من بدهيات العمل الجماعي أن تكون هناك قيادة تدير العمل، ولها حق السمع والطاعة، ولقد كان للقيادة في جماعة الإخوان المسلمين دور كبير في الحفاظ على الجماعة والتنظيم من التفكك والتشرذم والاحتواء من قِبَل الأنظمة الحاكمة.
وقد وضع الأستاذ البنا أركان البيعة التي تبدأ بـ"الفهم" وتنتهي بـ"الثقة"، والبدء بالفهم يضع أصولاً يتفق عليها أفراد الجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، تمثل الفهم الوسطي للإسلام، حتى إن الشيخ محمد الغزالي رحمه الله جعل الأصول العشرين "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" جميعًا، والانتهاء بالثقة يحقق أمورًا كثيرة لا تحصى؛ منها:
1- سلامة الصدر بين القائد والجندي وإحسان الظن بينهما.
2- الحفاظ على تماسك الصف، وصرف الاهتمام إلى استكمال البناء بدلاً من الوقوف عند النقد والتجريح وسوء الظن المتبادل.
3- تشجيع الجندي على البذل؛ لما يستشعره من ثقة قيادته في صحة تصرفاته.
4- عدم تردُّد القيادة في اتخاذ القرارات المناسبة وبمنتهى السرعة؛ لعلمها أن وراءها جنودًا تثق بها... إلخ، هذه الأمور التي تدفع العمل الإسلامي إلى التقدم والرقي.
إن الثقة في القيادة هي التي جعلت أبا بكر يقول: "إن كان قال فقد صدق" وهي التي جعلت سراقة بن مالك- وقد أسلم منذ لحظات- لا يتردد ولا يشك حين أخبرته قيادته متمثلةً في رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه سيلبس سواري كسرى، والثقة أيضًا هي التي جعلت الصحابي معاذ بن جبل يقول عن كعب بن مالك حين قال عنه رجل من بني سلمة في غزوة تبوك: حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، كما روى البخاري.
إن الثقة بين القائد والجندي يجب أن تكون متبادلة، كلٌّ منهما يثق في أخيه، ويوم أن تتزعزع هذه الثقة يفقد العمل الجماعي زخمه، ويتفلَّت أفراد الصف زرافاتٍ ووحدانًا، وهذا ما يعمل عليه أعداء هذه الدعوة في الداخل والخارج فنفاجأ مثلاً بأن أمريكا- بعد صفقة التمويل الأجنبي- تشكر جماعة الإخوان على دورها في إتمام الصفقة لكي تزعزع ثقة الإخوان في قيادتهم، وسبحان الله!! من يقرأ تاريخ الإخوان يعرف طبيعة علاقتهم بأمريكا وباحترام القانون.
وعلى المستوى الداخلي لا تنفك أبواق الإعلام تسلِّط الضوء على سلبيات الجماعة، وطرح قضايا تثير بلبلة كثيرة، وتضخيم السفاسف كسيارة الكتاتني ولم يذكروا أنها كانت قبل ذلك مملوكة لفتحي سرور، كما أن الإعلام يحرص على استضافة من يختلف كلاًّ وجزءًا مع الجماعة، إلى آخر هذه الأمور التي لا يقضي عليها في الصف الإخواني إلا الثقة في القيادة والجماعة.
من البدهي- كذلك- أن نذكر أن من ارتضى أن يكون ضمن جماعة وجب عليه أن يتنازل عن بعض حقوقه لصالح الجماعة، وأن يعطي جماعته حق السمع والطاعة، وأن يتبنَّى آراء الجماعة التي ينتمي إليها، وفي سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه لم يرد الخروج من المدينة في غزوة أُحُد، لكن الشورى فرضت ذلك فلما راجعه صحابته وقالوا: كأننا قد استكرهناك رفض الجلوس؛ لأن وقت الشورى قد انتهى، وبدأت مرحلة العزم، ومثل ذلك فعل علي بن أبي طالب في معركة صفين حين رفع جنود سيدنا معاوية المصاحف على أسنة الرماح عندها قال سيدنا علي: إنها خدعة ولنكمل الحرب، لكنه التزم بالشورى وأوقف القتال، ومواقف كثيرة تشبه ما قلناه ليس هذا مجال سردها جميعًا.
ونضع بعض الضوابط التي لا بد منها لفهم موقف الإخوان من الانتخابات الرئاسية، ولكن قبل ذلك أقرر أنني لست متحدثًا باسم الإخوان، ولكنني أتحدث عن فهمي لعلاقتي بجماعة الإخوان وعلاقتها بي، خصوصًا ونحن نجد شبابًا نحبهم ونحترمهم ونقدِّر لهم انتماءهم لهذه الجماعة المباركة في الوقت الذي قرءوا فيه عن الاعتقالات والتعذيب والإيذاء في الأهل والمال والأعمال، فجزاهم الله خيرًا على اختيارهم وصبرهم على ما لاقوه من إيذاء، لكنْ نحن في زمان قد اختلط فيه الحق بكثير من الباطل، وأصبح لزامًا على كل مسلم أن ينظر موضع قدمه؛ حتى لا تفرَّق به السبل ولا تزلَّ به قدمه، وصدق شاعرنا العربي حين قال:
قدّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقًا عن غرةٍ زلجا
وألخص الموقف- من وجهة نظري- في عدة نقاط:
1- أكنّ كل التقدير والاحترام لكل المرشحين للرئاسة، وعلى رأسهم الإسلاميون.
2- لقد اختبرت قرارات الإخوان بما يزيد عن مئة مرة كنت أخالفهم فإذا تبينت الحقائق وظهرت الأمور وجدت أنهم مخلصون لا يريدون إلا الخير، وإن بدا غير ذلك، كنت أجد الخطأ في عدم وضوح الرؤية لديّ.
3- لا أتصور أن أقطع علاقتي مع إخوان لي في الله لمجرد تبنيهم قرارًا يخالف قراري، بينما أنا أردِّد صباح مساء أنني اتبعت هذه الجماعة لكي أدخل الجنة.
4- لماذا أفترض في نفسي الصواب دائمًا، وأفترض في عموم الإخوان الخطأ- قيادة وجنودًا- وهل صحيح أن رأيي أنا خير من آلاف العقول التي كنت قد أعطيتها ثقتي ومنحتها حبي وودي.
5- أليس من الممكن أن يكون حبي للمرشح الفلاني أو العلاني مغطيًا على عقلي طامسًا لتبين وجه الحق ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: "حبك الشيء يعمي ويصمّ".
6- أن الاختيار في القضايا السياسية ليس بين خطأ وصواب ولا بين كفر وإيمان، وإنما بين حسن وأحسن، أو فاضل وأفضل، فلماذا نريد إلزام الجماعة برأينا، ألم نقرأ الأصل الخامس من الأصول العشرين: "ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوهًا عدة وفي المصالح المرسلة معمولٌ به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات...".
7- الكل يجمع على أن السنوات الأربع القادمة في حكم مصر هي أصعب السنوات، ولو تولى حاكم إسلامي وفشل في إدارة الأزمة- وطبعًا الشرق والغرب بل والداخل سيعمل على إفشاله- أليس الفشل سيُنسب إلى الإسلام نفسه وسيفقد الشعب الثقة في الحل الإسلامي.
8- أن فهم الإخوان في تولية الولايات مأخوذ من الشرع والدين؛ وقد ثبت أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولَّى عمرًا بن العاص على سرية فيها أبو بكر وعمر، ومن بعده ولّى عمر بن الخطاب الأمصار للمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وعنده من أحسن منهم إيمانًا وسابقة في الدين وبلاءً وجهادًا، كأمثال الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن عوف وبلال وغيرهم كثير.
9- أن التزامنا وثقتنا في جماعتنا التي تربينا على يد قادتها ووثقنا فيهم واختبرنا إخلاصهم تفرض علينا أن نجدّد لها الثقة وأنه ليس للجماعة مصلحة في اختيار هذا وترك ذاك إلا ما ترجوه من مصلحة مصرنا الحبيبة.
10- مقرر عند علماء الأصول أنه حين تتعارض مصلحتان نختار أكبرهما نفعًا، وحين تتعارض مفسدتان نختار أقلهما ضررًا، وأن الضرر القليل يحتمل لتحقيق مصلحة كبرى.
11- هل أخذ الإخوان موقفهم- بعدم ترشيح رئيس- بناءً على هوى أم بشورى؟! وهل عهدنا بالإخوان أنهم أصحاب هوى؟! أليس في الشورى بركة وخير كثير بإذن الله؟!
12- أليس في التزام الإخوان بوعد قطعوه على أنفسهم- بعدم ترشيح رئيس- رفع لقدر جماعتنا، واحترام لكلمتنا في الداخل والخارج، وهل من الدين خلف الوعد ورسولنا الحبيب يقول: "ولا تخن من خانك".
13- ركن التجرد الذي بايعنا عليه يقتضي التعلق بالدين والدوران معه حيث دار، دون التعلق بأشخاص.
14- لا يليق بفرد ينتمي إلى الإخوان المسلمين أن يترك جماعته التي تربَّى على يد قادتها، ولمس من إخلاصهم ووفائهم الكثير، وقضى فيها عمرًا، وأوذي بسبب انتمائه إليها.. أقول لا يليق به أن يترك هذه الجماعة من أجل شخص كائنًا من كان مع احترامنا لكل أفرادها.
وهذا نقل لتفسير الأستاذ البنا لركن الثقة من كتاب الرسائل: "وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة، والقائد جزء من الدعوة، ولا دعوةَ بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات..
وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات.
ولهذا يجب أن يسأل الأخ الصادق نفسه هذه الأسئلة ليتعرف على مدى ثقته بقيادته:
1- هل تعرَّف إلى قائده من قبل ودرس ظروف حياته؟
2- هل اطمأن إلى كفايته وإخلاصه؟
3- هل هو مستعد لاعتبار الأوامر التي تصدر إليه من القيادة في غير معصية طبعًا قاطعًة لا مجال فيها للجدل ولا للتردد ولا للانتقاص ولا للتحوير مع إبداء النصيحة والتنبيه إلى الصواب؟
4- هل هو مستعد لأن يفترض في نفسه الخطأ وفي القيادة الصواب، إذا تعارض أمر ما به مع ما تعلم في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص شرعي؟
5- هل هو مستعد لوضع ظروفه الحيوية تحت تصرف الدعوة؟ وهل تملك القيادة في نظره حق الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الدعوة العامة؟
بالإجابة على هذه الأمثلة وأشباهها يستطيع الأخ الصادق أن يطمئن على مدى صلته بالقائد، وثقته به، والقلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال).
أسأل الله أن يشرح صدورنا جميعًا للفهم الصحيح والعمل الصالح.
----------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية.