أثار قرار جماعة الإخوان المسلمين بترشيحها أحد كوادرها لانتخابات الرئاسة جدلاً واسعًا، سواء على المستوى الشعبي أو الإعلامي، أو حتى على المستوى الداخلي للجماعة، لا سيما وأنها- الجماعة- قد اتخذت قرارًا مُسبقًا معلومًا لدى الجميع.

 

ومع صدور القرار الجديد انطلقت حملة إعلامية شرسة- لم نُفاجأ بها حقيقة فقد كان مُعدًّا ومُخططًا لها سلفًا أيًّا كان قرار الإخوان- حملة إعلامية غير مسبوقة تُذكرنا بعهود الظُلم والاضطهاد والاستبداد!!

 

وقد رأيت أن أكتب في هذا الأمر لأهميته وحساسيته، ومن واقع إلمامي بشيء غير يسير من مُلابساته وحيثياته..

 

استعنت بالله ربي، أمسكت قلمي، ومن خيوط متناثرة التقطتها من هنا وهناك غزلت هذا المقال، أقصد به توضيح مُلابسات هذا الموقف وما أثير ويُثار وما قد يُثارُ مُستقبلاً من شبهات والتباسات ومُغالطات حول هذا القرار من وجهة نظري الشخصية..

 

سأكتب في عدة عناصر أساسية تتعلق بهذه القضية ولتكن البداية (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)) (الأعراف).. (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)) (طه).

 

مُلابسات القرار السابق:

قبل أن نذكر حيثيات ودوافع ومبررات وأسباب القرار الجديد، تعالوا بنا نتذكر مُلابسات القرار السابق وأسبابه.

 

- لإنجاح الثورة: فنجاح الثورة- كما هو معلوم ومعروف- كان مرهونًا بتقديم الإخوان بعض التنازلات وتخليهم عن شيء من حقوقهم المشروعة لحساب نجاح الثورة وتحقيق مكتسباتها وأهدافها، وقد غلب الإخوان حينها مصلحة الوطن والثورة على مصالحهم الشخصية..

 

- الصورة الذهنية المشوهة: والتي رسمتها أنظمة الاستبداد على مدار عقود من الزمان في أذهان العديد من الأطراف داخليًّا وخارجيًّا، واستخدام الجماعة كشماعة تُبرر بها استبدادها وطغيانها، وجعلت من الإخوان فزاعة "خيال مآتة" تُرهب بها كل من يُطالبها بالإصلاح..

 

- عظم المسئولية: وبمقتضى ذلك قرر الإخوان عدم ترشيح أحد كوادرها في الانتخابات الرئاسية حتى يتحمل الجميع تكاليف بناء الوطن.

 

القرار الجديد.. لماذا؟!

مُلابسات ومُبررات سلبية:

- الإصرار على إفشال وتعويق عمل البرلمان، وذلك بافتعال الأزمات المتكررة في جميع مجالات الحياة، فكان لا بد من إيجاد سُلطة تنفيذية "رئيسًا وحكومة" تتناغم وتتوافق مع البرلمان "الشعب والشورى" بما يُحقق أهداف الثورة ويُحافظ على مُكتسباتها ويحميها من عبث العابثين.

 

- عدم إمكانية التوافق، بل وإصرار العديد من الأطراف على إفشال أي محاولة للتوافق الجاد، وقد ظهر ذلك واضحًا جليًّا في أكثر من حدث ومناسبة طوال الفترة الانتقالية، وكان آخرها ما حدث فيما يتعلق باللجنة التأسيسية المُكلفة بكتابة الدستور..

 

- رفض وتعويق تشكيل حكومة ائتلافية وطنية ذات صلاحيات حقيقية ومُعبرة عن إرادة وطموحات الشعب، برغم الفشل الذريع للحكومة الحالية.

 

- التلويح والتهديد بحل مجلسي الشعب والشورى المنتخبين لأول مرة بإرادة شعبية حرة، الأمر الذي يُنذر بإجهاض الإنجاز الأكبر والأهم للثورة، بل وإجهاض الثورة بكاملها.

 

- الدفع بمرشح رئاسي أو أكثر من بقايا النظام السابق ودعمهم من فلول الحزب المنحل وأعداء الثورة لمحاولة إعادة إنتاج النظام البائد مرة أخرى بشكل جديد.

 

- المحاولات المستمرة لإعاقة عمل الجمعية التأسيسية وإثارة الجدل حولها والتشكيك في مشروعيتها بهدف تعطيل عملية إعداد الدستور في المدى الزمني المحدد له.

 

- هيمنة السُلطة التنفيذية بشكل من الأشكال على السُلطة القضائية والتأثير عليها، وهو ما يُهدد مُستقبل العدالة في مصر، ويُشوه وجهها المضيء، إذ لا بُد من تحرير السُلطة القضائية من أي ضغط أو تأثير والعمل على منحهم الاستقلال الحقيقي ليعود للقضاء مجده وشمُوخه بلا أدنى تأثير أو ضغط من أية جهة.

 

- تواصل الإخوان مع العديد من الشخصيات العامة التي تصلح للرئاسة وغير محسوبة على الإسلاميين، والتي يمكن بناء إجماع وطني حولها، ولكنهم جميعًا رفضوا الترشح للرئاسة بشكل قاطع.

 

مُلابسات ومُبررات إيجابية:

- تحسن الصورة الذهنية عن الإخوان داخليًّا وخارجيًّا بشكل كبير، وذلك بفضل الله أولاً ثم بفضل العديد من الاتصالات والزيارات واللقاءات المباشرة وغير المُباشرة التي تمت خلال الفترة الماضية، والتي أحدثت فارقًا كبيرًا في تحسين الصورة ومسح الغبار عن الجماعة.

 

- التجربة برمتها محسوبة على الإسلاميين وعلى الإخوان بشكل خاص، فلا مناص إذن من خوض التجربة بشكل مُباشر دونما تردد ما دمنا سنُحاسب عليها بأي حال..

 

- المزاج العام للشعب المصري يميل بقوة إلى الإسلاميين، ويتعطش إلى المشروع الإسلامي، بعد أن ذاق ألوان الظلم والفقر والاضطهاد والقهر والاستبداد طوال عقود من الزمان في ظل أنظمة علمانية فاسدة حاربت الإسلام وأبعدته عن الحكم.

 

- استشعار الجماعة لمسئوليتها التاريخية في الحفاظ على الثورة ومُكتسباتها وتحقيق أهدافها، وهو نفس السبب الذي جعلها قبل ذلك تتخلى عن حقها في دخول المنافسة الرئاسية، ومع تغير الظروف والحيثيات والملابسات صار واجبًا على الجماعة أن تتقدم لحمل الراية وتحمل الأمانة، حفاظًا على الثورة وحماية لها وتحقيقًا لأهدافها.

 

لماذا لم تدعم الجماعة أيًّا من المُرشحين الإسلاميين الحاليين؟!

 

قد يكون هذا الخيار مطروحًا بشكل عام، ولكن ما دمنا سندعم أحدًا من الإسلاميين أليس من الأفضل والأجدى أن تدعم الجماعة أحد كوادرها بما يُحقق تناغمًا أفضل بين السُلطات وقوة أكبر في الأداء؟!!

 

هل سيؤدي هذا القرار إلى تفتيت الأصوات بين الإسلاميين؟!

 

إذا كانت الأصوات ستتوزع على المرشحين الإسلاميين لا محالة، فالأولى وجود مُرشح إسلامي قوي تُسانده جماعة قوية لها تاريخها وتجاربها وخبراتها وذات حضور مؤثر في الشارع، ولها خبرة عميقة في مجال العمل العام، ولها تجاربها وخبراتها السياسية المعتبرة، وعلى ذلك أرجو من كل المرشحين الإسلاميين التنازل لصالح مُرشح الإخوان، توحيدًا للصف ودعمًا للمشروع الإسلامي الكبير.

 

هل استولى الإخوان على السُلطة؟!

أقول إنه ينبغي علينا أن نتعامل مع الديمقراطية بعيدًا عن مثل تلك الألفاظ والمصطلحات التي توهم القارئ والمستمع بنوع من التزوير أو الهيمنة غير الشرعية على الحكم، فما بيننا وبين غيرنا هو الشعب المصري وصندوق الانتخابات، وما عدا ذلك لا يعدو كونه فرقعات إعلامية ليس لها وزن يُذكر في عالم الحريات والديمقراطية.

 

هل يُعد تغيير القرار عيبًا في حد ذاته؟!

 

حتى نستطيع أن نحكم على أمر كهذا، تعالوا بنا إلى جولة سريعة بشأن هذه الإشكالية.

 

- الآيات المنسوخة: إن القرآن الكريم- الذي هو كلام رب العالمين تقدس في عُلاه وتبارك بصفات الكمال وآيات الجلال- بعض آياته نُزلت ثم نُسخت في وقت آخر، بعضها تم نسخه تمامًا معنىً ولفظًا، وبعضها نُسخ معناه فقط وبقيت الآية كما هي لفظًا، ومنها ما نُسخ معنى ولفظًا واستُبدل بغيره، وقد أدت الآيات المنسوخة غرضًا وهدفًا مُحددًا في حينه.

 

- الفتاوى المتغيرة:     تتغير بتغير الظروف والمكان والزمان والواقع والمفاسد والمصالح والمآلات والأولويات.

 

- العودة في القَسم: من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا كفّر عن يمينك وائت الذي هو خير"..

 

- نقض العهود: تبطُل العهود والمواثيق بمجرد إخلال أحد الأطراف بالتزاماته وتعهداته، ويصبح الطرف الآخر في حل عن التزاماته التي تعهد بها، وها نحن وقد رأينا الأطراف الأخرى وقد أخلت بالتزاماتها وأخلفت وعدها ونقضت عهدها التي أخذته على نفسها بالحفاظ على الثورة ومكتسباتها وتحقيق أهدافها وتسليم الحكم لسلطة مدنية مُنتخبة.

 

إذن هو ميدان السياسة والاجتهاد، مليء بالمتغيرات التي تؤدي حتمًا إلى مُراجعة القرارات والمعاهدات والاتفاقيات من حين لآخر، والنظر فيها بما يُحقق الصالح العام، وبما يتسق ويتوافق مع ظروف ومُلابسات المرحلة وظروف الواقع، بما لا يُخل بثابت من ثوابت الدين، ووفق رؤية شرعية مُعتبرة.

 

وأختتم مقالي برسالتين..

 

رسالة إلى مُخالفينا:

هذه رؤيتنا، وهذا منهاجنا، وتلك طريقنا، فإن لم تكونوا معنا فلا تقفوا أمامنا، وبيننا وبينكم شعب عريق أصيل، قام بأعظم ثورة في التاريخ، شعب ثار على نظام فاسد مُستبد، ضحى بنفسه وبماله وقدم في سبيل انتزاع حريته وكرامته الغالي والنفيس، شعب يعلم المُصلح من المفسد، ويعلم الصالح من الطالح، شعب عركته السنون والأحداث، فأضحى ناضجًا مُهيئًا قادرًا على الاختيار واتخاذ القرار.

 

رسالة إلى الإخوان:

امضوا على بركة الله ولا تلتفتوا للمُثبطين والقاعدين، فوالذي نفسي بيده ليعزن الله دعوته بعز عزيز أو بذل ذليل، وليُتمّن الله أمر دينه بنا أو بغيرنا، فأخلصوا نواياكم لله وحده، وجددوا عزائمكم وأحسنوا عملكم، ثم أبشروا بخيري الدنيا والآخرة، فإن الله- جل في عُلاه- كتب على نفسه أنه لا يُضيع أجر من أحسن عملاً..

 

(وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)) (يوسف).