لا أخفي سعادتي بالجيل الجديد من الشباب والشابات الذين أصبحوا مهمومين بالشأن المصري العام، وصاروا لا يترددون في إبداء آرائهم السياسة التي كانت من قبل تذهب بآبائهم إلى ما وراء الشمس.
ومن هؤلاء ابنتي الطالبة بالصف الثالث الإعدادي التي أخبرتني أنها وعلى الرغم من أنها ليست مسجلة في كشوف الناخبين فقد حسمت أمرها واختارت مرشحها المفضل للرئاسة، وعابت عليَّ أنني لم أقرر بعد من هو المرشح الذي سأختاره.
ابتسمتُ وقلتُ لها: وكيف اخترتِ هذا المرشح، لعلكِ قرأت عنه أو له في الصحف، أو رأيتِه في التلفزيون، أو استمعتِ له في الإذاعة، فأعجبك مظهره أو حديثه أو ما قيل عنه؟!
قالت: أرجوك. لا تسخر مني، أنا اخترت هذا المرشح بناء على برنامجه.
أخبرتها أن البرامج كثيرة وجميلة، ويمكن لمن يملك مليونًا من الجنيهات أن يجمع أكبر الخبراء في كتابة البرامج فيخرجوا له برنامجا مثاليًّا يدغدغ عواطف الجماهير في مدة لا تتجاوز الثلاثة أيام.
ردَّتْ بثقة: والشخصية أيضًا.
ذكرتُها بقصة الرجل الذي شهد لآخر أراد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن يوليه، فقال: إني أشهد له وأزكيه يا أمير المؤمنين. فقال عمر: أأنت جاره في مسكنه؟ قال: لا. قال: أعاشرته يومًا فعرفت حقيقة أمره؟ قال: لا. قال: أسافرت يومًا معه؛ فإن السفر والاغتراب محك للرجال؟ قال: لا. قال عمر: لعلك رأيته في المسجد قائمًا قاعدًا يصلي؟ قال: نعم. قال: اذهب، فأنت لا تعرفه.
أمسكتِ الشيب في رأسي وقالتْ مداعبة: هكذا أنتم، دائمًا ما تتأخرون في اتخاذ القرارات.
تنهدتُ وقلتُ: ولماذا لا تعتبرينه صبرًا محمودًا، فماذا لو تنازل هذا المرشح عن الترشيح؟! وماذا لو عقد صفقة مع مرشح آخر لا أفضله؟! وماذا لو لم يستطع جمع العدد اللازم من التوقيعات؟! وماذا لو لم يحظ برضا فئات مهمة من الناس وشركاء أساسيين في الوطن؟!
نفد صبرها، وقالت لي جادة حزينة: فمن ستختار إذا ؟!
قلتُ لها باطمئنان: سأنتظر حتى تنجلي الأمور مع غلق باب الترشيح، وأرى أكثر المرشحين الذين أجمعت عليهم القوى الوطنية المخلصة والتي أثق في حسن اختيارها، تلك التي ستؤازره في أداء مهمته بالغة الصعوبة فيما لو نجح، كي تنهض أمتنا من جديد.