لمَّا أوصَى الرسولُ صلى الله عليه وسلم المسلمين بهذه الوَصِيَّة الطيِّبَة المبَارَكة، حين قالها لكلّ من معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما حينما بعثهما لدعوة أهل اليمن للإسلام، أراد أن يسعدهما ويسعدهم ويسعد الناس والكون جميعًا بها لقد أوصاهما بقوله: "يَسِّرا ولا تعَسَّرا وبَشِّرا ولا تنفرِّا وتطاوَعَا ولا تختلفا" (رواه البخاري ومسلم).. قال الإمام النووي في "شرح مسلم": "... غالِب المصالح لا يتمّ إلا بالاتفاق، ومتى حصل الاختلاف فات..".

 

إنها وصية تعني التحاور والتقارُب والتفاهم والتساهل والتفاؤل والتسامح والتغافل والتغاضِي والتغافر ونحو ذلك من الأخلاق الإسلامية الحَسَنة المُريحة المُسعدة التي تُحقق أكمل التجانس والانصهار والحب والتعاون والسَّلاسَة والأمل والإيجابيَّة بين الجميع، والتي ستحقق تبعًا لذلك كمال الراحة والسعادة على حسب تمام درجة التطاوُع التي حققوها فيما بينهم.

 

فكلّ فردٍ يقترب من جانبه خطوة ًلأخيه الإنسان، فيتنازل قليلاً عمَّا يظنه الأمثل أو الأقرب للصواب، خاصة وأنَّ أحدًا- غير علامَّ الغيوب- لا يعلم المستقبل وأين الخير التامّ والسعادة الكاملة، وقد يكونا في رأي أخيه والذي يَحتمل هو أيضًا الصواب بنسبة كبيرة.

 

ثم ليتعاون الجميع في مساحات الاتفاق بينهم والتي هي على أرض الواقع أكثر كثيرًا من مساحات الاختلاف، وليجتهدوا في البحث والتنقيب عنها، فإنَّ ذلك سيوّفر عليهم الأوقات والجهود والإمكانات، بل وسيُجنبّهم أيّ خلافات أو صراعات في مهدها لو حدثت، مع سرعة التقارُب ما استطاعوا فيما يختلفون فيه، وترتيب أولويّات آرائهم بصدقٍ لمصلحة الجميع، والبَدء بالتخطيط والتنفيذ بشفافية فيما يظنونه الأنسب والأقرب للصواب والصلاح للكلّ فإن ظهَرَ خيره، فبها ونِعمت، وليستمروا في التجويد والتحسين فيه والانطلاق للأمام في الهناء والسعادة.. وإن تبيَّن مُجَانبته لِمَا يُسْتَهْدَف، فليأخذوا بالرأي الذي يليه.

 

فلعله هو الأنسب للوقت وللحال وهو الأجْوَد والأصْوَب خاصةً أنَّ كل آراء أهل الخير والصلاح ستكون حتمًا في إطار الحلال، أي الأخلاق، أي فيما يُفيد ويَنفع ويُسعِد، وسيكون التعدّد بينها هو بين الأحْسَن والحَسَن والأجود والجيد والأصوب والصواب والأنسب والمناسب والأسْعَد والسعيد، وليس أبدًا بين الصواب والخطأ أو النفع والضرر أو الخير والشر.

 

إنه لو عمل كل مسلم بهذه الوصية لسَعِدَ يقينًا سعادة تامة في كل شئون حياته ثم سعادة أتمّ وأخلد وأسعد في آخرته.

 

إنه سيمكنه أن يتعايَش ويتناغم مع أيّ بشر، وسيُؤثر فيه خيرًا، وسيتأثر وينتفع بخيره دون أيّ شرّ.. فمع والديه سينال برهما ورضاهما.. ومع زوجته وأبنائه وعائلته ستصبح حياته سَلِسَة ناعمة.. ومع جيرانه سيأمَن ويأنس.. ومع زملاء عمله سينسجمون وينصهرون ويتطوّرون ويربحون.. ومع أصدقائه سيتآلفون وينعمون... وهكذا سيكون مع الكون كله.

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام مِن التَوَافقِيِّين الذين يتطاوَعون ولا يختلفون، تسعد، ويَسعَد الجميع، في الدنيا والآخرة.