احتل يحتل احتلالاً، كما ذكرت بالمعجم اللغوي، والمعنى هو استيلاء دولة على دولة أخرى أو جزء منها بالقهر والظلم والغزو المخطط له إستراتيجيًّا، ولكن كل ذلك ليس البداية؛ فهذه مرحله تلي مرحلة أخرى أشد فتكًا وخطرًا بالأمم وهي غزو العقول.. عقولنا احتُلت.. نعم عقولنا الآن محتلة، وانتفض البعض لتحريرها، والبعض لم يُفِقْ، والسؤال هنا: كيف احتلت عقولنا؟ ومن هم محتلوها؟!
محتلو العقول ليسوا بالضرورة من خارج بلادنا، بل المحتل الأخطر الذي يحاربك عن قرب، وهم ليسوا بالأفراد فقط؛ فهم أفراد ومؤسسات وحكومات كرَّست جهودها وإمكانياتها للهيمنة على العقول البشرية وإحباط جميع محاولات إبداعه وتحرره, ولسنا نقصد الإعلام وحده، سواء كان مرئيًّا أو مسموعًا أو حتى مقروءًا؛ فهناك الكثير والكثير ممن يحملون شعارات الحرية، وكثيرًا مما طالما حلم به الأغلبية من الناس ويتلاعب بالعقول ويهيمن عليها ويبث أفكاره وينشر اتجاهاته و لولا احتلال العقل ما احتل البلد ولما اغتصب المستعمر الأرض والعرض فقد بدأ خطته المحكمة بحصار الإبداع والتفكير الحر واستطاع أن يستولي عليها ويظهر ذلك على مر العصور التاريخية وإذا درسنا كل الحركات الاستعمارية على طول الخط التاريخي قديمًا وحديثًا فقد كان يكرس جهوده لنشر لغته وثقافته ويضع سياسته ويوجه نشاطه لإعدام أي حركة تساهم وتساعد في تحرير العقول من مستعمريها وتطيح بحكمهم الغاشم وتسعى لزوال ملكهم ومن هنا تنشأ العلاقة الوطيدة بين الاحتلالين الفكري والعسكري.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا نغيِّب عقولنا ونصبح صيدًا سهلاً لكل مستعمر غاشم؟ لماذا تتحكم الحاجات في العقول ويتركز كل تفكيرنا في كيفية إشباع تلك الحاجات فقط؟!
الآن يمر بنا الزمن ونحن في سبات عميق لا نفيق منه، واستسلمنا فقط لاستهلاك ما ينتجه الآخرون من فكر وإبداع وأصبحنا شعبًا يتسم بالجمود والتقليد والتخلف, وأصبحنا شعب الفوتوكوبي، كما يقول البعض، أم لأننا كسالى والإبداع بحاجة إلى الاجتهاد والإتقان!!.
لماذا لا ننفض غبار الاستعمار عن عقولنا الآن محاولين ترك بصمة تميزنا و تجعلنا من العظماء الذي يحفل بهم السجل البشري، الذي طالما ضم الكثير والكثير من المبدعين الذين شكلوا على مر العصور فكرًا قامت عليه حضارات وازدهرت وكان القاسم المشترك بينهم هو الجرأة والاجتهاد وروح الإبداع، فلقد خلقنا الله ولكل منا بصمة خاصة لا يجتمع فيها اثنان فهي خاصة ويكمن هنا الإعجاز... فلم لا يضع كل منا الآن بصمته حتى نعرفه ونميزه عن غيره.
لماذا لا نتكاتف الآن ونوحّد الصفوف ونضع نصب أعيننا هدفًا واحدًا ونسعى جميعًا من أجله، وهو محاربة الجهل، وكل من يحاول نشره ويهيمن بفكره وثقافته ليغيب عقول الأمة وأبنائها لتضمن وجودها وبقاءها ومقاومة النظم التي تكف كل محاولات الإبداع لأسباب أمنية وسياسية وثقافية وطبقية...
ولا بد قبل كل هذا أن يعرف المبدعون أن مسئوليتهم والدور الملقى على كاهلهم هو المساهمة في تحرير العقول والحفاظ على استقلالها وهويتها... "فكل إبداع هدى وكل هدى في الجنة".