أثارت تصريحات النائب المحترم محمد العمدة وكيل اللجنة التشريعية بمجلس الشعب، والخاصة بإلغاء الخلع ردود أفعال متعددة، منها ما جاء من رد للمجلس القومي للمرأة في بيانه الذي أصدره عقب ما أدلى به النائب من تصريحات.
كما اهتمَّت أيضًا بعض الدوائر الإسلامية بمهاجمة تصريحات النائب بدعوى مخالفتها للشريعة الإسلامية ووصفهم مَن يتحدثون بهذا بالجهل بإحكام الإسلام.
لكنني لن اكتفى بما قيل بل سأسوق للنائب المحترم ردًّا على كلامه فيما يتعلق بالخلع، وكيف نظمته الشريعة الغراء، ووضعت له ضوابط لصيانته، ومنعًا للافتئات فيه أو عليه وأعتقد في قرارة نفسي أن النائب لم يكلف نفسه عناء البحث في هذا الموضوع قبل أن يطالب بإلغائه إذ لو قام بالبحث لكفاني عناء الرد وكفي نفسه مشقة التحمل.
قائلاً له: لقد اهتمَّ الإسلام بأحكام الأسرة والأمور المتعلقة بها، ومنها ما يتعلق بإنهاء العلاقة الزوجية، وخطأً يفهم الكثيرون أن الطلاق هو المخرج الوحيد لإنهاء هذه العلاقة باعتباره فرقة إرادية.
لكن الحقيقة أن هناك أنواعًا متعددة من الفرق منها الخلع الذي هو جائز ومشروع باتفاق الأئمة، ولقد طبَّق في صدر الإسلام وأرشدنا المصطفى إلى تطبيقه عند الحاجة إليه عند توافر أسبابه وارتقى الإسلام بالعلاقة الزوجية إلى مرتبة سامية لا يعي أغوارها وأبعادها أحد كما الزوجين.
واتفق المفسرون على مشروعية الخلع وجوازه الشرعي، معتمدين في ذلك على تفسيرهم لقول الحق سبحانه: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ) (البقرة: مكن الآية 229).
ومن السنة ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي وقالت يا رسول الله ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكنني أكره الكفر في الإسلام فقال لها رسول الله: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم، قال رسول الله: "أقبل الحديقة وطلقها تطليقة".
ومن المعقول ما استدل به المجوزون للخلع بأنه إذا كان الشرع قد أجاز للزوج أن يقبل ما تهبه له المرأة من مهرها الواجب عليه دون مقابل والمتمثل في قوله سبحانه (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4)) (النساء)، فمن باب أولى أن تهب المرأة مهرها للزوج مقابل طلاقها خلعًا.
ويكاد الإجماع على جواز الخلع إلا ما شذ عن هذا الإجماع ويقول السرخسي في المبسوط (وإذا اختلعت المرأة من زوجها فالخلع جائز)، وذكر الإمام النووي في روضة الطالبين (وأصل الخلع مجمع على جوازه)، وجاء في المحلي لابن حزم (إنما يجوز بتراضيهما).
ويعد الخلع نوعًا من الفرقة التي تتم بناء على رغبة الزوجة بعد رضاء الزوج وتعويضه فكان الشرع أعطاها حقها في طلب طلاقها بطريق المخالعة بمبادرتها ودون انتظار أن يطلقها الزوج، وحث النبي الزوج الكريم أن يجيبها إلى طلبها طالما لا ترغبه وما دامت سترد له غرمه المالي.
لكن ما نأسف له حقًّا أنه منذ وضعت تقنينات مسائل الأحوال الشخصية في البلاد العربية ومنها مصر كان موضوع الخلع يظهر في مشروعات القوانين في اقتراحات داخل اللجان المعدة لإعداد مشروعات قوانين الأحوال الشخصية، لكن لم يكتب لهذه الاقتراحات الساعية للعمل بأحكام الشريعة الإسلامية في موضوع الخلع في الظهور في صياغة قانونية وذلك لتنظيم الشريعة الإسلامية لأحكامه كاملة وعليها العمل منذ عصر النبوة ولأن الواقع العملي في حياة الناس يطبقه رضاء في كثير من حالات الفرق بين الزوجين
كما أن نصوص قانون الأحوال الشخصية بدءًا من المرسوم بقانون 25 لسنة 1920 والمرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ثم المرسوم بقانون رقم 38 لسنة 1931 المسمى بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية ثم القانون 44 لسنة 1977 المعدل لبعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية والذي ألغيت نصوصه وعدلت بالقانون رقم 100 لسنة 1985 لم يتعرض أي منها لا في أصلها ولا في تعديلاتها لموضوع الخلع وكان الشريعة الإسلامية لا تعرفه.
ثم جاء القانون رقم 1 لسنة 2000 والمسمى بقانون تبسيط قواعد وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية وكان هذا القانون الذي زعم واضعوه أنه قانون إجرائي اكتشف فجأة أهمية نظام الخلع وكأنه اكتشاف جديد لم تنظمه الشريعة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان وتناوله الفقهاء بالتفصيل والتنظيم في مذاهبهم الفقهية لكن هذا القاتون خالف ما أعلنه واضعوه من أنه قانون إجرائي وقاموا بتنظيم أمر موضوعي لا علاقة له بالإجراءات.
وفات المشاركون في إعداده والذين أدرجوا الخلع بالطريقة التي رجحوها أن نظام الخلع قائم منذ تشريعه في زمن النبوة بل إن الكثير من الناس من يومها وحتى صدور هذا القانون يستعملون في فرقهم صورًا اعتبرها الكثير من الفقهاء خلعًا كما في الطلاق على مال وهو أمر شائع بين الناس في الريف والحضر، ويسميه العامة بطلاق الإبراء.
ولا يبقي إلا أن أقول للنائب المحترم إن حديثك عن إلغاء الخلع يدل على عدم إلمام كافٍ بالأحكام المتعلقة بالأسرة والتي نظمتها الشريعة الإسلامية الغراء والتي هي بحق عقيدة وعمل هذا من ناحية وإن إلغاء الخلع مخالف للشريعة الإسلامية ذلك أن النبي المصطفى طبقه وأرشدنا إلى تطبيقه عند الحاجة وعلم الناس أحكامه حتى لا يقعوا في ظلم الغير ويقعوا تحت طائلة الإثم الأخروي هذا من ناحية أخرى.
وإن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.
------------------------