برغم ما يقوم به العلماء المخلصون من جهد، وما تقدمه الفضائيات الراشدة من تنوير وتبصير، فإنني أشعر أن الأمة تحتاج من الدعاة الموهوبين، والعلماء العاملين والقادة المخلصين إلى ما هو أكثر من ذلك وأعظم؛ لأن الخطب جسيم والخطر عظيم، ولأن الأمة تعاني- اليوم- نوعًا من الغياب والاستلاب، جعلها في حالة شلل عقلي، عجزت به عن توصيف حالها، وتشخيص دائها، وهذا أمر تعب فيه شياطينه وأنفقوا فيه المال الجزيل، والوقت الطويل، حتى اطمأنوا إلى ثمرة جهدهم، ونجاح خططهم، عندما رأوا أمة تعددت مصادرها، واختلفت مشاربها، وتنوعت ولاءاتها، وتحولت فرقًا ومزقًا (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (المؤمنون)، إن أبناء هذا الجيل معذورون إذا كانوا قد ولدوا فلم يروا ولم يسمعوا إلا الثناء على النموذج الغربي والإعلاء من شأن ثقافته والاحتفاء الزائد برموزه ومثقفيه، في الوقت الذي غابت فيه عن الساحة الثقافية رموز الأصالة العربية والإسلامية، الذين يمثلون القدوة والمثل ويبعثون في قلوب شباب الأمة روح العزة والإباء. ولك أن تتصور طبيعة ما يتكون في ذهن الطفل ومخيلته وما يستقر في قلبه ووجدانه عندما يذهب إلى المدرسة في سن الحضانة في بداية تفتحه على الحياة، فيرى معلمته في لباسها الغربي الذي يشف ويصف ويبرز مفاتنها، وتتعود عينه على هذا النموذج منذ بداية تفتحه، هل تراه يأنف من هذا الزى إذا كبر وصار شابًّا أم أن العكس هو الذي سيكون؟ عندما يواجه بعد ذلك بسيدة تستر جسدها وتدني جلبابها وتصون حياءها.

 

فإذا أضفنا إلى حاسة البصر ما يسمعه من معلمته الأولى من احتفاء باللغة الإنجليزية وإصرار على التحدث بها، فهو إن أقبل سمع منها "هالو" وإن أدبر سمع منها "باي" وإن أحسن سمع منها "برافو" وإن أتقن عملاً سمع منها "سنكيو" وإذا نظر إلى وجهها رآها تحمل شهادة زور تتمثل فيما تضعه على وجهها من ألوان تزور بها واقعها وتقدم للناس واقعًا زائفًا، وهي تعلم أنها تمارس التزوير، وإذا نظر إلى رأسها رأى شعرًا مستعارًا لم ينبت من رأسها ولم يزرع في أرضها، ولا يربطه بهذه الرأس إلا رابطة الكذب والزور، فإذا نظر إلى أظافرها رأى اللون الأحمر يبلل تلك الأظافر كأنما فرغت لساعتها من تمزيق فريستها وهذه آثار الدماء.

 

فهل أدركنا حجم الجناية التي نجنيها على أبنائنا عندما نضعهم في تلك المحاضن, ونأمن عليهم هذه النماذج من المعلمات، ونزاحم لغة القرآن التي بها يتحدثون وعليها ينشئون وعن طريقها يقرأون القرآن ويتواصلون مع الآباء والأجداد، ويتلقون سير العظماء ومواقف العلماء وينفعلون بها مع قصائد الشعراء.

 

وإذا كان هذا حال كثير من أطفالنا فهل نلوم الطفل إذا كبر ضعيف الولاء عديم الانتماء؟ وهل يحق لنا أن نصاب بالدهشة إذا رأيناه يقصر في واجبات دينه ولا يبالي بحقوق خالقه ولا بأسرار وطنه وهو الذي نشأ على لغة عدوه، وعلى تقديس سارقيه وقاتليه, وهل يحق لنا أن نكيل له الذم ونكثر له اللوم إن رأيناه يهزأ بالحجاب، وينفر من ربات العفاف والكمال وينعتها بأرذل الخصال؟!!

 

وماذا ترجون من فتية حرموا في مراحل التكوين الأولى من رؤية مظاهر الإسلام سلوكًا يمارس، وشعائر تؤدى، وواقعًا يعاش، إذا علمنا أن هيئة الأبنية المدرسية لم تعد تأخذ في اعتبارها بناء المسجد ضمن مرافق المدرسة الأساسية، فأصبحنا نرى بناءً شامخًا يضم طوابق متعددة، وتدرس فيه مناهج متنوعة وأنشطة متباينة, لكنه بغياب المسجد يكون قد حرم الروح، فكأنما بناء المدرسة كيان إنسان، متين البنيان، مكتمل العضلات, لكنه منعدم الضمير والوجدان.

 

فإذا أضفنا إلى ذلك تأخير حصة الدين إلى آخر اليوم وإنزالها في آخر الأولويات، واعتبارها وقتًا احتياطيًّا ليأخذ فيها المدرس المضطر ما شاء لكي يعوض تأخيره في مادة من المواد الأساسية التي تضاف درجاتها إلى المجموع، ويتوقف عليها مصير الطالب في دخول الكلية التي يريد، فإننا نستطيع أن نتنبأ بمصير هذا الجيل إن استمر على هذه الحال، وإذا كنا لا ندرك أبعاد المأساة في إبعاد عنصر الدين عن مراحل التكوين الأولى للإنسان، فإن أعداء الأمة كانوا على وعي دقيق بأبعاد هذه القضية منذ استقرت خطتهم على اختيار الغزو الفكري وسيلة أكيدة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالغزو العسكري, وسأكشف لك أخي القارئ طبيعة هذا التخطيط بلسان أصحابه ومدبريه، فمنذ بدايات القرن الماضي ظهرت في مصر دعوات تدعو إلى السخرية من الأديان وضرورة التحرر من عبودية التقليد- كما يزعمون- ويعتبرون الإيمان بالغيب نوعًا من الأوهام متذرعين في ذلك بأن العلم الصحيح هو الذي تدركه الحواس ويقع تحت سلطان العقل، ويعتبرون كل ما دون ذلك نوعًا من الضلالات والأوهام، وهذا نموذج من كتابات الصحافة في ظل الاستعمار الإنجليزي الذي حرص بقوة على إعداد جيل خاوٍ من العقيدة، خالٍ من الإيمان، مستعينًا بأذنابه الذين وجدوا في ظل الحماية والرعاية وأمكنهم أن ينفثوا سمومهم وأن يحققوا أغراضهم بتدمير الإسلام وإبادة أهله، ففي مقال الافتتاح للكاتب (إميل زيدان) شقيق الكاتب المشهور (جورجي زيدان) صحاب مجلة (الهلال) كتب يقول: (إن الناس واهمون حين يتخيلون أنهم أحرار في تفكيرهم، فهم يخضعون عن وعي أحيانًا وعن غير وعي في كثير من الأحيان لقيود ثلاثة وهي: قيود الوراثة وقيود البيئة بكل ما فيها من عقائد وعادات ونظم وقوانين وقيود النفس بما فيها من ميول وعواطف وما لها من مصالح، ويبني الكاتب على ذلك أننا لا نفكر لنصل إلى رأي أو عقيدة ولكننا في الواقع نعتقد أولاً ثم نحاول بتفكيرنا أن نبرر هذه العقائد، ولهذا فهو يدعو الناس إلى أن يحرروا أنفسهم ثم يعتقدوا، ثم يختم مقاله بهذه العبارة المدمرة فيقول (حرر فكرك واتبعه حيثما يذهب بك) (1)، فهل هناك فرق أخي القارئ بين جملته الأخيرة وبين قول الحق تبارك وتعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)) (الجاثية).

