتمام بالجانب العلمي بالاضافة إلى الجانب العملي حتى عرف بأنه رجل موسوعي، فقد حاز شهادت عديدة في الفنون والعلوم، فاستمر في الدراسة وحصد الشهادات العلمية فبجانب بكالوريوس الهندسة من جامعة الإسكندرية والماجستير من جامعة المنصورة، حصل الشاطر على ليسانس الآداب قسم الاجتماع من جامعة عين شمس، ودبلوم الدراسات الإسلامية من معهد الدراسات الإسلامية.
كما حصل على دبلوم المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم إدارة الأعمال من جامعة عين شمس، ودبلوم التسويق الدولي من جامعة حلوان.
الشاطر والنهضة
لم يكن أمام الشاطر بعد خروجه من المعتقل وقت ليلتقط أنفاسه، فبدأ على الفور بالعمل على مشروع النهضة الذي كلفته به جماعة الإخوان المسلمين، ليكون جاهزًا أمام الرئيس والحكومة القادمين لتتمكن مصر من الدخول في طريق النهضة الشاملة وتتجنب الخسائر.
شق الشاطر طريقه إلى الخارج من أجل البحث عن أفق لمشروعه، فذهب إلى تركيا بغرض حثِّ الأتراك على زيادة الاستثمارات التركية في مصر، واتصل بقيادات في المجلس الانتقالي الليبي ليكون للعمالة المصرية دور في إعادة الإعمار في ليبيا، بالإضافة إلى اتصالات له مع السودان والمغرب وتونس من أجل إيجاد فرص للشركات الاستثمارية فيها.
كما تواصل مع عدد من البلدان التي شهدت تقدمًا في مجالات اقتصادية مختلفة أو البلاد التي تملك تجارب متميزة في مجالات اجتماعية أو سياسية أو إدارية مختلفة وتتشابه ظروفهم من الظروف المصرية؛ لتنطلق مصر سريعًا إلى النهضة الشاملة.
نشاط اقتصادي
ورث الشاطر النشاط الاقتصادي عن والده وأجداده منذ صغره، فقد مارس والده التجارة لأكثر من خمسين سنة، وامتلك عددًا من الأراضي الزراعية، وكان من أكبر التجار المشهورين في محافظة الدقهلية، وكذلك جده من والده ووالدته أيضًا، وكان يساعد والده منذ طفولته.
ولم يكن لدخول الشاطر عالم التجارة تأثير على تفوقه الدراسي، بل كان متفوقًا في كل المجالات؛ حيث تخرج في كلية الهندسة جامعة الإسكندرية بتقدير امتياز، إلا أن الجامعة رفضت تعيينه بسبب قيادته للحركة الطلابية، فعاد الشاطر إلى الدقهلية وتم تعيينه بجامعة المنصورة التي كانت حديثة وقتها وفي حاجة إلى الأساتذة والمعيدين، وظل بالجامعة حتى أصبح مدرسًا مساعدا بكلية الهندسة حتى عام 1981م حينما أصدر السادات قرارًا بنقله خارج الجامعة ضمن قرارات سبتمبر 1981م.
ولم يكن الشاطر قد ابتعد طوال هذه الفترة عن المجال الاقتصادي والاستثمار، فبعد تخرجه من الجامعة قام بعمل عدة مشروعات اقتصادية مثل التجارة الحرة والمقاولات والاستشارات الهندسية.
ولكن وبعد صدور قرار إبعاده من العمل بالجامعة سافر الشاطر من 1981م وحتى 1987م إلى أوروبا وعدة دول بالمنطقة العربية، وكان سفره في البداية لغرض الدراسات العليا إلا أن العمل التجاري استهواه مرة أخرى، فمارس العديد من الأنشطة التجارية في منطقة الخليج وأوروبا وكوَّن علاقات قوية.
