نحن في أشد الحاجة في هذه الأيام إلى تحمل المسئولية، كل في مكانه وفي موقعه؛ من أجل مواجهة بقايا النظام البائد، وإقرار مطالب الثورة المجيدة، والانتقال من عنق الزجاجة، لمرحلة بناء الوطن ونهضته بعيدًا عن معارك طواحين الهواء.
نقول هذا ونحن نترقب مواقف غير مسئولة من حركات وقوى وطنية وثورية وأفراد ومؤسسات شاركت في تحمل عبء قيادة فعاليات إسقاط نظام حسني مبارك مع الشعب، إزاء محطتين مهمتين في حاضر الوطن ومستقبله، وهما: وضع الدستور واختيار الرئيس.
هذه المواقف أبشع ما فيها أنها ما زالت تعتقد أن الشعب خارج المعادلة، على الرغم من أنه هو من أوجد المعادلة البديعة الفريدة في ميدان التحرير برعاية من المولى عزَّ وجلَّ، وكتب مستقبل وطنه بدماء ذكية، ونفوس أبية.
إن الإصرار على إخراج الشعب من معادلات الأفكار والقرارات تجربة ثبت فشلها، ودفعت بمبارك وأعوانه خلف الأسوار، وأكد الشعب فشلها في الاستفتاء وانتخاب مجلس الشعب والشورى، وبالتالي فاستمرار انتزاع الحق من أصحابه سيرتد إلى صدور عشاق الجدل وتضيع وقت الوطن.
والمشكلة هاهنا مثلاً ليس في حرية التعبير التي دفعنا في سبيل إقرارها ضرائب نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتقبلها، ولكن في العدوان كل مرة على قرار الشعب وتوجهاته، وكأن الشعب تلميذ في مدرسة النخبة الخربة، بالرغم من أنه المعلم والقائد والملهم.
إحدى المانشيتات الصحفية الخبيثة جسدت هذا عندما قالت عقب اختيار شكل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور: "النصف للبرلمان والنصف للشعب"، وكأن البرلمان الذي اختاره غير الشعب، وهو نفس ما يتكرر في أمر تشكيل الحكومة وفي معركة الرئاسة.
لا أجد مبررًا صادقًا في إشعال المعارك النخبوية الفارغة من المضمون والمعنى وحزبية المقاصد، مع كل محطة يتجه إليها الشعب لحسمها عبر طُرق ديمقراطية ونزيهة، وكل ما أجده رغبة في بقاء نظام مبارك شكلاً وموضوعًا لا تستطيع أن تتنازل عن كبتها وفشلها في النزول إلى الشارع والالتحام به سوى بالنقم على الشعب واختياراته.
إن إشعال هذه المعارك تفرغ الطاقات بعيدًا عن مواجهة أذناب المخلوع الذين عاثوا في مصر فسادًا مجددًا خلال صراع الإخوة الثوريين، فأشعلوا الأسعار مجددًا ومنعوا الوقود عن غزة، وتركوا سوريا وحدها تُذبح، بل ويريدون أن يرشحوا بكل وقاحة صاحب "البلوفر" وتابعه "المحروق" على منصب الرئاسة، ليعفوا عن نزلاء طره بينما قوى الثورة مشغولة بما هو أدنى.
إن الشعب سينتصر لثورته، وستستمر انتخابات الرئاسة على الوجه الذي يرضي الشهداء، وسيوضع دستور يعبِّر عن الثورة، طالما ارتفع شركاء الثورة إلى مستوى الحدث والمسئولية، والله غالب على أمره وناصر الثوار ولو بعد حين.