جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود والمغيرة بن شعبة- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "آخر من يدخل الجنة: رجل فهو يمشي على الصراط مرة، ويكبو مرة وتسفعه النار مرة...".
هذا الرجل وأمثاله ممن أسرف على نفسه في الذنوب، وضيع عمره فيما لا ينفعه، فيقع من على الصراط على وجهه في النار فيصيب من حرها ويؤذيه لهيبها ويسود وجهه ثم يأتي صالح عمله فيقيمه على الصراط، وهكذا يظل بين المشي تارة على الصراط والوقوع في النار تارة أخرى حتى يجاوزها.
يا الله، يا رحيم، يا كريم، كم يا أحباب تستغرق هذه الرحلة الشاقة؟ من منا يقدر على حر جهنم؟ كم تساوي الدنيا بنعيمها وذهبها وملكها ونسائها؟ إذا كان مصير الإنسان مثل هذا؟
يا عباد المال والجاه:
أفيقوا قبل أن تتنكبوا الصراط وتقذف بكم أعمالكم إلى جهنم، وساعتها لا عذر لكم ولا نجاة منها.
ثم قال- صلى الله عليه وسلم-: "فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين".
مفارقة الألم لذة:
إنه كان يعتقد أنه سيبقى في النار مخلدًا وأنه لشدة عذابها وقوة حرها لن يخرج معافى لكن اله برحمته ومنته خفَّف عنه ونجاه منها، فهو في فرح لا يصدقه، ونعيم لا يقدر على وصفه، فهو أشبه بإنسان كان في شدة مفجعة كمرض مؤلم وفقر مدقع وموت مفجع وعناء لا ينقطع فإذا انقضى كل هذا وانقشع فإنه لا يبقى من المرض والفقر وفقدان الأحبة إلا الذكريات، ويمتلئ قلبه سعادة ونفسه راحة، ويشعر بميلاد جديد فمفارقة الألم لذة ثم قال- صلى الله عليه وسلم-: "فترتفع له شجرة فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة استظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله تعالى: يا ابن آدم: لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها..".
إن ارتفاع الشجرة وظهورها فجأة لمظهر عظيم من رحمته وفيض جود من قدرته فالله تعالى ما كان ليترك عبده يكابد الحر والعطش فأنبتها له ليطلبها منه، والله الرحيم ما كان ليرد أحدًا رفع يديه إليه فهو القريب من عباده (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (البقرة: من الآية 186)، (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: من الآية 56).
ثم يتكرر المشهد مرتين أخريين يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من الشجرة لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي أن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه تعالى يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، وهي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى، يا رب لا أسألك غيرها- وربه عز وجل يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها".
ورغم أن الله تعالى يأخذ الميثاق على عبده أنه إن أعطاه الشجرة لا يسأله غيرها فإنه ما إن يرى شجرة أخرى فينسى عهده وما قطعه على نفسه وهكذا والسبب أمران:
الأول: حاجة الرجل الملحة إلى الشجرة التي نبتت له فجأة في مكان موحش وبعد معاناة شديدة مع النار.
الثاني: ما تتمتع به هذه الشجرة من البهاء والجمال وكثرة الثمار، إنها صنع الله الذي أتقن كل شيء.
ولذلك كان النبي- صلى الله عليه وسلم- في كل مرة يقول: "وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه...".
لقد تساءلت في نفسي: ألا يمكن بعد أن أخرجه الله من النار أن يلحقه بالجنة مباشرة؟ دون أن يمر بهذه المراحل الثلاث؟
فقلت: الله تعالى يريد أن يربي عباده على أنهم ليسوا أصحاب حق فيما هم فيه من نعيم الدنيا والآخرة، لم ينجوا من عذابه ويفوزوا بجنته بجهد قدموه وعمل اقترفوه إنما هو محض الفضل من الله تعالى (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) (الحديد).
فالرجل لما أنقذه الله من النار قال: "لقد أعطاني الله شيئًا لم يعطه أحدًا من الأولين والآخرين.."، وبعد أن بلغ الجهد منه مبلغه لم يحلم بشجرة يأكل منها ويروي ظمأه وهكذا ففي كل مرحلة يرى أن الله تعالى فضله على كثير ممن خلق تفضيلاً.
إخواني تعلموا:
أن تذكروا مما أنتم فيه الآن من النعمة والصحة والعافية ثم ترجعوا بالذاكرة إلى الأيام الخوالي إلى لحظات الشدة وأيام الفقر والمرض، وكيف عافاك الله وأغناك ورزقك الزوجة والولد.... فهذا أدعى للشكر وأنفى للغرور والعجب، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)) (إبراهيم).
ثم قال- صلى الله عليه وسلم-: "فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة
فيقول: يا رب أدخلنيها
فيقال له: ادخل الجنة فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟
فيقول الله: يا ابن آدم ما يرضيك مني؟!
أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟
فيقول: رضيت رب
فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله
فيقول في الخامسة: رضيت رب
فيقول الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك..." وفي رواية أخرى: "فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر".
إن رحمة الله بهذا العبد تتضاعف وتتكاثر، فهو سبحانه يدنيه من باب الجنة فيسمع أهازيج أهلها حيث يلهمون التسبيح والتهليل والتحميد (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)) (يونس).
يسمع الملائكة تقول لهم: (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)) (الرعد).
إن الرجل قد عاين النار، وانكوى بحرها ومزق جسده لهيبها ثم هو يشم ريح الجنة وينظر إلى أنهارها وثمارها وحليها وحورها، وهذا ما دعاه أن يشتد في طلبها ويحرص على سؤالها، والله تعالى لا يدخله الجنة دون أن يكون له فيها مقام معلوم بل أقطعه منها ملكًا عظيمًا وسلطانًا كبيرًا.
تخيل أخي الحبيب: ملكًا أو رئيسًا قد امتد ملكه، واتسعت أرجاؤه وتباعدت أطرافه، تخيل دولة في اتساع مملكة هارون الرشيد الذي كان يخاطب السحابة قائلاً: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك.."، سيكون نصيب آخر من يدخل الجنة مثله عشر مرات ولذا فإن الرجل لم يصدق ما سمع وقال: "أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟".
ومثل ذلك كرجل جاء إليك وقال: إنه قد صدر لك مرسوم ملكي باقتطاعك ألف فدان وكنت تحلم بأن يكون لك فدان وعلى أقصى تقدير خمسة أفدنة، ولا شك أنك تعتبر هذا من باب المزحة أو الاستخفاف بك، فإذا ندبك الملك إلى رحابه وسلمك بنفسه صكًا بهذه الأرض، أصبح الأمر حقيقة وزال عنك كل شك، ولذا جاء في رد رب العالمين: "إني لا أستهزئ منك؛ ولكن على ما أشاء قادر" وبعد هذا كله: "... يقول الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك.
ثم يقول الله تعالى له: تمن، فيتمنى، ويذكره الله: سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني
ثم يدخل بيته ويدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانًا لك
فيقول: ما أعطى أحد مثل ما أعطيت...".
قال (يعني موسى عليه السلام): رب فأعلاهم منزلة؟
قال: أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر".
هذه هي الجنة التي يجب أن نعمل لها ونفديها بالغالي والرخيص، قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)) (التوبة).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" أخرجه الترمذي وصححه الحاكم: 4/307-308 ووافقه الذهبي.
هذه هي الجنة التي هي سلوانًا في كل ما نفقد ونتعب ونجهد في دنيانا (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)) (الحاقة).
هذه هي الجنة التي نحن لها ونشتاق إليها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الموت نبنيها
فاعمل لدار غدًا رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها