* على نواب الشعب أن يجيبوا عن التساؤلات، ويبددوا المخاوف، لكن لا ينشغلوا كثيرًا بما يثيره الكارهون

* هناك نوعان، متخوف يطمئنه التوضيح، وكاره للإسلاميين لا ينفع مع مثله إلا العلاج في مصحات نفسية

* هل يراجع الإخوان موقفهم من الترشح في الانتخابات الرئاسية؟

 

حسم مجلس الشعب الجدل الذي استمر لأسابيع حول تشكيل لجنة إعداد الدستور، وصوت 80% من أعضاء المجلس لاختيار 50 عضوًا باللجنة من بين أعضاء البرلمان، و50 عضوًا من ممثلي الهيئات والمنظمات والنقابات والشخصيات العامة.

 

البعض تخوف من سيطرة الإسلاميين على لجنة المائة، وهو تخوف مشروع بدده الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الأغلبية (الحرية والعدالة) عندما أكد على أن اللجنة ستضم في عضويتها ممثلي مختلف الأحزاب والهيئات والتيارات السياسية والاجتماعية والفكرية، سواء كانت ممثلة في البرلمان أو غير ممثلة.

 

التأكيدات نفسها صدرت عن الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب، والأستاذ حسين إبراهيم زعيم الأغلبية بالمجلس، والمهندس أشرف ثابت وكيل مجلس الشعب عن حزب النور، لكنها لم ترض بعد هؤلاء المتربصين الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في شعبان أو رجب كم يقولون!.

 

وقبل أن يعلن المجلس تشكيل اللجنة- الذي من المقرر أن ينتخب أعضاءها السبت القادم- فإن التشكيك في تشكيلها لم يتوقف، البعض يقول إن الإسلاميين احتلوا اللجنة، والبعض الآخر يقول إن الإسلاميين اختطفوا الدستور!.

 

وأعلم علم اليقين أن هؤلاء وأولئك لا يقولون ما يقتنعون به، بل هي معارضة، أو قل مكايدة لا أكثر ولا أقل، لا لشيء إلا لأن الإرادة الشعبية جاءت بغير ما كانوا يشتهون، وكشفت الجميع أمام أنفسهم، فلم يعد أمامهم غير التشكيك، بعد أن كشفت الصناديق عن حجم كل فصيل..!

 

لكن ما أزعجني حقًّا، وأثار إشفاقي على صاحبه، هو أسلوب البعض في الاعتراض، فبدلاً من المعارضة المنطقية، يصل الأمر إلى حد الاستخفاف، أو قل الإسفاف في النقد، ورفض الإرادة الشعبية، ولو جاءت عبر الآليات الديمقراطية، بل ولو زادت نسبة أصحابها على الثمانين في المائة!.

 

من الشخصيات التي صدمتني مواقفها في الشهور الأخيرة الدكتور إبراهيم درويش أستاذ القانون الدستوري وأحد الفقهاء الذين أسهموا في وضع بعض الدساتير وأحد لجنة العشرة التي شكلها الرئيس المخلوع قبل خلعه بثلاثة أيام لإجراء التعديلات الدستورية على المواد 76 و 77 و88 إلا أن القدر لم يكتب لهذه اللجنة التي شرف الدكتور درويش بعضويته فيها لإجراء الترقيع الدستوري المطلوب؛ حيث خلع مبارك، وخلعت معه اللجنة المذكورة.

 

ونجحت الثورة، وشكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لجنة دستورية برئاسة القاضي الجليل المستشار طارق البشري، ولم يكن شيخنا- درويش- من بين أعضائها.. فانقلبت مواقف الرجل، وبدأنا نلحظ التضارب في أقواله وتصريحاته، إلى حد التوسل للمجلس الأعلى للقوات المسلحة للبقاء في السلطة لسنتين أو ثلاث، خوفًا من مجيء الإسلاميين، وأذكر أننا كنا في مؤتمر الحوار القومي الذي ترأسه الدكتور يحيى الجمل وقتما كان نائبًا لرئيس الوزراء، وحضره ممثلون للقوى السياسية فيما عدا الإخوان المسلمين الذين قاطعوه، كما حضر ممثلو الفلول وترزية القوانين في النظام المخلوع.

 

أذكر أن الدكتور درويش وقف موجهًا كلامه للمجلس العسكري- وكان ممثلاً باللواء ممدوح شاهين عضو المجلس- وتحدث متوسلاً بانفعال، قائلاً للمجلس العسكري الذي قرر إجراء الانتخابات في نوفمبر، وبعد أن أظهرت نتائج الاستفتاء اتجاه بوصلة الإرادة الشعبية، قال للمجلس العسكري: (أنتم مستعجلين ليه؟ ما تقعدوا سنتين.. ثلاثة.. أنتم ها تسيبونا لمين؟)

 

قلت في نفسي: ها يسيبوك لله يا عم إبراهيم!!

