ظل النبي صلى الله عليه وسلم لمدة ثلاثة عشر عامًا يربي الصحابة على اليقين بالله الواحد الأحد، وعلى حب رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى تحمل الشدائد التي لا يحتملها بشر، إذا لم يتحل بإيمان تنهد له الجبال، وتتوالى المحن الواحدة تلو الأخرى على مَن أسلموا حتى اضطر نبي الله عليه الصلاة والسلام أن يلجأ إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ لتكون أول محضن تربوي في تاريخ الإسلام، يكون المربي فيها هو سيد الخلق وتلاميذه هم سادة الدنيا من بعده، وليخرج من هذا المحضن أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين، وغيرهم من مئات الصحابة الذين ملئوا الدنيا بعد ذلك عدلاً بعدما مُلئت جورًا.

 

والذين واجهوا بإيمانهم أعتى الجيوش لا بعددهم أو بعتادهم دون أن يتزعزع ذلك الإيمان قيد أنملة في مواجهة أصعب التحديات التي يمكن أن تواجه البشر على الإطلاق، وهي تحدي الموت، فقد كان هؤلاء الصحابة كما قيل عنهم أنهم يحبون الموت كما يحب غيرهم الحياة، وليس ذلك زهدًا في الدنيا أو عدم رغبة فيها، بل لقد رأيناهم صناع حضارة لم تر الشمس مثلها منذ الأبد، وما زالت بقاياها شاهدة على عظمة المربي الأول إلى يومنا هذا.

 

وعلي نفس الخُطى سار الإمام المجدد الشهيد حسن البنا، وقدم نظامًا للتربية كدار الأرقم يتربى فيها الصغير والكبير، المتعلم وغير المتعلم، الغني والفقير، أنشأ نظام الأسرة والشعب والكتائب؛ حتى نشأ جيلاً بَهَرَ الأجيال بصموده في محاربته الاستعمار الإنجليزي على أرض مصر، وفي محاربته اليهود على أرض فلسطين، وضرب المثل في البطولات التي تعود بنا إلى عصر النبوة الأولى، وحدثت المؤامرات التي بدأت منذ الملك فاروق، واشتدت بعد مقتل الإمام الشهيد حتى كانت ذروتها في محنة 1954م حيث كان النظام وقتها يريد التخلص من الإخوان المسلمين على اعتبار أنهم القوة الوحيدة القادرة على كشفه أمام الجماهير الغافل التي انقسمت في هذا الوقت إلى ثلاثة أقسام:

- قسم منتفع باع كلمته وشرفه في سبيل الانتفاع مع المنتفعين الجدد.

 

- وقسم يفهم ما يحدث ويدرك المصيبة التي حلت بالبلاد والعباد لكنه آثر الصمت وألجمه الخوف مما يرى من بشاعة انتقام النظام من معارضيه.

 

- وقسم مغيب تمامًا، وكان معظم هؤلاء من الفلاحين الذين كانوا يعملون بالسخرة، وفرحوا بمجموعة من الشعارات البراقة والرنانة والتي لم يسمعوها من قبل.

 

وأما الإخوان المسلمون فقد لاقوا من ذلك الطاغية سوء العذاب، وقد سجل التاريخ ما تذهل له العقول من ذلك التعذيب البشع الذي تعرض له أفراد تلك الجماعة المباركة، ولم ينج من هذا العذاب شاب، حتى النساء لم يسلمن من هذا العذاب والتنكيل، وفي هذا الشأن نجد الحاجة زينب الغزالي تحملت وواجهت آلة نظام بأكمله وُجهت نحو فرد لا يملك أي قوة مادية لكنه يملك بين جوانحه إيمانًا واتصالاً بالله تذهل له العقول، ولم تكن بالطبع تلك القوة- التي تجعل امرأة تقف بمفردها في وجه طاغية متعجرف- وليدة لحظة، وإنما كانت نتاج تربية إيمانية عميقة وامتدت لسنوات طويلة كي تخرج هذا الجيل العبقري الذي عبر فترة المحنة بمنتهى الصمود؛ ليعود بعدها أصلب عودًا وأشد تمسكًا وتنظيمًا، وأعمق إيمانًا ليعيد تنظيم الصفوف من جديد، ويستمر على نفس الخطى المرجوة له ومنه، وذلك في نفس الوقت الذي نشأت فيه دعوات وجماعات وحركات لم تنتهج نفس النهج النبوي في التربية، فاندثرت ولم يعد لها وجود.

 

وبذلك نخلص إلى أن التربية هي صمام الأمان الأول، وهي ضمان الاستمرار للدعوات والتخلي عنها أو التقصير فيها لا يعني سوى أننا نغرس غرسًا ضعيفًا في مهب الريح، وتركه دون رعاية فليس له مصير سوى الضياع والزوال، والتربية التي أقصدها إنما هي التربية الشاملة والمتكاملة والمتوازنة على السواء، وهذا هو النهج الذي سار عليه الإمام البنا، ونجح فيما لم ينجح فيه غيره، فهي تربية تشمل الإنسان كله روحه وعقله وجسده، فهي تربي فيه الضمير كما تربي الجسم، وتربي العقل كما تربي الوجدان، وهي بذلك تكوِّن الإنسان المسلم تكوينًا متكاملاً، فتجده وقت الشدائد يتصدى لها بعقل وحكمة، ووقت العمل إنسان منتج ناجح محب لبلاده ومحب للعطاء، كذلك فهو في بيته ذلك الإنسان الرقيق العطوف.

 

كذلك هي التربية المتوازنة التي لا تميز جانب عن جانب في التربية، فلا يطغى الجانب العاطفي عن الجانب الأخلاقي، ولا يطغى الجانب الروحاني على العبادي أو الجهادي وهكذا، وكما قال الإمام البنا "فهي عقيدة سليمة أو عبادة صحيحة سواء بسواء".

 

ووصيتي إلى أخواني في جماعة الإخوان المسلمين خاصة في تلك الفترة التي نمر بها جميعًا وتمر بها بلادنا، وبعد تحمل مسئولية البلاد والعباد أن لا يهملوا بأي حال من الأحوال ذلك الجانب المهم "التربية" وألا يحيدوا عنه أبدًا فذلك هو طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو طريق كل المجددين من بعده، فالمسئولية خطيرة، ولن نعبر أبدًا ببلادنا إلى برِّ الأمان إلا إذا استنفدنا كل تلك الوسائل، فهي محاضن الرجال وبدونها لا سبيل إلى النجاة.