هل أخطأ العسكر في إثارة قضية التمويل الأجنبي ضد أمريكا في ظروفنا الانتقالية؟! الإجابة غالبًا نعم..

هل أخطأ العسكر في إنهاء الأزمة بالسماح بتسفير المتهمين؟ الإجابة غالبًا لا.

 

بالرغم من خطورة الموقف كالآتي:

 

- التمويل استهدف الأمن القومي؛ لدرجة وجود خرائط تفصيلية لتقسيم مصر إلى أربع دول: مسلمين, مسيحيين, نوبيين, بدو سيناء؛ حيث تمَّ بالفعل تقسيم العراق والسودان، وجارٍ الآن محاولة تقسيم ليبيا؛ وصولاً إلى تقسيم مصر, بعد خنقها من الجنوب بالسودان، ومن الغرب بليبيا، ومن الشرق بالكيان الصهيوني، والأخطر من ذلك هو امتلاك الأجانب خرائط سرية تفصيلية توضح مناطق تمركز الجيش المصري؛ فكيف توصلوا إليها؟! ولماذا؟! هل أصبحت مصر "وكالة من غير بواب"؟!

 

 التمويل ازداد بعد الثورة وكان سببًا في معظم الصدامات (من ماسبيرو إلى بورسعيد) والطائفية والفئوية، والاعتداء على الشرطة والتنديد بالعسكر وخلافه؛ لإعاقة الديمقراطية والاستقرار, وأثبتت التجارب تركيز ذلك قبل الحروب الداخلية؛ لتضليل المجتمعات وتوجيههم للتناحر بدلاً من التوافق الوطني، وهو ما حدث بالضبط بمصر، لكن ما زلنا متماسكين وبمنتهى الصعوبة.

 

- الكارثة قديمة وممنهجة أكثر من التخيلات؛ فمعظم مؤسسات المجتمع المدني ليس لها أساس إلا التمويل الأجنبي المغرض؛ لاستهداف التبعية الأمريكية المتشابكة مع المصالح الصهيونية.

 

- لماذا اضطر العسكر لتسفير الأمريكان؟ حدث تهديد بالتدخل العسكري الصهيوني؛ بحجة حماية حدودها مع سيناء، ولاحظنا تصريحات صهيونية للتمهيد لذلك، فضلاً عن امتلاك أمريكا عدة كروت ضد مصر:

أولاً: التحالف الجذري مع الكيان ضد مصر خصوصًا.

 

ثانيًا: السيطرة على دول الخليج التي امتنعت عن دعم مصر ماليًّا؛ بسب الضغوط الأمريكية، بالرغم من الوعود الرسمية.

 

ثالثًا: المعونة العسكرية التي تمثل تعجيزًا لجيشنا؛ من حيث الاحتياج للتسليح والتدريب وقطع الغيار، فضلاً عن استطاعة أمريكا الضغط على أي طرف لمنع إمدادنا بالأسلحة، وبالتالي اعتمادنا على البدائل أو على أنفسنا لا بد له من ترتيبات كثيرة.

 

رابعًا: المنظمات الدولية المسيطرة على العالم, وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومجلس الأمن كلها تصدر تقارير- بناءً على رغبة أمريكا- بضعف الوضع الائتماني المصري؛ ليمتنع العالم عن دعمنا، ولا يمكن أن تتحمَّل مصر مواجهة كل ذلك في فترة انتقالية بعد ثورة شاملة, سيكون ذلك ممكنًا مستقبلاً إن شاء الله.

 

- العسكر تقبلوا الصفقة مع أمريكا, والصفقة في حد ذاتها ليست عيبًا ولا حرامًا، بل هي أمر ضروري في كل التعاملات؛ فلقد عقد الرسول صفقات مع الأعداء والأحباء، لكن لمصلحة مواطنيه وبكل شفافية.

 

ونتيجة الصفقة: تجنب حرب مؤكدة، وتسفير النشطاء لمنع أنشطتهم المعادية، وتغير اللغة الخليجية والعالمية بخصوص الإعلان عن قروض لمصر، لكن لماذا لم يتم شرح ذلك بشفافية للجميع؟! ولماذا لم يتم إضافة شرط الإفراج عن المصريين المسجونين بأمريكا؛ ليس هذا دفاعًا عن العسكر؛ فمقالاتي السابقة عن "الوصاية العسكرية" كافية.

 

أما من يظن أننا في ظروفنا الحالية نستطيع إصدار أحكام وسجن الأمريكان بالفعل فهو واهم؛ لأنه كلام عظيم نتمناه جميعًا، لكن يستحيل تطبيقه على الأرض؛ لأن أمريكا كانت ستتدخل بالقوة المسلحة لمنعه، ولذلك أرسلت طائرتها اقتحامًا بدون إذن؛ لاسترداد مواطنيها لأنها متأكدة من النتيجة، ليس هذا تثبيطًا للهمم، بل هو تقدير للأمور؛ حتى نصل إلى ترتيب البيت الداخلي قبل مواجهة أكبر قوة في العالم.

 

أمريكا لا بد أن تجد نفسها في مواجهة المجتمع والشعب المصري، وليس فقط في مواجهة نظام حكم منتخب، والحقيقة أن ما يستدعي الاستبشار هو تصدي المجتمع بكل قوة لتهديد أمريكا بقطع المعونة.

 

في بداية الثورة وقفت أمريكا مع المخلوع حتى تيقَّنت من سقوطه فرفضته, لكنها توافقت مع العسكر على بقاء نفس محددات النظام البائد, والتأثير الأمريكي هو الأقوى في مصر منذ خلع المخلوع، وسيبقى كذلك ما دام لا يوجد توافق وطني بين القوى السياسية لدعم مطالب الثورة والشعب.

 

والمطلوب أن نتجمع جميعًا "داخليًّا" ضد الاستبداد والفساد لتحقيق مطالب الثورة، وأن نتجمع "خارجيًّا" ضد الكيان الصهيوني وأمريكا.. هناك تلازم وثيق بين "داخليًّا وخارجيًّا".

 

---------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com