وجاءت نتائج الانتخابات البرلمانية ولم تعجب أستاذنا درويش فأوسعها نقدًا وذمًّا؛ لأنه لم يكن مستعدًّا لهذه الانتخابات- حسب رأيه- إلا الإخوان، ونسي الدكتور أن معظم الأحزاب والتيارات كانت تعمل بحرية خلال فترة نظام المخلوع!.

 

ثم جاء قرار مجلس الشعب الخاص باختيار اللجنة مناصفة من بين أعضاء مجلسي الشعب والشورى المنتخبين ومن خارجهم، فراح الدكتور ينتقد القرار رغم اتساقه مع الإعلان الدستوري، وعبر الدكتور عن تخوفه وقلقه خلال لقائه بالزميلة لميس الحديدي مساء الأحد الماضي، عندما سألته:

- هل أنت قلق؟

- فأجاب بقوله: أنا لا أنام!

وأضاف: أنا لا أستطيع النوم إلا بالمهدئات!!

وفي ختام لقائه قال: إن لجنة الدستور بعد أن سيطر عليها الإخوان- حسب زعمه- ستضع دستورًا يعبر عن الإخوان وفكرهم فقط!

 

واختتم الفقيه الدستوري حديثه متهكمًا:

سنرى مواد بالدستور تقول: ادخل برجلك اليمين، ونم على رجلك الشمال!!

هذا نموذج لمن يشككون في كل شيء لا يشاركون في صنعه!

إلا أنني أود- قبل أن أختم- بالإشارة إلى عدة أمور:

أولاً: من واجب نواب الشعب أن يجيبوا عن التساؤلات، ويبددوا المخاوف، إلا أنه لا ينبغي لهم أن ينشغلوا كثيرًا بما يثيره الكارهون.

 

ثانيًا: هناك نوعان من الناس، متخوف يطمئنه التوضيح، وتقنعه الممارسة العملية لنواب الشعب، وكاره للإسلاميين وكل ما يصدر عنهم، ولا ينفع مع مثله إلا قيام الدكتور أكرم الشاعر- رئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب- باستصدار قرارات علاج على نفقة الدولة لمعالجتهم في مصحات نفسية!.

 

وأشك في نجاح العلاج مع أمثال هؤلاء الذين قيل في أمثالهم: .. إلا الحماقة أعيت من يداويها!.

 

ثالثًا: أن الإعلان الدستوري الذي أجريت الانتخابات البرلمانية على أساسه، قد نصَّ على أن من مهام المجلسين (الشعب والشورى) انتخاب أعضاء اللجنة التي ستضع الدستور، من بينهم ومن خارجهم، وأن الشعب الذي اختار نوابه يدرك هذه المهمة قبل الانتخاب.

 

رابعًا: أن المجلس جاء بأصوات 65% من المصريين، ومع ذلك اكتفى بعضوية 50% من اللجنة.

 

خامسًا: على المجلس أن يمضي في إجراءاته، دون تعويق من أصوات عالية في الإعلام، لكن رصيدها في الشارع قد كشفته الصناديق.

 

سادسًا: على النواب- أيضًا- أن يدركوا أن هؤلاء الكارهين لن يتوقفوا عن التشكيك مهما فعلوا لهم، والحل الأمثل معهم هو الاحتكام إلى الشعب، وإلى الآليات الديمقراطية التي صدعوا رءوسنا بها طيلة السنوات الماضية.

 

برقيات سريعة:

- اقتراح مجلس الشعب بجعل الثانوية العامة سنة واحدة بدلاً من سنتين أدخل الفرح على نفوس الأسر المصرية، ولكن في رأيي القرار غير كافٍ، وينبغي أن يسبقه تطوير منظومة التعليم، وتحقيق الكفاية المادية للمدرسين، وتجريم الدروس الخصوصية، وعودة نظام اليوم الدراسي الكامل.

 

- أتمنى أن يراجع الإخوان موقفهم من الانتخابات الرئاسية، بعد اعتذار الشخصيات التي عرضوا عليها الترشح من خارج الإخوان لسبب أو لآخر.

 

لقد استمعت أثناء زيارتي إلى قيادات الأحزاب والتيارات السلفية منذ أيام، وإلى رغبتهم في دفع الإخوان لأحد رموزهم، وأنهم سيقومون بتأييده، حتى لا تتفتت الأصوات، فهل يستجيب الإخوان بالتراجع عن موقفهم استجابة لهذه القيادات؟

 

باختصار: الإخوان لم يطلبوا المنصب ولم يسعوا إليه، لكنهم الآن يُطلب منهم قيادة دفة الأمور، فهل يستجيبون؟

-------------------------

Salah_amc@hotmail.com