في عهد الاحتلال البريطاني لمصر جاءت لبعض القرى الفقيرة إرساليات للتبشير، وبذلت جهودًا خارقة في استمالة فقراء الفلاحين ودعوتهم للتنصر، وحاولوا إقناعهم أن المسيح سوف يعطيهم طعامًا وكساء، وسيساعد أبناءهم في التعليم والعمل.

 

وقد فوجئ رئيس البعثة بالاستجابة السريعة والكبيرة لجموع كثيرة من هؤلاء البسطاء، والذين قبلوا التنصر تحت ضغط الفقر والحاجة، فقرر الرجل عمل حفل كبير، ودعا إليه اللورد كرومر (المندوب السامي البريطاني)، وأجلس جموع هؤلاء الفقراء صفوفًا في انتظار الضيف الكبير، وعندما جاء وجلس على المنصة وطالت المدة في التجهيز والإعداد للحفل والناس صامتون وكأن على رءوسهم الطير، قام فلاح بسيط برفع عقيرته صائحًا وحدووووه، فانطلقت جموع الحاضرين بفطرية وتلقائية قائلة.. لا إله إلا الله.. فقام اللورد كرومر غاضبًا وهو يقول "مفيش فائدة".

 

وساعتها قرر إلغاء الأنشطة التنصيرية بمصر، واستبدلها وضع نظام تعليمي جديد بها يفقد مصر هويتها الإسلامية بالتدرج، وكان هذا المشروع النكد على يد القس الشهير دانلوب خريج كلية اللاهوت وصاحب نظرية slow but shore  يعني العمل ببطء ولكن بنتائج مؤكدة.

 

قصة الفلاح البسيط والذي جهر بالتوحيد في حفل التنصير أتذكرها هذه الأيام كثيرًا.. فبعد أن تناولت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة جماعة الإخوان المسلمين بكل نقيصة، وبعد هذا الهجوم الضاري والعاتي على مدار هذه الأيام، وبعد التبشير ليل نهار بأن جماعة الإخوان المسلمين تفقد شعبيتها لدى الناس، وأن البرلمان الضعيف قد سحب كثيرًا من رصيدها، ثم تأكيد الليبراليين والشيوعيين والنخبة التلفزيونية المتحذلقة أن الإخوان المسلمين لو دخلوا أي انتخابات اليوم بعد أن كشف الناس حقيقتهم فلن يحصلوا على عشر معشار ما أعطاهم الناس في البرلمان، ويؤكد المحلل الإستراتيجي المقيم بمدينة الإنتاج الإعلامي متنقلاً من فضائية لأخرى أنه كلما قابل مواطنًا أخبره أنه نادم لإعطاء صوته للإخوان.

 

ثم بعد كل هذه الحرب الضروس والهجوم الضاري والصراخ والنحيب والعويل والتشكيك تفتح الجرائد في الصباح لتقرأ هذا الخبر.. مرشحو الإخوان المسلمون يكتسحون نقابات المعلمين بمحافظات مصر كلها.. فلا تملك إلا أن تقول.. وحدووووه.. لا إله إلا الله.