يبدو أن "الإخوان" قد اعتادوا العمل بينما يتخندق المعارضون ضدهم؛ وآية ذلك (كل) هذه المعارضة (لكل) خطوات "الإخوان"؛ فإذا قرروا التصويت "بنعم" في الاستفتاء فالجيوش الإعلامية والسياسية الجرارة جاهزة بالمدفعية الثقيلة التي ترفع راية "لا" باعتبارها طوق النجاة الذي لا شك فيه، وأن "نعم" هي الجحيم بعينه!
وإذا رفض "الإخوان" المشاركة في "مليونية" فهو الدليل الدامغ على "بيعهم" للثورة، أما إذا دعوا "لمليونية" فإن الواجب الوطني والثوري يحتم عدم مشاركتهم باعتبار أن لهم مآرب خاصة..؟!!.
وإذا أصرَّ "الإخوان" على الانتخابات التي يتطلع إليها الجميع، فلا بد من معارضتهم؛ وذلك لأن فرص نجاحهم مؤكدة!، أو لأن الانتخابات ستزور، أو لأن البلطجية سيفسدونها لصالح الفلول، فإذا مرت الانتخابات بسلام انتقلنا إلى توزيع اللجان وسيطرة الإخوان، ونسينا أن نعترف لهم أن نظرتهم كانت أصوب حين توقعوا انتخابات نزيهة.
وإذا أعلن "الإخوان" عدم ترشيح أحدهم للرئاسة ثم يستقيل د. عبد المنعم ويطرح نفسه كمرشح للرئاسة، قالوا "اللعبة مكشوفة" والدكتور هو مرشحكم ولكنها "ألاعيب الإخوان".
ولما أثبتت الأيام أن "الدكتور" ليس مرشحهم وأصر الإخوان على عدم تأييده احترامًا لكلمتهم؛ قالوا: هذا ما يفعلونه بقياداتهم من نكرانٍ للجميل، فماذا سيفعلون بالشعب؟!، ثم يتساءلون: ما هذا الغباء السياسي الذي يجعل "الجماعة" ترفض تأييد أحد أبنائها وصاحب الشعبية الكبيرة التي قد تجعله في مصاف المتنافسين الأوائل ؟!، وتناسى الجميع ما اتفقوا عليه ابتداءً من تفاهمات "الجمعية الوطنية للتغيير" مرورًا "بالتحالف الديمقراطي"، ووصولاً إلى رغبة الجميع في عدم استحواذ "الجماعة" و"حزبها" على المشهد السياسي.
أما رغبة "الإخوان" في "رئاسة توافقية" فهي الخيانة بعينها؛ باعتبار أن تفسير التوافق هو اتفاق بينهم وبين "المجلس العسكري"!!، ونسي الجميع أن "البرلمان" الذى يشكل "الإخوان غالبيته هو أول من أعلن على لسان رئيسه أنه لن يتنازل عن سلطة التشريع لأحد، وبالتالي فإن أول انتقاص من سلطة "العسكري" كانت على يد "الإخوان"، وأن توافق الأمة على الرئيس في هذه المرحلة سبقتنا إليه أمريكا التي توافقت على (جورج واشنطن) الذي انتخبته الهيئة الانتخابية بالإجماع ليكون أول رئيس للولايات المتحدة بعد الاستقلال، وفرنسا التي توافقت على (شارل ديجول) كأول رئيسٍ في الجمهورية الخامسة.
والآن، أصبحت فرضية علمية!!؛ أن تكون "لجنة المائة" من خارج "البرلمان"، متجاهلين أن الشعب اختار هذا "البرلمان" وهو يعلم أنه المنوط به إنجاز "الدستور" طبقًا للمادة 189 من التعديلات الدستورية، ووفقًا للمادة 60 من الإعلان الدستوري، ونسي الجميع أن أحد الخلافات على إجراء الانتخابات البرلمانية كانت الخوف من أن يسيطر فصيل واحد على كتابة الدستور إذا حاز الأغلبية البرلمانية، بمعنى أن (تفسير) الإعلان الدستورى كان يعتبر أن البرلمان سينتخب من (أعضائه) لجنة "المائة" التي ستضع الدستور ولهذا اعترض المعترضون، ولأن المادة غير مؤكدة الدلالة، فإن الأغلبية الإخوانية "بالبرلمان" انحازت لتفسير المعارضين الآن بأنه ليس من الضروري كون "المائة" من أعضاء البرلمان، ولم يتقدم المعارضون سلفًا بالاعتذار على سوء ظنهم "بالإخوان"، ثم تقدم "الحزب" باقتراح متوازن وعادل باختيار "أربعين" من مجلسي الشعب والشورى ليضع اعتبارًا "للشعب" الذي اختار هذا "البرلمان" بحرية كاملة، وأوصل عشرين حزبًا تقريبًا لعضويته، وبالتالي فإن تمثيل "الإخوان" في الأربعين عضوًا لن يتجاوز نسبتهم في المجلسين، وبالتالي لن يكونوا أغلبية تجمد الحوار وفقًا لإرادتها.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه يلبي طموحات الكافة في اختيار "ستين" عضوًا من أطياف المجتمع وأعراقه وأديانه.
لذا فإن الإصرار على إهدار قيمة "برلمان" حر لصالح نشطاء واتجاهات حزبية فهو الأمر المستغرب والدال على الانحياز والتعصب دون التحلي بروح التوافق التي تتطلبها اللحظة الراهنة، أو احترام رغبة الشعب.
نحن جميعًا متفقون على أن الدستور "وثيقة" الأمة كلها، ولا يحق لأحد أن يحتكر كتابته؛ لأن الشعب في النهاية سيرفض أن تحتكره فئة, أي فئة، كما أن "الدستور" هو صنيعة حراك الأمة وهويتها وجهادها، فإذا وُضع مجافيًا لهذه الحقائق ستلفظه حركة الشعب مهما كانت سلطة واضعيه.
هذه الحقائق نردها إلى المغامرين الذين يتصورون أن ضغوطهم على "الإخوان" بغرض نحت "دستور" تغريبي أو علماني ستفلح، وحتى يعلم الجميع أن قيادة المجتمع لا تنشأ غصبًا ولا عنفًا، ولكن بالجهاد والإصرار.
أما إن كانت الضغوط خشية انفراد "الإخوان" بالصياغة فقد برئت ذمتهم بالحل التوافقى وتعديلاته المطروحة.
وواضح أن "الإخوان" ماضون في تنفيذ عهودهم التي قطعوها على أنفسهم بعد استفتاء 19/3، وسيأخذون بأفضل وأعقل المواقف التي تجمع ولا تُفرِّق ثم سيصرون عليها؛ ووقتها نرجو أن نجد منصفًا يعترف أن "الإخوان" كانوا على قدر المسئولية ويستحقون ثقة الشعب بهم.
-----------