عندما وقف "ونستون تشرشل" يوجِّه خطابه إلى الشعب البريطاني في بداية الحرب العالمية الثانية، في أعقاب الغارة المكثفة التي شنَّها الطيران الألماني على لندن؛ مستهدفًا إلحاق أكبر قدر من الخسائر البشرية والدمار للمناطق السكنية، وذلك لإرغام بريطانيا على التسليم، قال تشرشل في خطابه: "إننا- أي الشعب البريطاني- أصبحنا أشبه بسلحفاة فقدت درعها الذي يغطيها ويحميها، وعلينا الآن الصمود لإعادة بناء وتكوين هذه الدرع؛ حتى نستطيع رد العدوان ثم الانتصار عليه".
وهذا من وجهة نظري باختصار ما آلت إليه الحالة المصرية بعد ثلاثين عامًا كارثية، حتى فقدنا كرامتنا وعزتنا وقوتنا الاقتصادية والفكرية والعسكرية وتهلهلت روابطنا الاجتماعية، ثم جاءت الطامة الكبرى التي كشفت ورقة التوت الأخيرة بعد أزمة "تهريب" الأمريكان العاملين في مؤسسات المجتمع المدني، والذين صدر بحقهم قرار من النيابة المصرية بمنعهم من السفر، ثم رضخت السياسة المصرية في استسلام واضح، وذلة وتبعية عجيبة لكل طلبات الولايات المتحدة وأفرجت عنهم؛ وهو ما جعل مصر تبدو في صورة الخاضع للسياسة الأمريكية، وجعلتها تدور معها حيث دارت، فلا كرامة في عيش، ولا استقلالية في قرار.. مما يؤكد أننا في حاجة حقيقية إلى عملية إعادة تأسيس وبناء وتكوين لكلِّ مؤسساتنا الوطنية.
الأمريكان- أيضًا- صوروا أنفسهم أنهم سادة العالم والقوة التي لا تُضاهى، وأنهم أكثر تفوقًا في السلاح والتكنولوجيا ورءوس الأموال، وأن ذراعهم يمكن أن تطال أي أحد في أي مكان، وأنهم الآمرون الناهون في المنطقة، وليس أدل على ذلك من تحكم الإدارة الأمريكية في بعض الدول العربية- كما يتردد مؤخرًا- ومنعها من إخراج المساعدات المالية التي قررتها في وقت سابق لإنقاذ مصر من عثرتها الاقتصادية، بهدف تمزيق الكيان الكبير والشقيقة الكبرى وأم الدنيا بأيدي أبناء عروبتنا، وبإيعاز من الإدارة الأمريكية.
نستطيع أن نتفهم كل ما سبق عندما كانت شرعية النظام المخلوع لا تستند إلى انتخابات حرة تساندها أو نظم ديمقراطية سليمة ترعاها، ولذلك كان يجد في المساندة الأمريكية تعويضًا عما ينقصه من شرعية دستورية في الداخل، ولكن بعد رحيل نظام مبارك وقيام الثورة المصرية المجيدة أصبحت "حالة الانبطاح" غير مبررة، خاصة بعد أن تشكل البرلمان المصري بغرفتيه بعد أفضل انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة في تاريخ مصر كله، وهو ما يجعلنا نؤكد أنه لا يوجد سبب معقول أو مقبول لهذا الرضوخ المهين ولهذه المذلة الكبيرة.
ومن هنا أقول إن المجلس العسكري يتحمل جزءًا كبيرًا مما يحدث على أرض مصر، فقد أثبت العسكريون أنهم لا يجيدون فنَّ التفاوض مع الأمريكي، وسرعان ما يرضخون لشروطه وإملاءاته، وقد تبدى ذلك واضحًا في أزمة الأمريكيين "المهرَّبين" مؤخرًا، والتي قد تلحق بالعسكريين تهمًا خطيرة إن قادت التحقيقات التي تجري الآن إلى أن هذه المنظمات تحيط بها شبهات تصل إلى حدِّ التجسس وتخريب البلد، خاصة بعدما تم كشفه من خرائط تقسيم مصر التي وُجدت في مقر إحدى هذه المنظمات، وكذلك بعد أن انتقلت القضية من أيدي القضاء إلى ساحات السياسة بمصافحات الأيدي والحوارات المتبادلة والابتسامات المصطنعة والصور التذكارية!.
الأسئلة التي ما زالت تطرح نفسها وبقوة حتى هذه اللحظة هي لماذا لم يتخذ المجلس العسكري قرارًا أو يوعز إلى الخارجية بسحب سفيرنا في واشنطن مثلاً اعتراضًا على التدخل الأمريكي السافر في شئون القضاء المصري والسياسة المصرية بوجه عام؟ ولماذا لم يتم استدعاء السفيرة الأمريكية في مصر لتحذيرها من انتهاك إدارتها للسيادة المصرية؟ وعلى أي أساس تم تشكيل هيئة قضائية أخرى لتصدر أحكامها في ساعة من نهار، وتغلق القضية ويسافر المتهمون الأمريكان، وهم يلوحون بعلامات النصر؟ هل لا يزال المجلس العسكري يرى- كما النظام السابق- أن مصلحة البلد في التحالف مع قوى الخارج على حساب الشعب المصري كله؟ وإذا كان ذلك كذلك فمتى يدرك المجلس العسكري أن التحالف مع الشعب ضد قوى الخارج أوْلى وأبقى من التحالف مع الخارج ضد الشعب ومصالحه وطموحاته وأحلامه؟.
وبكل صراحة فإن المجلس العسكري وضع نفسه في ورطة كبيرة، ولم يتعلم من النموذج الفيتنامي الذي كتب عنه هنري كيسنجر في مذكراته بصفته ممثلاً عن الجانب الأمريكي في عملية التفاوض، يقول كيسنجر: "بالإضافة إلى تعلقهم الشديد ببلادهم كان لدى الفيتناميين الشماليين ثقة بأنفسهم لا تُضاهى، واحتقار لكل ما هو غريب عن بيئتهم، إن زعماء هانوي أظهروا أنهم لم يتخلوا بعد عن عناد قاسينا مرارته منذ سنوات".
ولقد رأى كيسنجر بوضوح أن لديهم- أي الفيتناميين- شروطًا محددة لم تتغير رغم مرور السنين وتغير الأشخاص، فكتب يقول: "لم يُنقصوا من طلباتهم حرفًا واحدًا أثناء المفاوضات، وكانت شروطهم أنه يجب على أمريكا أن تنسحب دون قيد أو شرط من الهند الصينية، كما يجب إسقاط الحكومات المتحالفة معها في هذا البلد".
وما ينبغي التنبيه عليه والتحذير منه أن عواقب هذا التدخل الأمريكي المقيت ستكون كبيرة ووخيمة، فالشعب المصري اليوم غير الشعب المصري بالأمس، وهو لا يزال يعيش في نشوة المنتصر على الذل والتبعية والخوف طوال الثلاثين عامًا اللامباركية، وهو أبدًا لن يرضى بمن يحاول إذلاله أو تركيعه أو الحد من حريته وتقييد استقلاله، وهذه الأفعال قد تدفع الشعب المصري إلى القيام بثورة أخرى في البلاد أشد قوة، وتركيزًا في توصيل رسالتها إلى الأمريكان ومن معهم، ولا أستبعد مطلقًا أن تكون مركزية الثورة القادمة أو جزء منها على الأقل أمام السفارة الأمريكية، وحدِّث ولا حرج عما يمكن أن يحدث هناك كما حدث عند السفارة الصهيونية من قبل وربما أشد.
أضف إلى ذلك أن تشكيلة العقل المصري في معظمها متدينة، وأن الأكثرية من شعب مصر يدينون بالإسلام، وأن دستور الدولة السابق والحالي والقادم ينص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، ولا تجد في قاموس هذه الشريعة مفردات للانبطاح للآخر أو الاستسلام والتبعية له، أو تقديم شيء من التنازلات على حساب هذه الشريعة وتلك العقيدة، بل إنك تجد في الثقافة الإسلامية عمومًا نهي عن الجبن والخوف والذلة والمسكنة لغير الله، يقول تعالى: (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) (المائدة: من الآية 3)، (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (التوبة: من الآية 13)، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: من الآية 8)، (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (139)) (النساء).
والشاعر العربي يقول:
إِذَا أَظْمَـأَتْـكَ أَكُـفُّ اللِّـئَـامِ كَفَتْـكَ الْقَنَاعَـةُ شِبْعًـا وَرِيَّـا
فَكُنْ رَجُلاً رِجْـلُـهُ فِـي الثَّـرَى وَهَـامَةُ هِمَّـتِـهِ فِي الثُّرَيَّـا
أَبِـيًّـا لِـنَـائِـلِ ذِي ثَــرْوَةٍ تَرَاهُ بِمَـا فِـي يَـدَيْـهِ أَبِيَّـا
فَـإِنَّ إِرَاقَــةَ مَـاءِ الحَـيَاةِ دُونَ إِرَاقَــةِ مَـاءِ الْـمُـحَـيَّا
والشعب المصري بعد الثورة يمكن أن يقبل الموت في عزة وكرامة، ولكنه أبدًا لن يقبل أن يُذل أو يهان... فهل يفهم المجلس العسكري ذلك؟.
-------------------
كاتب صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصرية.