طالعتُ الأسماء الفائزة بعضوية الجمعية التأسيسية للدستور، وتابعتُ باهتمامٍ بالغ، كل الاعتراضات على التشكيل، والتهديدات المتناثرة، من الأفواه الغاضبة على شاشات التلفاز، وتذكرت "جحا" الذي فشل في إرضاء جميع قومه، وضربتُ كفًّا بكفٍ على قلب الحقائق من شركاء الثورة الذين سكبوا دموع التماسيح.

 

قصة جحا مع ابنه والحمار والناس معروفة، والدرس المستفاد منها كما تعلمنا في الصغر أن إدراك رضا الناس غاية لا تُدرك، وهو الدرس الذي يتجاهله مَن غضب ولطم الخد وشق الجيوب وخاض في الإخوان بغير الحق.

 

فإذا كان المقصود هو الذات لا الوطن، فسحقًا للذات التي تعلو على الوطن ومصلحة البلاد والعباد، وإلا فقولوا لي بربكم أيها الغاضبون الجالسون في الأبراج العاجية: ما الأسماء المائة التي نستطيع أن نُوفيها حقها في لجنةٍ واحدة لوضع دستور مصر؟ فالدنيا فيها الآلاف الذين يستحقون أن يكونوا أعضاء باللجنة، ولكن كيف إذا كان المطلوب "100" فقط؟!.

 

بحكم تخصصنا المهني في متابعة الملف القانوني والدستوري، وجدنا تمثيلاً للجميع في الجمعية التأسيسية؛ حيث شملت تمثيلاً للمحكمة الدستورية العليا والمجلس الأعلى للقضاء وأساتذة القانون العام والدستوري وقضاة مجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية، فيما حصدت نقابة المحامين "8 مقاعد"، ولكن الحقيقة التي لا يريد الغاضبون أن يعلنوها أن بواعث الغضب كانت بسبب عدم إدخال أشخاص بعينها لها وزنها القانوني أيضًا رغم أن أقرانهم، والذين لهم وزنهم القانوني والمهني أيضًا موجودون، وعلى شاكلة هذا الأمر امتدَّ الاعتراض على بقية المختارين.

 

إن ما يحزن المرء حقًّا أن الاعتراض على عدم دخول أشخاصٍ بعينهم، وهو حقهم، تحوَّل إلى اعتراضٍ على المجموع، وتشويه غير حقيقي للجمعية التأسيسية كلها، فالشخصنة هنا، لعبت بالنار وتريد أن تحرق الوطن، متجاهلةً مبادئ الثورة العظيمة.

 

بلغة الأرقام، حجم تمثيل الإسلاميين بالجمعية، لا يتجاوز 48% (36 من داخل البرلمان بغرفتيه و12 من خارجه)، بالرغم من أن نسبتهم في المجلسين تصل إلى 76%، فيما وصلت نسبة تمثيل غير الإسلاميين إلى 52% (14 من البرلمان بغرفتيه و38 من خارجه)، في حين أن نسبتهم في البرلمان لم تتجاوز 24%، كما وصلت نسبة تمثيل "الحرية والعدالة"  في المجلسين والشخصيات التابعة له من خارج البرلمان 30%، بينما تمثل بقية الاتجاهات الحزبية والفكرية والمستقلة نسبة 70%، فقولوا بربكم أيها الغاضبون: أين الإقصاء والتهميش؟!.

 

إنها نفس المعركة التي يكررها البعض قبل كل استحقاق، في بناء المؤسسات، تهدف عبر الإرهاب الفكري والابتزاز السياسي، إلى فرض وصايته على الشعب، كما كان يفعل المخلوع، ولكن للأسف نفس المجموعات، لا تريد أن تقر بأنها بعيدة عن الشعب، وإن الوصاية عليه باتت مستحيلةً، وإن استمرار الأكاذيب ضد الإخوان يزيدهم قوةً، وإن عدم الالتحام بالشارع والإقرار بالديمقراطية سيحقق لكل الغاضبين خسائر جديدة، أتمنى أن تتوقف حتى تشهد الساحة السياسية انتعاشةً تنافسيةً كبرى تفيد الوطن.

 

إنها نفس المعركة التي تتجاهل وجود توافق كبير على أبواب الدستور، وإن جهد الجمعية المنتخبة ليس اختراع دستور جديد أو بدء دستورٍ من الصفر، بل هو البناء على ما هو موجود من كنوزٍ دستورية، يعلمها فقهاء الدستور، خاصةً الغاضبين.

 

يا شركاء الثورة الأوفياء:

رؤيتكم ، ليست وحي من السماء، وابتعادكم عن الشارع ليس خطأ الإخوان، وبناء مصر يحتاج مشاركتكم، وفي البناء متسع للجميع، فلا داعيَ لشقِّ صف الثوار والإصرار على ذبح التوافق الوطني، وتهويل الأحداث لصالح مصالح حزبية ضيقة تسقط عند أول صندوق.

 

يا شركاء الثورة النبلاء:

أنادي فيكم أخلاق ميدان التحرير و"نومة" تحت الصقيع، وفزع من طلقات رصاصات العادلي الجبان أثناء الثورة، فالدستور سيمثل الجميع ولا يوجد سبب واحد لافتعال المعارك وشق الجيوب ولطم الخدود والولولة على ثورة يتصاعد زخمها وستحقق كامل أهدافها في القريب رغم أنف حملات الإحباط والتشكيك.