منذ إلغاء الملكية وإعلان النظام الجمهوري على يد الضباط الأحرار ( في 18 يونيو 1953) وإسقاط دستور 1923، حُكمت مصر بأربعة دساتير في الفترة من 1953 حتى 1971 (دستور 1954، 1956، 1958، 1964)، ثم جاء دستور 1971 (في 11 سبتمبر 1971م) بعد استفتاءٍ شعبي، وهو دستور مدون وجامد- وفق التقسيمات التي ذكرناها في المقال السابق- ولم يصدر بأسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة، ولكن جاء بأسلوب الهيئة التأسيسية من بين أعضاء مجلس الشعب آن ذاك وبعض أصحاب الرأي (80 عضوًا)، وظلَّ هذا الدستور معمولاً به حتى صدور الإعلان الدستوري في 30 مارس 2011م، وعلى الرغم من طول هذه الفترة (أربعون سنة) فإن مصر لم تنعم بالحالة الدستورية المرجوة لما فيه من ألغام، منها على سبيل المثال المادة 93 التي خصت مجلس الشعب في الفصل في صحة عضوية أعضائه (والتي عُرفت بمادة المجلس سيد قراره)، ولما فيه من تغوّلٍ لسلطات الرئيس على باقي السلطات، وكذلك لعدم الفصل بين السلطات، حيث أعطي دستور 1971- في المادة 134- الحق للوزراء أن يكونوا أعضاء في السلطة التشريعية (مجلس الشعب).

 

كما أعطي دستور 1971م لرئيس الدولة الحق في حكم البلاد مددًا بدلاً من مدتين، كما أعطى سلطات مطلقة لرئيس الدولة بلغت 39 سلطة من بين 54 سلطة هي إجمالي السلطات الموجودة في هذا الدستور، فمن هذه السلطات حق رئيس الدولة في تعيين عشرة أعضاء في مجلس الشعب (مادة 87)، وتعيين ثلث مجلس الشورى (مادة 196)، كما أن رئيس الجمهورية يُعين نواب رئيس الجمهورية ويعفيهم ويحدد اختصاصاتهم الجمهورية (مادة 139)، ويعين رئيس مجلس الوزراء والوزراء ونوابهم ويعفيهم من مناصبهم (مادة 141)، وله الحق في إحالتهم إلى المحاكمة (مادة 159)، وله أن يعين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعزلهم (مادة 143)، وله الحق في إصدار قراراتٍ لها قوة القانون (مادة 108)، ومن حقه تعديل مادة أو أكثر من الدستور (مادة 189)،  واقتراح القوانين (مادة 109، 147)، والحق في إصدار القوانين أو الاعتراض علي القوانين (مادة 112)، وإصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين (مادة 144)، ويصدر لوائح الضبط (مادة 145)، ويصدر القرارات اللازمة لإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامة (مادة 146)، ويبرم المعاهدات ويكون لها  قوة القانون (مادة 151)، وله الحق في حل مجلس الشعب (مادة 136)، ومجلس الشورى (مادة 204)، وله الحق في إلقاء البيانات عن السياسة العامة للدولة أمام مجلسي الشعب والشورى (مادة 202)، ويضع السياسة العامة للدولة (مادة 138)، وهو رئيس الحكومة (مادة 137)، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة (مادة 150)، ويرأس المجلس الأعلى للقضاء (مادة 173)، وله الحق في العفو عن العقوبة أو تخفيفها (مادة 149)، كما له الحق في إعلان حالة الطوارئ (مادة 148).

 

ولم يكتف الرئيس المخلوع (مبارك) بهذه السلطات، بل أحاط نفسه طوال فترة حكمه بقانون الطوارئ، الذي حوّل البلاد إلى بيئة صالحة لكل ألوان الفساد وقضى على الحياة السياسية برمتها، وهنا سوف أكتفي بالتذكير بالفقرتين الأولى والرابعة من المادة الثالثة من قانون الطوارئ والتي تنص على "لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ بأمر كتابي أو شفوي التدابير الآتية :

 

 أولاً: وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة، والقبض على المشتبه بهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عملٍ من الأعمال.

 

رابعًا: الاستيلاء على أي منقولٍ أو عقار والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وكذلك تأجيل أداء الديون والالتزامات المستحقة، والتي تستحق على ما يستولى عليه أو على ما تفرض عليه الحراسة".

 

عزيزي القارئ، هل أصابك الرعب مثلما أصابني، عندما تعلم بأن قانون الطوارئ يعطي الحق للرئيس أن يتخذ بأمر كتابي أو شفهي تكليف أي شخص بتأدية أي عمل والاستيلاء على أي منقول أو عقار، فما فائدة مواد الدستور في ظلِّ وجود نص كهذا في قانون الطوارئ؟!!

