تكشف مذكرات السيدة فاطمة عبدالهادي زوجة الشهيد محمد يوسف هواش- رحمه الله- في كتابها "رحلتي مع الأخوات المسلمات" عن نشاط مسرحي للأخوات مواز لمسرح الإخوان الذي بدأه الأستاذ عبدالرحمن البنا عام 1934م، بمسرحية جميل وبثينة.

 

ولئن كان مسرح الإخوان حاول أن يأخذ شكل المسرح الاحترافي الذي تتحقق فيه عناصر العمل المسرحي من نص متماسك وديكور وممثلين ومخرج، فقد كان مسرح الأخوات موجهًا في الأساس للنشاط الدعوي، وكان يتناول موضوعات تعالج المشاكل العقيدة التي تقع فيها بعض النساء كالذهاب للكهنة والعرافين، أو للتحفيز على الاحتشام في الملبس، وقراءة القرآن الكريم والتزود من الطاعات.

 

وتذكر السيدة فاطمة عبدالهادي أن توجه الأخوات للنشاط المسرحي كان أحد ثمار عمل الأخوات في النشاط الدعوي العام، وكان هناك- كما تذكر السيدة فاطمة- قسم خاص يهتم بمقاومة الابتذال والتعري، ويرغب الفتيات في ارتداء الحجاب كما يرغبن لهن الاحتشام بشكل عام.

 

وقد سبق مرحلة التأليف المسرحي الصريح عند الأخوات بعض الأنشطة الدعوية التي يغلب عليها الطابع الفكاهي، وكانت تمارسها الأخوات في المواصلات، تجاه الفتيات اللواتي يغلب على لباسهن الابتذال، فكانت تنصح الأخوات إذا ركبن المواصلات العامة بأخذ دبوس معهن، وإذا رأت فتاة أو سيدة متكشفة تقوم بوخزها في الجزء العاري، ثم تعتذر لها كنوع من جر الكلام، ثم تبدأ الحديث معها حول حرمة التكشف وأهمية صيانة المرأة نفسها وجسمها عن عيون الرجال الأجانب.

 

أما أول تجارب مسرح الأخوات المسلمات التي اتخذت شكلاً دراميًّا صريحًا، فكانت في الأربعينيات من القرن العشرين، حين اقترحت إحدى الأخوات تنظيم حفل لمدرسة البنات، فأقام القسم حفلاً كبيرًا وقدمت الأخوات خلاله أولى تجاربهن المسرحية، وكانت عبارة عن ثلاث مسرحيات قصيرة عناوينها هي: "قل هو الله أحد" و"القرآن الكريم" و"بلال".

 

وكان أحد هذه المشاهد يدور بين فتاتين إحداهما قارئة الفنجان والأخرى الناصحة التي تبصرها بحرمة ما تقوم به، فتقول:

- ألم تسمعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

- ما هو؟

- من أتى عرافًا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد.

 

وتذكر السيدة فاطمة أن بنات أحد الأزهريين كن غير محجبات، وكانت كلما حاولت الحديث معهن في وجوب الحجاب، تجد منهن رفضًا، فأوردت مشهدًا في مسرحية "قل هو الله أحد" تبدو فيه ابنة شيخ أزهري ترتدي ملابس أنيقة وتدخل بدون حجاب، فتأتي إحدى الفتيات وتحدثها عن ضرورة الحجاب، وأهميته للفتاة المسلمة وما يضفى عليها من عفاف واحتشام، وبعد حوار بين الفتاتين وقراءة آيات من القرآن الكريم، تقرر الفتاة المتبرجة ارتداء الحجاب والالتحاق بالأخوات.

 

ومن الواضح أن المسرحيات الثلاث كانت مواعظًا، وكانت أشبه بالحواريات التي تخلو من الحبكة الدرامية التي امتاز به مسرح الإخوان الذي كان يُقدم على مسارح الدولة في هذا الوقت، ولكن بالنظر إلى الفترة المبكرة التي قدمت فيها هذه المسرحيات، نلمس أنها من التجارب المبكرة التي لو قدر لها الاستمرار لأثمرت نضجًا وتطورًا كبيرًا.

 

وقد كان مسرح الأخوات يتم بمعزل عن مسرح الإخوان؛ حيث كانت مسرحياتهن مقصورة على النساء فقط، ولم يكن يحضرن المسرحيات التي يؤديها الإخوان، وفي المسرحيات التي تحتوي على شخصيات رجالية كان المسرح النسائي يستعين بالأطفال الذكور لأداء أدوار الرجال.

 

وفي عام 1948 كان مسرح الأخوات قد تطور واستفاد من تجاربه السابقة، وقام بتقديم عرض مسرحي بمدرسة هدى شعراوي بعد قرار حل الجماعة.

 

ومن الطرائف التي ترويها السيدة فاطمة أن هذا العرض "القرآن" كان يحضره جمهور من الجنسين، وكان أحد الحاضرين أحمد فراج المذيع اللامع رحمه الله، وقبل بدء العرض حذرته السيدة فاطمة من الهتاف بـ"الله أكبر ولله الحمد" وهو الهتاف المميز للإخوان المسلمين، وذلك لأن كل من كان يردد هذه الصيغة وقتها كان يتم اعتقاله.

 

وكانت هذه المسرحية من المسرحيات المتقنة الأداء التي اقتربت من شكل العرض المسرحي المتكامل من ديكور وإضاءة وإخراج وغير ذلك.

 

وكان المشهد الذي توقعت معه التكبير هو مشهد نزول القرآن وانبعاث الضوء عليه بشكل مبهر، فما كان من الدكتور فراج إلا أن صاح هاتفا "الله أكبر ولله الحمد" ولم يتمكن من ضبط مشاعره، وهو ما سبب لهم حرجًا كبيرًا داخل القاعة، وتدخلت السيدة فاطمة في تلطيف الجو حتى انتهت الحفلة بسلام!

 

تجربة مسرح الأخوات من التجارب الجديرة بالتوقف أمامها والبناء عليها، بتأسيس نشاط مسرحي في مدارس البنات يسهم في توعية الفتيات بما لهن وما عليهن، ويسدد الجهود التربوية التي لا تقدمها المناهج الدراسية وحدها.

 

--------------

* كاتب مسرحي ومؤسس جمعية المسرح المستقل

aliali404@gmail.com