منذ شهر تقريبًا في فبراير الماضي عاشت مصر موجة من مضادات الثورة، وصورة من صور الفتنة وشق الصف بين إخوة الوطن المسلمين والأقباط في العامرية بمدينة الإسكندرية، تدخل العقلاء من الجانبين وتمَّ الاتفاق على ترك بعض الأسر القبطية والمسلمة للقرية تهدئة للأوضاع ولمًّا للشمل ودرءً للفتنة، وهنا قامت قيامة مربع الفتنة وشق الصف من بعض الشخصيات والمنظمات والصحف والفضائيات، التي أُصيبت بالعور فنظرت للحدث بعين واحدة حين اختزلت كل المشهد في الاضطهاد الذي يعانيه الأقباط في مصر.
وسرعان ما تقدموا في الاتجاه المعاكس بالمزيد من إرباك المشهد العام، والمزايدة بممارسة الابتزاز السياسي الرخيص، حين ادعوا أن ما يحدث هو إفراز طبيعي لنتائج الانتخابات، وقدوم التيار الإسلامي بهذه النسبة الكبيرة التي أزعجت دعاة الديمقراطية والليبرالية، الذين يعانون أوهام وهواجس وكوابيس بل فوبيا التيار الإسلامي خاصة الإخوان.
هذا على المستوى الداخلي، وعلى المستوى الإقليمي شن الإعلام العلماني في بعض دول الخليج حملة غير أخلاقية ولا مهنية على إرادة الشعب المصري الذي اتهموه أنه انتخب من هو أشد استبدادًا وتشددًا من نظام المخلوع مبارك، وعلى المستوى الدولي تحركت قاطرة الشر المسماة بأقباط المهجر داخل أروقة الإدارة الأمريكية ذات اللون الصهيوني الباهت بالمذكرات والطلبات إلى الكونجرس لفرض الحماية الدولية على أقباط مصر، بدعوى أن حياتهم وأرواحهم وممتلكاتهم معرضة للخطر!.
انتهت القصة بما فيها من حقائق وأكاذيب، ثم حدث ما كان متوقعًا من المصريين بمعدنهم النفيس وأخلاقهم الراقية وعقائدهم السامية، عادت الأسر التي غادرت العامرية إلى بيوتهم ومحالهم وكنائسهم بعد أن تمَّ إصلاحها على خير وجه، وعادت العلاقات والوشائج والروابط المتينة متانة هذا الوطن إلى وضعها الطبيعي، لكن غير الطبيعي هي حالة الخرس التي أصابت مربع الفتنة وشق الصف الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها في فبراير الماضي على خلفية الحدث المؤلم، بالتعامل مع هذه الممارسة الحضارية وغير المسبوقة بحالة من البله والخرس وكأن شيئًا لم يكن!.
ممارسات هذا المربع الآسن متوقعة ومعلومة سلفًا عن أشخاص وكيانات وصحف وفضائيات اعتمدت الإثارة والفتنة والتشويه والتضليل، هذه هي بضاعتهم التي يتكسبون منها لقمة العيش المغموسة بدماء وآهات المصريين الشرفاء البسطاء في عهد المخلوع والعهد الحالي، وبنفس القوة والحماسة، الحدث في مجملة يحمل رسالة قوية إلى هؤلاء وأمثالهم: أن مصر وطن لجميع المصريين، عانينا فيه جميعًا عقودًا طويلة من الاستبداد والفساد والقمع، وظلمنا فيه جميعًا من أنظمة حكم شمولية فاسدة ومن حولها بطانة السوء، كهنة المعبد وحملة المباخر، يقننون الاستبداد ويدافعون عن الفساد، وحُرمنا فيه جميعًا الحقوق الأساسية للمواطن المصري، ثم كانت ثورتنا جميعًا حين اختلطت أرض مصر الطاهرة بدماء الشهداء لم تميز بين مسلم أو مسيحي، أرض مصر الطيبة التي تشربت هذه الدماء الذكية بكل الفخر والإعزاز... هذه هي الرسالة يا دعاة الفتنة وشق الصف.
----------------------
* مدير مركز النهضة للتدريب والتنمية