 

ولك أن تتصور كيف يكون حال الشباب الذين يخاطبون بهذا السم الزعاف دون رصيد من الوازع الديني الذي ينهض مدافعًا وممانعًا أمام تلك الشبهات التي كانت تحاك بعناية، وتعرض عن علم ودراية، ثم تقارن بين هذه الفئة المظلومة المقهورة وبين جيل الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم أدعوك أن تقرأ قول الحق سبحانه وتعالى (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)) (الأعراف)، إن الفرق بين ما كان يقدم لشباب الأمة وناشئتها من علم نافع وإيمان راسخ وعقيدة صادقة ويقين عميق، وبين ما يقدم على موائد الغرب وأذنابه من شهوات ماجنة وشبهات قاتلة وأفكار مسمومة وثقافات مرذولة، هو نفس الفرق بين الجيل الذي فتح الدنيا وعلم البشرية وصنع الحضارة ومنح الإنسانية المعنى الحقيقي للحياة، وبين الجيل الذي يعيش لشهواته، ويسعى لإرضاء نزواته وقد تسلط عليه سلطان الجشع والحرص، فكأن به مسًّا من الجنون فهو يلتهم الدنيا التهامًا، فهو كشارب ماء البحر كلما ازداد منه شربًا ازداد عطشًا، وهذه هي الحال التي أشار إليها الخالق سبحانه وتعالى بقوله (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)) (طه).

 

إن الحياة بغير دين جحيم لا يطاق, ولك أن تتصور حياة إنسان بغير دين كيف يجد الإجابة الشافية إذا سأل نفسه من أين جاء ولماذا جاء؟ وإلى أين يمضي؟ وما مصيره الذي ينتهي إليه، وهل بعد هذه الحياة حياة أخرى؟ وما هو وصفها إذا كانت، وهل لهذه الحياة الآخرة تعليمات وإرشادات؟

 

وما الطرق والأسس التي إذا سار الإنسان عليها كانت حياته الآخرة راضية مرضية؟

 

وما مصدر هذه الطرق؟ وما الطريق المثلى للوصول بعد الموت إلى نعيم لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع؟

 

ومن أين تستفاد هذه الطريق؟

 

وهذه كلها أسئلة تلح على عقل الإنسان ووجدانه، فلا يهدأ له بال ولا يقر له قرار حتى يجد الجواب الشافي عليها.

 

إن العقيدة في الله هي التي تمنح الإنسان حريته، وتضمن له استقلاله واستعلاءه أمام سلطان اللذائذ وسيطرة الآلات، كما تضمن له حالة من الاسترواح النفسي والثقة الروحية والاطمئنان العميق، وهذه كلها ضرورات روحية لا يستطيع الإنسان أن ينفك عنها في أية لحظة من اللحظات.

 

فهل تدرك مؤسسات التربية في بلادنا قداسة المسئولية وعظم الأمانة، ويستشعرون رهبة الموقف العظيم بين يدي الله عندما ما يسألهم عن دورهم في صيانة العقول وحراسة القلوب وتهذيب النفوس، وأن يعلموا أن دور المربي يشبه دور الكهربائي الذي يصل تيار الروح الوحي إلى تيار الروح النفس فيستنير هذا الكيان الرباني بنور الله، وأن يدرك المسئولون تمام الإدراك بأن الروح الوحي لن يصل إلى الروح النفس إلا من خلال وسيط يتمثل بتلك الروح وتحسين توصيلها ولن يتأتى هذا إلا بمعلم يحسن التلقي عن ربه بصدق وحب ويحسن الأداء لأبنائه بحب ويشعر وهو يؤدي هذا الواجب أنه قائم بين يدي ربه في محراب صلاة، وتلك هي الأجواء التي تتلاءم مع روح الثورة المصرية والتي لن تسمح تلك الثورة بغيرها، بعد أن شهد العالم أجمع أنها ثورة ارتبطت بيوم الجمعة وانطلقت من المساجد واشتاق أبناؤها للشهادة في سبيل الله مستشعرين المعنى الحقيقي لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)) (العنكبوت).

 

--------------------------------

1- الاتجاهات الوطنية في الأدب المصري، د. محمد محمد حسين, جـ2, ص 292, مؤسسة الرسالة.