مع اقتراب ساعة الحسم المتمثلة في الانتخابات الرئاسية وتسليم السلطة لحكم مدني بعد 60 عامًا من الحكم العسكري المباشر وغير المباشر تزداد تحركات ومؤامرات أعداء الديمقراطية وأعداء الحرية الذين لم يألفوا هذه الأجواء، وظلوا يحكمون دون رقابة حقيقية أو مساءلة طوال العقود الماضية، ومع العد التنازلي للخمسين يومًا الباقية علينا أن نتوقع المزيد من المؤمرات والفتن التي تحتاج إلى رباطة جأش وتمسك بالحق، ودعاء إلى الله أن يتم على الشعب نعمته، وأن يكلل بالنجاح ثورته.

 

التوتر بين المجلس العسكري والإخوان ليس خلافًا بين الطرفين فقط، لكنه خلاف بين منهجين ورؤيتين لحكم مصر.. منهج يرى أنه لا بد أن تظل مصر تحت ولاية العسكر على شاكلة ولاية الفقيه التي تحكم إيران انطلاقًا من الفقه الشيعي، والتي تمنح الولي الفقيه صلاحيات واسعة وحق الاعتراض على أي قرار تصدره أية مؤسسة من مؤسسات الدولة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو حتى العسكرية، ورغم أن الولي الفقيه، والذي هو المرشد الأعلى للجمهورية، ويمثله حاليًّا علي خامنئي لا يستخدم كثيرًا هذه الصلاحيات، ويحرص على الوقوف على مسافة واحدة من جميع المؤسسات والقوى الحزبية؛ فإنه يستطيع استخدام هذه الصلاحيات عندما يريد، وهذا الوضع بالضبط هو ما يسعى المجلس العسكري للحصول عليه في الدستور الجديد.

 

أما الرؤية الثانية، والتي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين وجناحها السياسي حزب الحرية والعدالة وكل القوى الإسلامية والليبرالية؛ فهي نقل السلطة من العسكر للمدنيين بشكل كامل، على أن يعود الجيش إلى ثكناته؛ ليصبح جيشًا مهنيًّا لا علاقة له بالسياسة والتنافس الحزبي، وتخضع موازنته لرقابة برلمانية بشكل يحافظ على خصوصية وأسرار القوات المسلحة التي هي ملك الشعب كله ومحل تقدير وإجلال من الشعب كله.

 

رغم أن المجلس العسكري تعهَّد مرات عديدة بأنه سيسلم السلطة في نهاية يونيو المقبل، ورغم أنه أوفى بعهود سابقة، مثل إجراء الاستفتاء الدستوري والانتخابات البرلمانية؛ فإن الاختبار الحقيقي هو تسليم السلطة التنفيذية، وقد ظهرت نوايا غير طيبة من المجلس حين طلبت الأغلبية النيابية تغيير حكومة الجنزوري التي فشلت في تحقيق أي إنجازات تذكر خلال الشهور الأربعة الماضية، بل شهد عهدها مزيدًا من الفلتان الأمني والذي بلغ قمته في مأساة إستاد بورسعيد، وأزمات البنزين والسولار والبوتاجاز، وفشلت في تحقيق تقدُّم في استرداد الثروات المنهوبة من رجال النظام السابق، بل إنها تسارع في تبديد أرصدة الاحتياطي الإستراتيجي وأرصدة الصناديق الخاصة لتتركها خرابًا لمن سيخلفها.. لهذه الأسباب وغيرها رفضت لجان مجلس الشعب بيان الحكومة، وأوصت بسحب الثقة منها، وهنا تصدَّى المجلس العسكري لهذه المطالب الشعبية، وأعلن تمسكه بحكومة الجنزوري حتى انتخابات الرئاسة على الأقل ضاربًا بعرض الحائط حق المجلس النيابي في سحب الثقة من الحكومة.

 

في هذه الأثناء تناثرت معلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن المجلس العسكري اشترط بشكل واضح في حال قبوله تغيير الوزارة أن يكون لرئيس الوزراء نائبان منهما نائب يختص بشئون القوات المسلحة، وكذا حق تعيين 10 وزراء في الوزارات السيادية، ومنها الخارجية والداخلية والعدل والإعلام والمالية والتعاون الدولي.. إلخ؛ بحيث يضمن استمرار هيمنته على مفاصل الدولة الرئيسية، وحين رُفضت مطالبه عمد إلى لغة التهديد والوعيد التي ضمَّنها بيانه الأخير، وهي لغة تكشف عن عقلية المجلس العسكري الحاكم، الذي لا يزال يعيش مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير، ويعتقد أن التهديد لا يزال صالحًا لردع الخصوم السياسيين، وينسى أن من وجّه إليهم التهديد تمرَّسوا على هذه التهديدات على مرِّ عقود ماضية لم ينحنوا خلالها رغم جسامة التضحيات التي قدموها من شهداء ومعتقلين ومشرَّدين ومفصولين.. إلخ.

 

المعركة إذن هي استكمال الثورة بنقل السلطة فعليًّا إلى حكومة مدنية، وهي ليست معركة فصيل سياسي واحد، بل معركة كل الثوار الذين ضحَّوا بأرواحهم وقدَّموا مئات الشهداء وآلاف المصابين حتى تنتقل مصر من الحكم العسكري إلى الحكم المدني.

 

يأخذ البعض على الإخوان أنهم عاشوا حالة توافق مع المجلس العسكري على مدار أكثر من عام بعد الثورة، لكنَّ هذا البعض لا يدرك أن الإخوان هم الأكثر حرصًا على إنهاء الحكم العسكري؛ لأنهم ببساطة كانوا أكثر من اكتوى بناره منذ الخمسينيات وحتى ثورة يناير، ولكنهم وافقوا على خارطة طريق قدَّمها المجلس العسكري لنقل السلطة، بدأت بالاستفتاء الدستوري، ومن ثم انتخابات مجلسي الشعب والشورى ثم الجمعية التأسيسية للدستور، وصياغة الدستور الدائم، وأخيرًا الانتخابات الرئاسية، وقد كان من المفترض- وفقًا لهذه الخطة- أن تُجرى الانتخابات النيابية في سبتمبر الماضي؛ لولا أن القوى الليبرالية هي التي طلبت التأجيل حتى تستعد للانتخابات.

 

كان الإسلاميون في طليعة القوى المطالبة بسرعة نقل السلطة، لكنهم فضَّلوا التعامل مع خطة المجلس العسكري حتى النهاية من باب: "خليك مع الكذاب لحد الباب"، بينما كانت القوى الليبرالية تطالب ببقاء المجلس العسكري لمدة عامين؛ حتى يتم وضع دستور جديد للبلاد، ولعمري كيف كانوا سيقبلون دستورًا يضعه العسكر، ويضمنونه ما يشاءون من بنود تحفظ لهم هيمنتهم على الحياة السياسية، وحين ظهرت نوايا العسكر بدايةً في وثيقة السلمي التي تضمنت البندين 9 و10 الخاصَّين بسريَّة الموازنة العسكرية، وغلّ يد المجلس التشرعي في سن أي قوانين تخص القوات المسلحة وقصر ذلك على المجلس العسكري؛ هنا تصدَّت القوى الإسلامية بقيادة الإخوان لهذه الوثيقة حتى أسقطتها، وقد اعترف الدكتور السلمي بأن المادتين 9 و10 تم وضعهما بطلب من المجلس العسكري، وكان الاختبار الأهم لنوايا المجلس العسكري في تسليم السلطة هو مطالبته بتغيير حكومة الجنزوري ومنح الحزب الفائز بالأكثرية النسبية حق تشكيل الحكومة، وهي المعركة التي لا تزال رحاها دائرة.

 

المعركة الحقيقية إذن ليست معركة اللجنة التأسيسة للدستور على أهميتها، وعلى ضرورة ترضية التيارات الليبرالية؛ حتى تعود اللحمة لقوى الثورة؛ حتى تتوحد كل القوى في المعركة الحقيقية، وهي معركة تسليم السلطة بشكل كامل، دون ترك أي ثغرات ينفذ منها العسكر للحياة السياسية مرةً أخرى.