أحبائي هيا بنا نتجرد ثم نصعد لنحلق ونتابع المشهد كله ونفكر بهدوووووء.

ودائمًا سلم الصعود يبدأ بصناعة وطرح الأسئلة وأهمها هو:

- المشروع أم الرئيس أولاً، الاحتشاد الوطني أم الرئيس أولاً؟

- كيف يتم اختيار الرؤساء في دول الأطراف الضعيفة التابعة؟

- مدى مناسبة توقيت انتخابات الرئاسة الآن؟

- كيف ستكون مهام وصلاحيات الرئيس القادم؟

- ماذا يعني كثرة عدد المرشحين؟

- الجيش والرئيس القادم؟

- الإخوان وفكرة ترشيح المهندس خيرت؟

 

1- المشروع أم الرئيس أولاً، الاحتشاد الوطني أو الرئيس أولاً؟

جدل كبير جدًّا ومتنوع في البيت والشارع المصري والعربي وعلى مدار الساعة حول انتخابات الرئاسة، ينذر بحالة من الاصطفاف لفئات الشعب المصري خلف بعض المرشحين، المخيف في المشهد هو التفاعل الكبير للجماهير المصرية مع انتخابات الرئاسة نظرًا لمفهومها السابق عن الرئيس، إنه الرئيس مطلق الملكية لمصر بسلطاتها الثلاث، وأن حل الأزمات جميعها سيأتي على يديه!، هذا الاصطفاف ينذر بمشكلة كبيرة متعددة الزوايا ومن ثم شديدة الخطورة، هي تفكيك وتجزئة الشارع المصري في وقت أصبح الاتحاد فيه فرض عين وواجب الوقت، خاصة أن المتربصين من الداخل والخارج كثر، وما زالوا يمتلكون أسباب القوة والفعل.

 

ومن زاوية أخرى الانشغال بالفرع عن الأصل، والأصل في أزمتنا المصرية هذه هو وحدة الشعب حول مشروع بناء مصر الحديثة، وخاصة أننا في قلب الأزمة، والفرع هو اختيار شخص مناسب لتركيب هذا المشروع على قطار جماهير وموارد الدولة الذاتية المحتشدة والمصطفة على شريط واحد وفي اتجاه محدد ليبدأ تحريكه والانطلاق عليه، الانشغال بانتخاب الرئيس قبل تحديد صلاحياته يصنع قنبلة موقوتة شديدة الانفجار تعد للانفجار بعد توليه المسئولية، يمتلك خيوط تفجيرها كل القوى التي لم تنجح، والرئيس المنتخب ذاته- مجهول المهام والسلطات، صاحب مشروعه، وغير المتفق عليه جماهيريًّا، بالإضافة إلى المفجر الخارجي الذي سيستغل التفكك الوطني.

 

وتتعزز فرصته في تفجير المشهد في أي لحظة، ليعود بنا لا قدر الله إلى نقطة الصفر مرة أخرى.

 

ومن زاوية ثالثة هذا التعدد والتنوع الكبير في المرشحين والسابق لأوانه، حيث يتطلب الأمر في مثل حالتنا المصرية التي تتم فيها تحولات جذرية وبداية تأسيس دولة جديدة بمنطلقات جديدة، يتطلب الأمر وجود قائد وبطل واحد لهذه المهمة الانتحارية يلتف الجميع حول برنامج وطني موحد يقوم هو على إدارته وتنفيذه بدعم من كل القوى السياسية التي تحشد وتفعل وتطور أداء أعضائها على الأرض عندها تتأسس الدولة وتسلك طريقها على طريق التنمية، لتأتي بعدها مرحلة قبول التنوع والإبداع السياسي الذي يتنافس فيه الكثير لتحمل المسئولية وتولي السلطة.

 

بمعنى أن الواجب في مثل حالتنا هو الانشغال بإعداد المشروع أولاً، وخلق حالة من الالتفاف الوطني حوله، ثم وضع معايير ومواصفات للرئيس الذي يمكن أن ينفذ المشروع، وتتوافق القوى والنخب السياسية فيما بينها عليه لتقف جمعيها خلفه وتعزز قدرته على مجابهة تحديات التحول والتأسيس، وبعدها يتم الإعلان عنه للجماهير ولتستكمل الإجراءات الانتخابية لتوثيق شرعية هذا الرئيس.

 

2- كيف يتم اختيار الرؤساء في دول الأطراف الضعيفة التابعة؟

بعيدًا عن الأحلام والأوهام والتشنج والتواكل يجب أن نفكر بموضوعية من نحن وأين نحن، لنفكر بحكمة وموضوعية كيف نغير هذا الواقع ونصل إلى ما نريد

 

حتى نقول وننفذ ما نريد.

أعني بالدول الضعيفة التابعة التي تعيش على أطراف العالم وصنع قراراته، هي تلك الدولة التي لا تمتلك الأدوات الستة للقوة والفعل الدولي في العصر الحديث (قوة الهوية وقوة العلم والتكنولوجيا وقوة الإنتاج والاقتصاد وقوة العلاقات والتأثير الدولي وقوة السياسة وقوة السلاح)، وبلا شك وبالحسابات الدقيقة نحن خارج الملعب، وفي مثل حالتنا جميع قراراتنا الداخلية محكومة ومربوطة بقرارات وأجندات ومصالح الكبار، وبطبيعة الحال لا يقبلون التمرد والخروج عليهم ضمانًا لمصالحهم، وللخروج عليهم مبادئ وقواعد حددتها قوانين وسنن القرآن والتاريخ البشري، وأولها قوة ووحدة الصف الداخلي، وثانيًا الاعتماد على القدرات الذاتية، وثالثها بناء شبكة أمان ضد محاولات الكبار لتدمير المشروع. وفي دول الأطراف لا يؤتى إلا بالرؤساء الضعفاء وبطرق خاصة متنوعة تبدأ بالجهود المخابرتية الناعمة، وآخرها تدمير المشهد بالفوضى الخلاقة الممهدة لتقديم أي أحد.

 

بطبيعة الحال قمنا بثورة مباركة ونريد بناء مصرنا الحديثة مما يعني تمردًا صريحًا على الكبار، ومن ثم يجب أن نلتزم بقوانين القرآن وسنن التاريخ، والتي هي قوة الوحدة والاحتشاد والمشروع المفجر لطاقاتنا الذاتية، وبناء شبكة الأمان الذاتية التي تبدأ ببناء القيم وتعزيز هوية واضحة لمصر الحديثة، وتوعية الجماهير بالمشروع وأهدافه واحتياجاته وتحدياته، شبكة أمان وتحصين تبدأ من كل مواطن ومواطنة وتمتد إلى كل شارع ومؤسسة ومحافظة ووزارة.

 

3- مدى مناسبة توقيت انتخابات الرئاسة الآن؟

بالتأكيد عنصر الوقت ليس في صالحنا إنما هو في صالح القوى المضادة للثورة ولمصر، وكلما عجلنا بإنهاء ملف الرئاسة أغلقنا ملفات كثير وقطعنا الطريق على كل محاولي الفتنة وتعويق المسيرة، والإعلان عن بداية مرحلة البناء الحقيقية، كل ذلك شرط أن تتم إدارة ملف الرئاسة بطريقة صحيحة بمعنى الحشد حول مشروع محصن بموارد ودعم كل المصريين، وأخيرًا اختيار شخص مناسب لإدارة الملف.

 

4- كيف ستكون مهام وصلاحيات الرئيس القادم؟

في سياق عدد من الاعتبارات التالية يجب أن نوصف ونحدد صلاحيات الرئيس القادم:

- مشروع وطني متفق على خطوطه العريضة وتفاصيله بين يدي الخبراء.

- برلمان وطني منتخب متواصل مع الشارع لحظة بلحظة.

- تحديات ومؤامرات خارجية وداخلية متنوعة متوقعة على مدار اليوم والأسبوع والشهر والعام.

- حصار سياسي واقتصادي متوقع.

- مطالب وضغوط مستمرة من الشعب تطالب بتحسن حالتها المعيشية والكثير من الضغوط المتنوعة مما تتطلب قدرًا كبيرًا من المرونة وسعة الحركة والقدرة على تقسيم وتبادل وتكامل الأدوار بين الشعب والمجلس والوزارة والرئيس، مما يتطلب توزيع سلطات الرئيس، وتقليصها لحد كبير لحساب مجلس الوزراء ومجلس الشعب.

 

5- ماذا يعني كثرة عدد المرشحين؟

بالأصل يرجع إلى طبيعة النظام الانتخابي المصري الذي فتح الباب أمام الجميع للترشح، ولما يؤسسه على أساس ترشيح واختيار حزبي، مما حذا بالعديد من الأفراد العاديين إلى سحب ملف الترشح ربما على سبيل الدعابة، وربما رغبة في الظهور الإعلامي والشهرة وربما رغبة في ممارسة حق سياسي حيل بينه وبين ممارسته عقودًا طويلة.

