شهدت مصر تعديلات متعددة فيما يخص النظم الدستورية والنظم القانونية والمؤسسات الحاكمة في الدولة وهو وضع يحدث عادة إبان الثورات التي تشهدها البلاد، فعند قيام ثورة 23 يوليو 1952 وقبل قيام الجمهورية كان المطبق هو دستور 1923 ثم أعلنت الحكومة سقوطه في ديسمبر 1952 وفي 13 يناير 1953 تشكلت لجنة من خمسين عضوًا لوضع دستور جديد يتفق، وأهداف الثورة وقد وضعت إحدى اللجان الفرعية المنبثقة عن لجنة الخمسين تقريرًا فيما بعد رأت فيه أفضلية النظام الجمهوري عن النظام الملكي.

 

وفي 10 فبراير 1953 يصدر إعلان نظام دستوري مؤقت للبلاد، وفي 18 يونيو 1953 يصر قرار موقع من رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة بإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهوري بتولية محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وأن يستمر هذا النظام طوال الفترة الانتقالية ثم تكون للشعب الكلمة الأخيرة في اختيار شخص الرئيس عند إقرار الدستور الجديد.

 

وفي 16 يناير 1956 يعلن عبد الناصر مشروع الدستور الجديد في خطاب عام في ميدان عابدين كخطوة جديدة من خطوات كفاح الشعب المصري وحدد الدستور يوم 23 يونيو 1956 لاستفتاء الشعب على الدستور وعلى رئاسة الجمهورية.

 

وبناء على النظام الجمهوري الجديد ألغى مجلس قيادة الثورة وألغى منصب رئيس مجلس الوزراء.

 

فدستور 1956 يأخذ بالنظام الرئاسي الذي يتولى فيه رئيس الجمهورية المسئولية التنفيذية كاملة يعاونه فيها عدد من الوزراء.

 

وفي أول فبراير 1958 تعلن مصر وسوريا الوحدة بينهما ويجري على ذلك استفتاء شعبي تعطي نتيجته مؤشرًا للزعامة الحقيقية لعبد الناصر كرمز للأمة العربية ورئيس لدولة الوحدة، وتتم مبايعته على الرئاسة في دمشق أمام قبر صلاح الدين، ويتم صدور دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة 1958 لكن المؤامرات الخارجية والدسائس تؤدي إلى إفشال الوحدة بعد ثلاث سنوات ونصف من قيامها.

 

وفي 27 سبتمبر 1962 يصدر إعلان دستوري لتنظيم أجهزة الحكومة يتشكل بمقتضاه مجلس للرئاسة برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية تسعة أعضاء تم تقليصهم إلى سبعة ويكون مهمته وضع السياسة العامة ومراقبة تطبيقها ومجلس آخر هو المجلس التنفيذي يضم الوزراء.

 

وفي مارس 1964 يصدر دستور جديد للبلاد، ويعلن أنه دستور مؤقت لحين إصدار دستور دائم فيما بعد مؤسس على تبني النظام الاشتراكي الديمقراطي، وبموجبه يتم إلغاء مجلس الرئاسة ثم تصدم الجماهير المصرية والعربية بالوفاة المفاجئة لعبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 نتيجة لأزمة قلبية.

 

ويتولى رئاسة الجمهورية نائبه أنور السادات طبقًا للمادة 110 من دستور 1964 ليصبح رئيسًا مؤقتًا للبلاد ثم يرشحه مجلس الأمة ويجري عليه استفتاء شعبي طبقًا للمادة 122 من نفس الدستور، ويتولى مقاليد الرئاسة في 17-10-1970 ويمكن القول إن هذه هي المرة الأولى التي يتم تولي السلطة بطريقة شرعية طبقًا لنظام دستوري موضوع مسبقًا.

 

وبعد عام من توليه يعرض أنور السادات على الشعب الدستور الدائم للبلاد في سبتمبر 1971 الذي يعيد لمصر اسمها فتصبح جمهورية مصر العربية بدلاً من الجمهورية العربية المتحدة.

 

وجدير بالذكر اشتمال دستور 1971 على عدد من الايجابيات والتي تظهر باحتفائه بالحرية عبر النصوص العديدة التي كرَّست لها والتي لا مقابل لبعضها في الدساتير السالفة وساند هذه النصوص وعضد من مكانتها الباب الرابع من الدستور والمعنون بسيادة القانون.

 

وبعد موته مغتالاً في 6 أكتوبر 1981 يتم ترشيح نائبه حسني مبارك طبقًا لدستور 1971 عن طريق مجلس الشعب للاستفتاء الشعبي كرئيس للجمهورية ويتولى مقاليد الأمور في 14 أكتوبر 1981 حتى تنحيته عصر الجمعة 11 فبراير 2011.

 

أي أن الحياة الدستورية في مصر قبل ثورة يناير شهدت خمسة دساتير وإعلانين دستوريين عمل بها في فترة أقل من العشرين عاما.

 

وبقيام ثورة يناير وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مقاليد الأمور بدأت البلاد تخطو نحو الأمام لصياغة مستقبلها وخرجت أعداد غفيرة من الشعب المصري لتدلي برأيها في التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها في 19 مارس 2011 بغض النظر عن الانتقادات التي وجهت إليها.

 

ثم خرجت الجماهير العريضة ثانية لتحدد مصيرها غداة إدلائها بأصواتها في الانتخابات البرلمانية بغرفتيها الشعب والشورى.

 

وها نحن نعيش هذه الآونة جدلاً حادًّا بخصوص الجمعية التأسيسية لوضع الدستور لذا لا بد أن نؤكد أن الإصلاح وفي مقدمته الدستوري والسياسي هو تعبير عن رغبة شعبية مصرية أصيلة أدركت أن هذا الإصلاح هو المقدمة لحل المشكلات التي نعانيها والتي تفاقمت حدتها وخطورتها، ويبقى المطلب متمثلاً في دستور يؤكد على الفصل بين السلطات وإلغاء كافة الصور الاستثنائية للقضاء وعدم فرض حالة الطوارئ إلا في حالة الحرب الفعلية والتأكيد على حرية الرأي وإلغاء كافة أوجه التعدي على هذه الحرية وحق التظاهر السلمي للتعبير عن الرأي بأسلوب حضاري منظم.

 

لكن ما نأسف له حقًّا أنه مع الإعلان عن تشكيل الجمعية التأسيسية وفق الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس العسكري حتي تكون العملية قانونية تعالت الأصوات المغرضة بحجة احتكار الأغلبية وهيمنتها على مقاليد الأمور.

 

والحق أن هؤلاء المغرضين يريدون ديمقراطية يفسرونها بحسب أهوائهم وتكون مفرزاتها في صالحهم وصالح مموليهم.
لكننا نقول لهم إن بناء الوطن وإرساء دعائم الحرية في أرجائه لا يكون بافتعال الأزمات بل بالتعقل ونبذ الفرقة والاتحاد، ولتكن مصلحة الوطن العليا هي جل اهتماماتنا لا مصالحنا وأهوائنا الذاتية والشخصية حتى تتمكن البلاد من استكمال منجزات ثورة أصبحت بعض الألسنة تشكك في مصداقيتها ناهيك عن اتهامهم لبعض الوجوه المضيئة بمحاولة سرقتها.

------------

* Prince.moby12@yahoo.com