ثم جاء بعد ذلك قرار الشاطر بالعودة إلى مصر والاستثمار بشكل واسع في مجالات تخدم التنمية الاقتصادية الحقيقية، فأسس شركة سلسبيل بالشراكة مع صديق كفاحه المهندس حسن مالك، وكانت هذه الشركة تعد في حينها أقوى شركة مصرية للحاسب الآلي في مصر، وكانت لها الريادة والسبق في إدخال الحاسب والتكنولوجيا للمنطقة العربية، وعمل برمجيات باللغة العربية، وكانت نواة لعدة أنشطة تجارية أخرى ذات فروع في الوجه القبلي والبحري مثل تنظيم وإدارة المعارض الكبرى للسلع المعمرة، تمليك المشروعات الصغيرة للمهنيين بالتقسيط وتقديم الدعم الفني والتسويقي لهم.
ولم يكتف الشاطر بمجرد الاستثمار والتجارة بل كان يستعد للدخول بمصر إلى عالم التكنولوجيا وتصنيع الحاسب الآلي بأيد مصرية خالصة بمصنع في القاهرة، إلا أن نظام المخلوع وقف له بالمرصاد، ومنع تقدمه، وحرم مصر من جهود أبنائها المخلصين.
في الوقت الذي وصلت فيه المعدات إلى ميناء الإسكندرية كانت قوات الأمن قد أحكمت المؤامرة، فألقت القبض عليه فيما عرف بقضية سلسبيل، وأغلقت الشركة، وتم مصادرة كل الأجهزة والمعدات في الشركة وفي الميناء، وبعد 11 شهرًا مضاها في المعتقل تم الإفراج عنه وتبرئته، وظلت الشركة مغلقة حتى اليوم، ولا يعرف أحد مصير ما كان بداخلها وتأخرت مصر بذلك كثيرًا عن دول بدأت بعدها طريق تصنيع الحاسب الآلي.
وعمل الشاطر في أكثر من مجال تجاري فأنشأ سلاسل محلات في المجالات التجارية المختلفة، كما قام بتأسيس شركة لتصدير الخدمات للخارج مثل عقود الصيانة والاستشارات والتدريب، والعمل في المجال الزراعي والثروة الحيوانية.
ونظرًا للنجاحات التي بدأ يحققها خيرت الشاطر تم اختياره في هذه الفترة عضوًا بمجلس إدارة المصرف الإسلامي ومجلس إدارة بنك المهندس، والعديد من الشركات المساهمة الأخرى بمصر والمنطقة العربية.
كما قام بالعديد من الرحلات التجارية في الدول الأوروبية والعربية ومنطقة جنوب شرق آسيا، وحضر الكثير من الدورات الاقتصادية والإدارية في مصر والخارج.
وفي عام 1995م اعتقل الشاطر وحكم عليه بخمس سنوات، وخرج منها ليستأنف نشاطه الاقتصادي في مجال الأدوية، وتصدير المنسوجات للخارج، وأسس في ذلك الوقت شركات مثل حياة للأدوية، والأنوار للأدوات الكهربائية، ومالك ورواج وغيرها.
ولم يتوقف الشاطر عن نشاطه الاقتصادي طوال هذه المدة حتى عام 2006م عندما تم اعتقاله ومصادرة أمواله مجددًا والحكم عليه عسكريًّا بالحبس 7 سنوات.
ففي الوقت الذي كان فيه خيرت الشاطر يقوم بشراء أراضٍ بمدينة 6 أكتوبر لتأسيس مصنع أثاث على الطراز التركي يعمل به آلاف العمال المصريين قامت الدولة بالقبض عليه ومصادرة أمواله.
وعرف الشاطر في عمله بمجال الأعمال لعدة عقود بطهارة اليد والعمل لمصلحة الوطن، فلم يعرف الطرق الملتوية، ولم يدفع يومًا رشوة لتسيير أموره، حتى إن الحكومة لم تستطع ولو لمرة واحدة توجيه تهمة التهرب الضريبي أو الاستيلاء على أموال الدولة، فكانت تلفق له التهم الباطلة التي لم يستطع القضاء الطبيعي أن يثبتها مرة واحدة، فكان يحاكم دائمًا أمام محاكم استثنائية.
وكأي رجل أعمال ناجح فكَّر خيرت الشاطر في الربح والكسب ولكن لوطنيته الأصيلة ومعرفته بدينه ظلت خدمة وطنه هي الهدف الأكثر أهمية له، فركَّز في أعماله ونشاطاته على البعد التنموي الذي يسعى ويهدف لتنمية المجتمع، كسعيه لإدخال الحاسوب للمنطقة العربية، وعمل برمجيات للحاسب باللغة العربية، والتركيز في مشروعات الزراعة والثروة الحيوانية والأعمال الخدمية، مثل معارض السلع المعمرة بالتقسيط لمساعدة الشعب.
أسرة متماسكة
أما على الجانب الاجتماعي فانعكست حياة خيرت الشاطر المليئة بالمغامرات والاعتقالات والنضال السياسي والعمل الإسلامي على أسرته المكونة من زوجة و10 من الأبناء والبنات.
التقى المتقدمين لزواج بناته الثمانية خلف القضبان، وبعضهم كان معه في السجن، ورفض أن ينجح نظام المخلوع في إيقاف حياته، إلا أن بعض بناته أصررن على عدم الزواج إلا في حضوره، وفي عام 2010م رفض الشاطر تقديم طلب لوزير الداخلية حبيب العادلي-المحبوس حاليًا- للسماح له بحضور زواج ابنته الصغرى رضوى.
وعلى الرغم من طول فترة إبعاده عنهم بسبب الاعتقالات وقهر النظام المخلوع إلا أن الله رزقه أسرة متماسكة، كانت خير شاهد على حسن التربية.
فأبناؤه كبروا بينما كان هو خلف قضبان السجن، ولم يبك أولاده ولم يتراجع هو أو يضعف، وقادت ابنته فاطمة الزهراء وابنه سعد قضية الدفاع عنه طوال فترة وجوده في السجن، سواء أمام القضاء أو أمام وسائل الإعلام.
وبمجرد إعلان جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة ترشيح المهندس الشاطر لانتخابات الرئاسة جاءت تعليقات أبنائه مفاجئة للجميع.
فوصف سعد الشاطر ترشيح والده للرئاسة بأنها "المسئولية الكبيرة"، ودعا قبيل إعلان قرار ترشيحه الله عز وجل أن يعفي والده منها، وأعلن تصدقه بعرضه على المسلمين، مؤكدًا أهمية إعلاء مصلحة الوطن والعمل من أجل إعلائه.
وردَّا على الهجوم الحاد على القرار قال: "إحنا ناس بتوع شغل مش كلام، بدل ما نفضل قيل وقال، يلا نبدأ"، فيما أكد في تدوينته في وقت سابق أهمية الوحدة والعمل، قائلاً: "خير لك من أن تلعن الظلام أن توقد شمعة، يعني لو يهمك مصلحة مصر متفضلش تشتم في الإخوان وتحلل أداءهم.. اعمل إنت اللي شايفه صح، واخدم بلدك حتى لو بتوعية الناس".
ودعت ابنته سارة الله عزَّ وجلَّ بأن يأجرهم خيرًا في مصيبتهم، قائلةً: "مثلي مثل بقية المصريين أتابع بيان (الإخوان) لأصدم باختيار الدفع بأبي كمرشح للرئاسة، ولا يسعني إلا أن أقول "إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها".
ثم عادت سارة وأوضحت أن وصفها ترشح والدها بـ"المصيبة" لم تقصد به الاعتراض على قرار الشورى أو مهاجمة الإخوان، مضيفةً: "كلمة اتصدمنا كان قصدي بها المفاجأة، وليس كما نشره بعض الناس الذين يئولون الكلام دون استيضاح، وقولي "اللهم أجرنا في مصيبتنا" كانت من الإحساس بهمِّ المسئولية، واستشعارًا لقول سيدنا عمر: "لو عثرت بغلة في العراق لسئل عنها عمر".
وقالت ابنته حفصة: "أُشهد الله يا أبي أنك ما طلبتَها ولا سعيت إليها، وأُشهده على حال بيتنا عندما علم بقرار مجلس شورى الجماعة، وأُشهده أن ابتلاء السجن كان أحب إلينا من ابتلاء السلطة، وأسأل الله أن يجنِّبنا الفتن، وأن يعينك ويعيننا على خدمة الإسلام والوطن، على الوجه الذي يرضيه تعالى عنا في أي مكان".