 

على الجانب الآخر نرى تعددًا وتنوعًا في المرشحين الكبار مما يوحي أولاً برغبة جميع القوى السياسية في تحمل مسئولية وأمانة قيادة الدولة في هذه المرحلة، وإن كنت أرى أن ذلك يعد من أشكال المغامرة التي ترتقي إلى درجة المقامرة والتهور غير المحسوب.
وفي تنوع الإسلاميين دلالة واضحة على غياب التوافق فيما بينهم حول موضوع بالغ الأهمية بدرجة اختيار رئيس للدولة، مما ينذر بأشياء ربما تكون مفاجئة في المستقبل. 

 

6- الجيش والرئيس القادم؟

من المعلوم أن المجلس العسكري أحد أهم بقايا النظام السابق وبالتأكيد لن يرضى برئيس جديد يأتي ليحاسبه ويحاكمه على ما اقترف من قبل، ويفتعل بذلك أزمة قد تودي بأمن واستقرار الدولة ككل.

 

ومن البديهيات أن يعمل الجيش على المجيء برئيس أقل ما يمكن تقديره يؤمن المجلس العسكري من المساءلة إن لم يكن مواليًا له.

 

مما يؤكد حتمية تدخل الجيش في انتخابات الرئاسة بأي شكلٍ من الأشكال، وربما رد فعل دراماتيكي في حالة وصول أحد الإسلاميين.
ومن ثم أرى من المصلحة إبعاد الجيش تمامًا عن لعبة السياسية وعدم إجباره على الدخول فيها تأمينًا لبعض أشخاصه الذين يمثلون المجلس العسكري، وعفا الله عما سلف شرط أن يكون شريكًا في صناعة شبكة أمان لتأمين مشروع مصر الحديثة.

 

بالتأكيد لست مدافعًا عن الجيش، ولا راضيًا عن كل أفعاله، وإنما أحاول فهم الواقع والتعايش معه والبحث في مسارات المرور الآمن لمشروع مصر الحديثة.

 

7- الإخوان وفكرة ترشح المهندس خيرت؟

الفكرة بالتأكيد طيبة وخاصة عندما تقدم الجماعة أفضل ما لديها، وتتقدم لتحمل المسئولية في هذا المنعطف الخطر من تاريخ مصر، وإن كانت مغامرة كبيرة جدًّا في ظل تحديات ومخاطر محدقة من كل جانب. 

 

بالتأكيد الإخوان لديهم مشروع جاهز ومتكامل لإعادة بناء مصر الحديثة، ويؤكد ذلك ويوثقه نجاح التجارب المشابهة في تركيا وماليزيا، ولكن يبقى أمر هام جدًّا هو تسويق المشروع للشعب لضمان احتشاده حوله لدعمه وحمايته والمرور به إلى الأمان، وهذا ما نتمنى حدوثه، خاصةً أن جميع أشكال التحدي والحصار والتضييق العالمي متوقعة، وقد بدأت بالفعل منذ بداية عمل المجلس الجديد، وأحسب أن الأمر كان سيكون أفضل عندما يقتنع الشعب بالمشروع الذي يقدمه الإخوان ويلتفون ويحتشدون حوله، ثم يطالبون الإخوان بأن قدموا أحدكم لتحمل المسئولية وتنفيذ المشروع، وما أجمل أن تتقدم الأحزاب والقوى السياسية المختلفة مناشدة ومطالبة الإخوان ترشيح أحدهم للرئاسة، أو تقوم جماهير ومحافظات مصر بنشر دعاية للشاطر بالترشح للرئاسة ربما قبل أن يعلن الإخوان عن نيتهم، عندها تكون شروط المرور قد توفرت بمشروع وطني حاشد وحصانة شعبية وقيادة كبيرة ملهمة.

 

الحسابات معقدة كثيرًا والوقت ضيق والأمر جلل والمسئولية كبيرة والفرصة واضحة..والأمر من قبل ومن بعد لله تعالى، وعلينا الأخذ بالأسباب، اللهم تولنا ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين أو أقل من ذلك فنضل ونخزى، والهم إخواننا رشدك وكنا معهم ولهم إنك نعم المولى ونعم النصير.