 

ومع كل هذه السلطات المطلقة والمواد المرعبة، لم نرََ ولم نسمع أيًّا من الإعلاميين أي انتفاضة من أجل الحرية والإبداع، على العكس أقاموا الدنيا ولم يقعدوها لمجرد استقرار مجلسي الشعب والشورى على نسبة 50% من المجلسين و50% من الشخصيات العامة ومؤسسات المجتمع المدني في لجنة إعداد الدستور الجديد، بل ذهب بعضهم إلى أن الدستور القادم هو دستور الإخوان، مع علم الجميع بأن دستور مصر القادم سوف يأخذ من الدساتير السابقة ولن ينتكس على أي مكتسبٍ قد تحقق في الدساتير السابقة، بمعنى أن مصر لن تنطلق من الفراغ ولكن سوف تنطلق من المواد الجيدة من الدساتير السابقة.

 

وعلى الرغم من وجود هذا العوار الدستوري في توزيع السلطات في الدستور، إلا أن هذه الدساتير تحوي بين موادها مجوهرات لا يمكن الاستغناء عنها، وهي في حقيقة الأمر جُل ما يسعى التيار الإسلامي على أن تكون من ضمن بنود الدستور القادم، ولم يدعِ أي من التيارات الإسلامية الموجودة في الساحة المصرية أن هذه المواد كانت موجودة نتيجة جهاده أو نضاله أو نتيجة ضغطه على الأنظمة السابقة، بل كانت موجودة لقناعة المُشرِع أنها تتفق مع ثقافة وطبيعة هذا الشعب العظيم صاحب الحضارات القديمة، من هذه المواد المادة التي تتحدث عن هُوية الدولة ولغتها، فقد جاءت في نص المادة 149 من دستور 1923م "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية"، وتكررت في المادة 195 من دستور 1954 وفي المادة 3 من  دستور 1956، واستقرت في المادة الثانية من دستور 1971 التي تنص على "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، ليس هذا وفقط، بل هناك كثير من القيم الإسلامية في دستور 1971، منها مثلاً ما جاء في الباب الثاني من أن المجتمع يقوم على التضامن الاجتماعي (مادة 7)، وعلى تكافؤ الفرص لجميع المواطنين (مادة 8)، وعلى الاهتمام بالأسرة واعتبارها أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق (مادة 9)، وحماية الأمومة والطفولة  والاهتمام بالنشء والشباب (مادة 10)، والتوازن بين أداء المرأة لعملها ودورها في الأسرة والمجتمع (مادة 11)، وإلزام المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها مع مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية والقيم الخلقية والوطنية وإلزام الدولة باتباع هذه المبادئ (12)؛ ولذلك فرض الدستور التربية الدينية كمادة أساسية في التعليم العام (مادة 19)، هذا بالإضافة إلى ما جاء في الباب الثالث (باب الحريات والحقوق والواجبات العامة) الذي يعتبر من أفضل أبواب الحريات على مستوى دساتير العالم، وكذلك الباب الرابع (باب سيادة القانون).. فهذه المواد هي أكثر ما يهتم له الإسلاميون ويحرصون عليه.

 

نحن على يقين بأن أعضاء البرلمان بغرفتيه (الشعب والشورى) على علم ودراية بكل هذه المتفجرات والمجوهرات التي جاءت في الدساتير المصرية، وكلنا أمل في أن يستفيدوا بالمجوهرات وأن يقوموا بتفكيك كل المتفجرات، حتى يجني الشعب ثمرة تضحياته في ثورة قام بها وأبهر العالم بأدائه فيها، وأدى دوره باقتدار في اختياراته في مجلس الشعب والشورى، اختيار أعطى الدليل القاطع عن الهُوية التي يريدها في الدستور، وذلك عندما أعطى 70 % من مقاعد مجلس الشعب و 85% من مقاعد مجلس الشورى للإسلاميين.

 

وكذلك يزداد يقيننا عندما نتابع حوارات المجلسين الهادئة، والراغبة في تحقيق التوافق المطلوب للمرور من هذه الأزمة التي يراد للبلاد الدخول فيها لتنحرف عن مسارها التي رسمته لنفسها، وبمثل تلك الجهود المخلصة سنستطيع- بعون الله- بناء مصر دولة ديمقراطية تقوم على مبادئ الشورى والإيمان.

 

نفع الله مصر بعقول وجهود أبنائها, ووقاها شر كل الكائدين سواء من الخارج أو الداخل، بسم الله على بلدنا، بسم الله على مؤسساتنا، بسم الله على مقدرات وطننا، بسم الله على عقول أبنائنا.

---------------

** أستاذ مساعد – جامعة المنصورة- دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية