غريبة هي ردة الفعل الإماراتية الرسمية على تصريحات إعلامية للدكتور يوسف القرضاوي بشأن ترحيل عدد من الأسر السورية من دبي، وتصريحات أخرى للمتحدث الإعلامي باسم الإخوان الدكتور محمود غزلان دفاعًا عن موقف القرضاوي.
وجه الغرابة أن حكام الإمارات عُرف عنهم الهدوء والحكمة التي زرعها فيهم مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، والذي كان يلقَّب بحكيم العرب، والذي قدم مبادرةً لتوفير ملجأ سياسي آمن لصدام حسين وأسرته كانت كفيلةً- حال قبولها- بتجنيب العراق الاحتلال والتفكك والمؤامرات التي لا يزال يعيشها حتى اليوم.
كانت الإمارات دومًا تتبنَّى المواقف الهادئة واللغة المتسامحة حتى مع منتقديها، لكن بعض قادتها حادوا عن هذا النهج مؤخرًا، وصدرت منهم ردود فعل عصبية لا قبل للإمارات بتبعاتها، ولنتذكر مثلاً الهجوم الإعلامي لأحد كبار مشايخها قبل ثلاث سنوات تقريبًا على تنظيم القاعدة خلال زيارتة للأردن، رغم أن القاعدة لم تكن تضع الإمارات على جدول أعمالها، بل الذي يضع الإمارات على جدول أعماله هو الموساد الصهيوني؛ الذي كانت له أكثر من عملية على أرض الإمارات؛ أشهرها قتل محمود المبحوح القيادي في حركة حماس في أحد فنادق دبي.
وخروجًا على الحكمة الإماراتية المعهودة جاءت تهديدات ضاحي خلفان، القائد العام لشرطة دبي، باعتقال الشيخ القرضاوي بسبب تصريحاته عن ترحيل الأسر السورية التي تظاهرت أمام سفارة الأسد في دبي؛ إذ ليس من المتصور فعلاً أن تقدِم الإمارات على هذه الخطوة؛ نظرًا للشعبية الجارفة للشيخ في عموم العالمين العربي والإسلامي ولمكانته العلمية والعالمية، ونظرًا لما قد يجرُّه ذلك من ردود أفعال غاضبة ضد الدولة الهادئة، وهذا بالضبط ما حذَّر منه الدكتور محمود غزلان، وكانت كلماته بمثابة نصح راشد لتجنب تلك العواقب.
عصبية الفريق خلفان لم تقتصر على الشيخ القرضاوي، ولا حتى الداعية طارق سويدان؛ الذي هدَّد بمقاضاته أمام المحاكم الكويتية؛ بسبب دفاعه عن شيخه، بل تجاوزتها للطعن في أكبر جماعة إسلامية في العالم وهي جماعة الإخوان المسلمين، التي أصبحت تقود قاطرة السياسة في دول الربيع العربي، وكذا بعض الأقطار العربية الأخرى، فراح يتهم الجماعة بالعمالة لأمريكا!!، وراح- عبر صفحته الرسمية على "تويتر" يقذف الإخوان بأبشع التهم من عيّنة: "إن جماعة الإخوان "فسدة" و"ليسوا من الدين في شيء"، وأنهم يمثلون خطرًا على أمن واستقرار الخليج، وأنهم وراء تنظيم القاعدة وأنهم الجنود السريون لأمريكا؛ الذين ينفذون مخطط الفوضى"، وتكشف الجملة الأخيرة بالذات نظرة خلفان للثورات العربية باعتبارها فوضى!!!!!!.
كان المأمول أن يتدخل حكماء الإمارات لوقف عنتريات خلفان، وكثيرًا ما فعلوها من قبل مع الرجل ذاته؛ الذي يسمح له دون غيره في الإمارات بطرح أفكار ورؤى متنوعه لا تنسجم في أحيان كثيرة مع السياسات الرسمية، مثل تصريحاته الأخيرة أنه سيبادر لإبلاغ "إسرائيل" بأي معلومة أمنية تضرها، لكن ما حدث هو مجاراة، بل ربما مزايدة على موقف خلفان، حين طلب وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد بن زايد من مصر توضيحًا لتصريحات الدكتور غزلان، ناسيًا أن مصر الثورة أصبحت دولة ديمقراطية، وأن من حق كل تيار أو فصيل فيها أن يعبِّر عن مواقفه دون أن يعني ذلك أن هذه المواقف تعكس الموقف الرسمي للدولة.
لم يقف التصعيد عند حدود طلب إيضاحات رسمية من مصر، بل تم الزج بمجلس التعاون الخليجي في الموضوع؛ إذ وصف الأمين العام للمجلس الدكتور عبد اللطيف الزياني تصريحات الدكتور غزلان بالغوغائية، معتبرًا أن ما يمس دولة الإمارات يمس دول مجلس التعاون جميعًا، وكأن الإمارات تتعرض- لا سمح الله- لغزو خارجي، رغم أن الإخوان حريصون جدًّا على علاقات طيبة مع الشعب الإماراتي الشقيق وسائر الشعوب الخليجية؛ نظرًا لما قدمته من عون مادي لمصر في ظروف صعبة، ونظرًا لوجود أعداد كبيرة من الإخوان في تلك الدول، سواء من مواطنيها أو العاملين على أرضها.
وفي مقابل التهديدات العنترية لخلفان أعلن الدكتور غزلان أن الإخوان على استعداد لفتح حوار "مع إخواننا في أي مكان يرونه، في كل الموضوعات التي تشغلهم؛ من أجل طمأنتهم وسلامة صدورهم"، وهذا موقف ينتظر من يتعامل معه بعقلانية في الإمارات بعيدًا عن خرف الكبار وتهوُّر الصغار؛ لأن استمرار التصعيد في المواقف ليس في مصلحة أحد، بل هو في مصلحة أعداء يتربَّصون بأمتنا، وفي مصلحة جزار يواصل قتل شعبه ليل نهار، مستخدمًا كل مخزون سلاحه الذي لم يصوبه يومًا منذ تولّى السلطة تجاه محتل الجولان.
وحسنًا فعل مجلس الأمة الكويتي؛ الذي رفض طلبًا للنائب الشيعي فيصل الدويسان بتخصيص ساعة من جلسة اليوم الخميس لمناقشة تصريحات الدكتورغزلان والدكتور طارق سويدان بشأن الإمارات؛ ذلك أن هذا النائب- ومعه زميله عبد الحميد دشتي- يريدان صبَّ الزيت على النار، والوقيعة بين الإخوان والشعوب الخليجية؛ دعمًا لنظام بشار حليف إيران الإستراتيجي، بعد أن رفض هذان النائبان وعدد آخر من النواب في المجلس ذاته الإجراءات والقرارات التي اتخذها مجلس الأمة لتأييد الثورة السورية، ودعم الجيش السوري الحر، وتقديم الإغاثة العاجلة للشعب السوري المنكوب.
لا الإمارات ستعتقل الشيخ القرضاوي، ولا الإخوان سيغزون الإمارات، ولا افتعال الأزمات سينجح في حرف الأنظار عن مجازر بشار، ولا نيران الأسد ستوقف الثورة الشعبية بعد أن روتها دماء طاهرة تخضب جلَّ الأراضي السورية، وكل المطلوب أن تتوحَّد الجهود لوقف شلالات الدماء، وإنهاء حكم السفاح، ويومئذ يفرح السوريون بنصر الله.