كما يتباهى شباب "الإخوان" بالسابقين من أبناء دعوتهم، ويتذاكرون تضحياتهم كي تكون عونًا على اجتياز عقبات الطريق، فإن للقيادة الإخوانية أن تعتز بهؤلاء الشباب الذين يملئون سماءنا حركةً ونشاطًا، وأسئلةً واعتراضًا، وغضبًا حميمًا، وحماسةً دافقةً.
قضية الساعة بالطبع هي "انتخابات الرئاسة"، والحقيقة أنه لولا الشباب لكان الحدث بلا طعم، سواء على المستوى العام أو على مستوى "الجماعة"؛ وذلك لأن أجيال الوسط والقدامى يجدون سهولة في الالتزام مع قرارات "الجماعة"، كما أن تجاربهم قد حسمت لديهم الانحياز لرأي المجموع، لاسيما أن تجربة هذين الجيلين تشكلت في أحضان مناخ عدائي من النظام السابق، لذا كانت الوحدة عندهم "اختيارًا جهاديًّا" يؤكده الوحي النبوي وظروف الواقع.
أما الشباب، فبينما هم في مرحلة بناء أنفسهم إذ جاءتهم الأحداث الجسام وشاركوا فيها، بل قادوا تضحياتها، ثم شاركوا في تأسيس الواقع الجديد بالعرق والدم، ولا يزالون مستمرين بنفس الدأب في تشكيل ملامح وجه مصر الجديدة، ولا شك أن خطوة "الرئاسة" إحدى أهم قسمات هذا "الوجه الجديد".
لقد واجه شباب "الجماعة" أسئلة عديدة في قضية الاختيار، وكان ترشح "الدكتور أبو الفتوح" للرئاسة هو سبب هذه الأسئلة، وثمة سؤالان كبيران يتردد صداهما بكثرة:
أولهما يتمثل في اتهام شباب "الجماعة" بأنهم يفتقدون حرية الاختيار، وأنهم ينتظرون رأي "القيادة" ثم يسيرون وراءها متنازلين عن عقولهم، أي كالقطيع!!.والحقيقة أن الذين يلقون بهذه التهمة في وجوه الشباب يعوزهم الكثير جدًّا من فهم العمل المجتمعي؛ ذلك لأن الذي اختار "الانتماء" لأي جماعة أو حزب فقد قطع خطوة كبرى إلى الأمام، واتخذ قرارًا أكثر استقلاليةً من الذي أحجم عن هذه الخطوة، واكتفى بأن يكون قراره من نفسه ولنفسه، فهذا الأخير لا يحمل هم أحد ولا مسئولية وطن إلا في حدود جهده القاصر، وإلا لو اتسم بميزات متفردة تجعله قامة ينشد نصحها الجميع، أما "المنتمي" فقد اختار (الانغماس) في حمل المسئولية و(الالتزام) بدور محسوب يُساءل عليه أمام جماعته أو حزبه، وبالتالي فلم يعد باحثًا عن الاستمتاع بالحرية الشخصية فحسب, وإنما أصبح مقاتلاً ليعيد للجميع حرياتهم، كما أن ثقافة "وحدة الصف" الإخوانية هي ذاتها التي أنتجت الأمم المتقدمة تحت وصف "العمل ضمن فريق" ""team work, ولا نظن أن عاقلاً يعتبر قرارات الأحزاب الكبرى في العالم المتقدم تخرج بناء على إجماع؛ فهم يتناقشون ويقدمون الرؤى المتعارضة، ثم يختار الحزب رأيًّا واحدًا طبقًا لآليته الديمقراطية الخاصة به، ثم يلتزم بتأييده الجميع، ويناصرونه بمن فيهم من كان معترضًا على هذا الرأي، ولم نسمع أن أعضاء في الحزب الجمهوري، أو الديمقراطي اختاروا أحدًا غير مرشح حزبهم، مهما كانت الملابسات، وكذلك الحال في الدول المتقدمة الأخرى.
وثاني هذه الأسئلة هو: ماذا لو تصادم اختيار "الجماعة" مع ضميرك؟ أو مع مصلحة الوطن؟ أو مع مصلحة المشروع الإسلامي؟
ونقول: إذا تبادر هذا السؤال إلى ذهن أحدنا فليراجع أصل قضية انتمائه "للجماعة"؛ لأنه إذا كان لديه أدنى شك في أن هذه "الجماعة" قد تأسست لنصرة الحق الخالص, وأن بنيانها واختيار أفرادها وانتخاب قياداتها لا يقوم حتمًا إلا على هذا الأساس، فإنه ينبغي أن يتبين طريقه من جديد هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الغالبية العظمى من الشباب لا يعرف عن المرشح أو ذاك إلا أقواله وبعضًا من تاريخه، ولذلك فالقضية لا ينبغي أن تكون متعلقة عندنا (بالضمير) بقدر تعلقها (بالمعرفة)، فلا داعي لخلط الأمور حتى لا نُصعّب على أنفسنا اختياراتنا الحياتية، لا سيما أن هذه الانتخابات ليست الأخيرة، وليست الشوط الختامي لمعركة الحياة.
أضف إلى ذلك أن فهم الناس متعدد في قضية (مصلحة الوطن) و(مصلحة المشروع الإسلامي)، و"الجماعة" لها رؤيتها التي تختلف مع منظور المرشحين الحاليين.
وانظروا إلى بعض الشباب السلفي كيف يموتون حبًّا في "الأستاذ حازم صلاح" لمجرد تصريحاته النارية في قضايا تطبيق الشريعة، وتسرع بعض مشايخهم الكرام فاعتبروا أن دعمه يعد (مناصرة للدين)، وبهذا يرتفع الموضوع من قضية (إحساس بالمسئولية) إلى قضية (ضمير) ثم إلى (نصرة الدين)!، هل ننتظر أن تصبح القضية (حياة أو موتًا)؟!، يحدث هذا رغم أن ما يقوله أ. حازم يثير حزن خبراء كثر على هذا الكلام المرسل الذي يستحيل- عمليًّا- تنفيذه، ويضر بالإسلام من حيث يريد صاحبه النفع، من زاوية تعلق محبيه بأمل التطبيق الفوري للشريعة، فإذا رسب ضاعت آمالهم، وإذا فاز واستحال عليه التنفيذ خاب رجاؤهم، ناهيك عن شماتة الأعداء!.
لقد عاش جيلنا لحظة أشد من هذه، وذلك حين احتل السوفييت "أفغانستان" وخرجنا في الشوارع نطالب الدولة بفتح باب الجهاد، وكذلك ألححنا على المرشد (أ. عمر التلمساني)، وكنا في الثانوي والجامعة، فطلب منا إخواننا أن نمنحهم الفرصة لتنظيم الأمر من كل نواحيه، فكان أن تبوأت "الجماعة" مقدمة من أسس للجهاد وتأليف الفصائل الأفغانية واستقبال المتطوعين من كل أنحاء العالم، وكان دورنا الذي أكرمنا الله به في مصر هو جمع المال ليتمكن المجاهدون من توفير السلاح، ودعم القضية إعلاميًّا وسياسيًّا.
وهكذا انتظم (كل) الإخوان في (كل) البلاد في منظومة جهادية شعرنا بها ونحن نطوف على أبناء الوطن نحشدهم لعون إخوانهم، وكان من النتائج المباركة للانخراط في قضية "تحرير أفغانستان" أن ساهم الدور الإخواني في إحياء قضية الإسلام كلها في نفوس أبناء الإسلام.
فعلى الشباب أن يستعد- فورًا- للإجابة على أسئلة أخرى، تلك التي تتعلق بكيفية إنجاح مرشحنا المتوقع، وكيفية التغلب على مشكلة ضيق الوقت، وكيف نحشد أبناء الوطن بالرغم من اتساع المساحات، وكيف نعطي مرشحنا موقعه الذي يليق بثقة المجتمع فينا، وكيف نقبل تحدي تغيير قناعات الذين استقروا على مرشح آخر, وهكذا، فليبدأ العمل، ولتبدأ الإبداعات الإخوانية المدهشة التي ستقدم شبابنا للعالم في أقوى أمارات النضج والتحدي، وخوض المعارك الصعبة واجتيازها بنجاح.
إن يقينا يملؤنا وأراه مرتسمًا على الوجوه؛ أن الأقدار تعد "الإخوان" ليلعبوا دورًا كبيرًا في إحياء "المشروع الإسلامي" في العالم كله، وبكل ما تعنيه العبارة من معنى، وهذه كلمة للإخوان الثابتين على منهجهم، وهي أيضًا لأحبابنا الذين تركونا، لكي يعيدوا التفكير ويعودوا للانتظام والمشاركة، وتوحيد الجهود مهما كان سبب المفارقة.
وهي من قبل كلمة إلى الذين يجعلون طعم حياتنا حلوًا، شبابنا.
---------------------------