قطاراتنا المهترئة عبر سنوات طويلة جعلت السفر مملاً كئيبًا، توقفت معها حياتنا السياسية وحياتنا الطبيعية، أهملنا مراكبنا، وفرطنا زمنًا في الكثير من قيمنا، حوربنا في أرزاقنا، أوصدَ دوننا كل باب، انتفضنا مع الناس وتجاهلنا هويتنا، لم نحمل في يوم من أيام الميدان راية للإخوان، بل كنا دروعًا تحمي المتظاهرين، ودماء تروي شجرة الحرية، ونارًا تحرق كل من يقترب من الميدان، وسياطًا تلهب ظهور البلطجية ومن يؤازرونهم، تكلمنا يوم صمت الناس، تآمر الإعلام علينا ليشوهنا في كل نادٍ ومحفل.
صودرت الحريات، وبُحَت الأصوات، وصودرت الممتلكات، وأقيمت المحاكمات العسكرية لنا خصيصًا بأحكامها التي لا تنقض، امتلأت السجون بنا، ضج الفضاء، ولم نسمع يومًا عمن يذب عنا إلا نفرًا قليلاً من المنصفين.
ولما انطلق القطار، وكانت الثورة التي صنعها الله وحده، كنا في القلب، ولما مَنَّ الله علينا بنسيم الحرية كنا في الذؤابة، خضنا غمار الانتخابات فقال الشعب كلمته فأسقط في يد المداحين للنظام السابق أن يروا مكانتنا بين الناس، فكانت الحرب الإعلامية التي يشتد لهيبها كل يوم، صبرنا واحتسبنا، ولما قررنا أن مصلحة الشعب فوق الجميع وأعلنا أننا لن نخوض الانتخابات درءًا لما يمكن أن يحاك بمصر إذا علموا برغبتنا في ذلك، وانتظرنا أن تقول الحكومة كلمتها، وأن يتغير الحال، فازداد الأمر سوءًا وتعقيدًا، كان لا بد أن يتقدم أحد من أبناء هذه الجماعة الراشدة إعذارًا إلى الله، وهو من خيرة أبنائها، علمًا، وعملاً، وقولاً، وخلقًا، قامت الدنيا ولم تقعد، تحركت المياه الراكدة وانطلقت الألسن لتعلن عن وجهها القبيح وتمعن في تشويهنا، وإبراز الجماعة على أنها نطقت كفرًا يوجب حد الحرابة، وتلقف الإعلام بعضًا ممن كان للجماعة عليهم اليد الطولى ليكونوا سهامهم التي يرمون بها هذه الجماعة المباركة.
ما زلنا ندور في فلك النظام السابق الذي أوهم الشعب دهرًا أنه أخبر بحالهم منهم، ما زلنا نرى ونسمع نفس التعليقات ونفس الهجمة، لكن الذي يريح النفس هو أن تلك الجعجعة إنما تدل على ضعف وخيبة أمل، لقد أفلسوا جميعًا كالتاجر الذي ينادي على تجارته الكاسدة فلا يقربها أحد، نسمع جعجعة ولا نرى طحينًا، ما سمعنا عن برنامج يطرح رؤية نهضوية لمصر، وما شاهدنا على الشاشات التي صدعت رءوسنا بمن يتبارى ليطرح حلولاً إنما شغلهم الشاغل والوحيد هو تشويه الجماعة وقادتها، أقول للمتحاملين رويدكم فالأمور تجري بمقادير ولن يصيبنا بحال إلا ما كتبه الله لنا أو علينا.
أقول للمشوهين والمتآمرين على إرادة الشعب أفيقوا من غفلتكم وكفاكم تسفيهًا للشعب فهو أوعى مما تتخيلون، كفوا عن حملتكم أو استمروا فيها فالقطار قد انطلق ولن توقفه قوة على ظهر الأرض إذا أراد الله أن لا يتوقف.
وأقول للشاطر سِر على بركة الله ومن معك، ووراءك إخوان أوفوا بعهدهم، وفي أعناقهم بيعة إذا اهتزت الجبال لا تهتز ثقتهم في قادتهم، وأقول لإخواني من شباب هذه الدعوة المباركة هذا أوان الوفاء بالعهد، وأوان جمع الكلمة ووحدة الصف، كونوا سهامًا للحق كما كنتم في أيام الشدة ولتعلموا أن ما نمر به هذه الأيام أشد علينا مما كنا نعانيه من معتقلات وسجون، سيروا على بركة الله (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية 35).