أولاً: الالتزام باختيارات الجماعة الفقهية فلا خيرة لي فيها:
يقول الأستاذ جمعة أمين: "إن ما يحكم الجماعة سواء نظامها الداخلي، ولائحتها التنفيذية وأمورها التنفيذية منذ نشأتها ونظرتها للأمور المختلف فيها فقهيًّا، بيَّن الإمام البنا أن هذه الأمور تخص الجماعة دون غيرها؛ لأنه مصالحها المعتبرة وليست من القطعيات يلتزم بها غيرنا شرعًا، ولا يستطيع بوجه أن يخالفها أو يجتهد فيها، ولكن لها وجوهًا فمن خالف الجماعة بوجه فقهي معتبر أو أخذ به فلا إثم عليه، أما مَن هم جنود فيها وبايعوا قادتها فواجب عليهم الالتزام والسمع والطاعة في المنشط والمكره بكل ما تأمر به الجماعة، أو تضع من نظم وإداريات، فإذا اختارت الجماعة نظمًا وقواعد ولوائح تضبط حركتها لتحقيق أهدافها ارتضتها الجماعة وأقرتها، وجب احترامها والعمل بها كنظام الأسر والاختيارات الفقهية التي تراها الجماعة؛ لأنها أصبحت من ثوابتها.
أما المسائل الفقهية التعبدية المختلف فيها، والتي قال فيها الإمام النووي: "المختلف فيها لا إنكار فيه" فإن كانت هذه المسائل فيما يتصل بالعبادات والشعائر الشخصية، فليس للجماعة أن تتدخل فيها، فهذه أمور تعبدية فردية لكل فرد أن يختار ما ترتاح إليه نفسه ويطمئن إليها قلبه، ويقتنع بها عقله من آراء وأحكام المذاهب المعتبرة، ما دام هذا الحكم لا يتصل بحركة الجماعة ولكن بعبادته الفردية.
وعلى هذا فإن الجماعة إذا اختارت وجهًا من الوجوه الفقهية في مسألة من المسائل فليس للفرد أن يخرج عليه إلى رأي فقهي آخر ما دام يتصل بحركتها، فمثلاً إذا اختارت الجماعة الرأي الفقهي الذي يقول:
إن الشورى ملزمة فليس لأي فرد أن يقول: سآخذ بالرأي الآخر الذي يقول إن الشورى معلمة، فتضطرب الأمور ولن يحسم الخلاف أبدًا داخل الجماعة، فيتنازع أفرادها ويفشلون وتذهب ريحهم، وهيهات هيهات أن يجتمعوا على رأي واحد.
يقول الإمام البنا: "ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه ويحتمل وجوهًا عدة وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بسبب الظروف والعرف والعادات، والأصل في العبادات التعبد دون الالتفاف إلى المعاني، وفي العاديات الالتفاف إلى الأسرار والحكم والمقاصد".
أما في الأمور التعبدية الشخصية فيقول ابن تيمية: "إن ما فيه خلاف إن كان الحكم المختلف فيه يخالف سنةً أو إجماعًا وجب الإنكار عليه، وكذلك يجب الإنكار على العامل به، وإن كانت المسألة ليست فيها سنة ولا إجماع، فالاجتهاد فيه مذاهب فإنه لا ينكر على المخالف سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا، وكل مسلم لا يستطيع أن يخالف ذلك فهي الأمور الثابتة شرعًا سواء للفرد أو للجماعة".
ومن المواقف المبدئية وليست التكتيكة الحركية- كما يدعي أعداء الإسلام وأعداء الدعوة والمرجفون بيننا- موقفنا الثابت المبدئي والذي أعلنته الجماعة مثل:
موقفنا من العنف والإرهاب
موقفنا من الأقباط
موقفنا من الشورى
موقفنا من المرأة
ثانيًا: الثقة واحترام القيادة في أيِّ من مواقع المسئولية:
التشكيك في قرارات القادة والمسئولين عن الدعوة من العلامات الكبرى لضعف الانتماء؛ لأن هذا التشكيك دائمًا ما يصاحبه سوء الظن في تفسير الأقوال والأفعال التي تصدر عنهم، فيؤدي في النهاية إلى التباغض والتقاطع والانشقاق؛ ما يؤدي إلى إضعاف الصف والفشل في مواجهة الأعداء.
فلو صدق الانتماء لحسن ظننا بإخواننا وقويت الرابطة بيننا، يقول كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة توبته: لم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك وهو جالس في القوم: "ما فعل كعب بن مالك؟" فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت!! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثقة في قادة الدعوة وقراراتها معلم بارز من معالم الصدق في الانتماء، وضعف الثقة دليل على ضعف في الانتماء للدعوة، إذ لا انتماء لمتشكك في قادته وآرائهم، وعلى قدر هذه الثقة بين القادة والمنتمين تكون وحدة الصف وقوة الدعوة.
وللإمام البنا في مجال الثقة بالقيادة كلمات رائدة، يقول فيها: وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد، في كفاءته وإخلاصه، اطمئنانًا عميقًا ينتج عن الحب والتقدير والاحترام والطاعة (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)) (النساء).
والقائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود، تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها ونجاحها في الوصول إلى غاياتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب (..... فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ....) (محمد).
وللقيادة في دعوة الإخوان:
حق الوالد بالرابطة القلبية
والأستاذ بالفائدة العلمية
والشيخ بالتربية الروحية
والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة
ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا
والثقة بالقيادة، هي كل شيء في نجاح الدعوات
فإذا ضعف الانتماء كثرت المتاعب والصعاب، وفشلت الدعوة في الاتفاق على قرار، واستحال تحقيق أهدافها.
وإذا ضعف الانتماء كان الانجرار وراء حملات التشكيك والاتهامات الباطلة التي يروجها أعداء الدعوة المتربصون بها.
وإذا ضعف الانتماء قل الشعور بالمسئولية لضعف الثقة في القيادة.
وإذا ضعف الانتماء كان التجريح المتعمد في القيادة ومحاولة إفشالها مما يعرقل مسيرتها ويضعف عطاءها.
وإذا ضعف الانتماء لم يتوافر حسن الظن بين القيادة والجنود فيتعكر معين الإخوة والحب الصافي، فيتعطل العمل وتتوقف الدعوة.
فلو صدق الفرد في ثقته بدعوته وقادتها لاستشارهم في قضايا الدعوة والتربية.
ولو صدق الفرد في ثقته بهم لاستجاب لأوامرهم، ولبادر إلى تنفيذ واجبات الدعوة.