دأبت الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية على تقديم المعونات الاقتصادية للدول النامية، بل إنها في كثير من الحالات تتوسع وبقصد في منح هذه المساعدات للدرجة التي تصل بها اقتصاديات الدول المستهدفة إلى حد الإدمان والاعتماد التام على هذه المعونات الخارجية، ثم تكتشف هذه الدول المستهدفة بعد حين أنها وقعت في فخ المعونات الخارجية دون قدرة على الخروج من طوقها، ويتبين لها أن هذه المساعدات لا تسمن ولا تغني من جوع ، وأنها كانت في الحقيقة وبال عليها، وأن أضرارها كانت أكبر بكثير من نفعها، وأنها لم تنتشلها من فقرها ولم تساندها في تحقيق تنميتها، بل زادت من فقرها وأعبائها بسبب ما تمليه عليها الدول المانحة من شروط وضعتها مقدمًا لتحقيق أهدافها ومصالحها.
ولقد استنتج تقرير عام ١٩٧٥م للحكومة الأمريكية (مكتب المحاسبة العام) أن المصادر العالمية البارزة تشير الآن إلى أن تلك المساعدة الغذائية قد عاقت البلدان النامية عن توسيع إنتاجها الغذائي، وبذلك أسهمت في الوضع الغذائي العالمي الحرج." (1)
وهكذا تكون المحصلة في النهاية دائمًا هي تكريس الفقر في هذه البلدان النامية والاعتماد الكبير على الدول المانحة ومعوناتها، وأما الدول المانحة فإنها تضمن إلى حد بعيد دوران هذه البلدان النامية في فلكها واستمرار تبعيتها لها، لضمان توجيهها ودفعها للمزيد من تحقيق مصالحها أو على الأقل عدم التصادم مع أهدافها أو تعطيل مسارها.
وتاريخيًّا فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مانح للمعونة الغذائية، فمنذ عام 1950م قدمت ما يزيد على 25 مليار دولار من المعونة الغذائية، لكن هدفها الأول لم يكن في أي وقت من الأوقات هو إطعام الجياع، وفي الحقيقة فإن تلك النوايا الإنسانية لم تسجل في قانون المعونة إلا في عام 1966م، فقد كانت المعونة الغذائية امتدادًا للسياسة الخارجية والمصالح التجارية للولايات المتحدة، وهما في معظم الحالات أمران متبادلا النفع".(2)
يقول "فرانسيس مور لابيه": "إن الاستخدام السياسي والعسكري للمعونة الغذائية للولايات المتحدة ليس شيئًا جديدًا، ففي هذا القرن وبعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، وضع "هربرت هوفر"- الذي أصبح رئيسًا- تأييده لمساندة برنامج معونة غذائية لألمانيا لتجنب خطر أن يصوت الألمان الجائعون للاشتراكيين، وكذلك لحل مشكلة فائض الغذاء الأمريكي الناشئة عن الجهد الزراعي زمن الحرب، وفي عام 1943م أقامت ثلاث وأربعون دولة ما أصبح وكالة الأمم المتحدة للغوث والتأهيل (UNRRA) التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، وذلك لمنح المعونة الغذائية لضحايا الحرب، وكانت المعونة مشروطة بألا تستخدم كسلاح سياسي، وألا يجري تمييز في التوزيع لأسباب عنصرية أو دينية أو سياسية، ورغم هذا الشرط الواضح ذهبت المعونة الغذائية الأمريكية إلى القرى الفاشية في اليونان، وإلى شيانج كاي شيك في الصين، ولم تتلق الهند أية مساعدة في أعقاب مجاعة عام 1943م الكبرى التي مات خلالها 4 ملايين هندي، ولا في مجاعة عام 1946م – 1947م، فالهند، في ذلك الوقت لم تكن مؤهلة لتكون منطقة أمامية مناهضة للشيوعية في نظر وزير الخارجية "دين اتشيسون"، وبعد الحرب العالمية الثانية تم إنفاق أكثر من ربع أموال الولايات المتحدة للمعونة الغذائية في إطار "خطة مارشال"، وتدفقت كميات هائلة من القمح المباع بالأجل إلى إيطاليا وفرنسا لتساعد في منع الطبقة العاملة البائسة من التصويت ضد الرأسمالية، وقال مارشال نفسه في ذلك الحين: "الغذاء عامل حيوي في سياستنا الخارجية"، وفي عام 1959م انتقد السناتور "هيوبرت همفري "أولئك الذين يريدون أن تكون المعونة الغذائية مجرد وسيلة للتخلص من الفائض، ورأى في الغذاء سلاحًا قويًّا".(3)
هكذا كانت بدايات الولايات المتحدة الأمريكية في اعتماد أداة المعونات الاقتصادية كأحد الاستراتيجيات الفاعلة من أجل تحقيق أهدافها السياسية ومصالحها العليا، وما زالت أمريكا تجيد اللعب بهذه الأداة والضغط بها على الدول النامية من أجل توجيهها لتحقيق مصالحها على حساب استغلال هذه الدول النامية واستنزاف مقدراتها.
ورحم الله الشيخ محمد الغزالي، فقد اكتشف مبكرًا حقيقة هذه المعونات، ووصفها بـ " مغشوشة النية سيئة الهدف " فقد قال رحمه الله: "إن المساعدات الأمريكية، فقد توزع على الأطفال مقادير من الألبان والجبن، ولكنها تفرض على بيئتهم قيود الفقر الأبدي إلى هذا النوع من المساعدات، وبرامج المساعدات هذه توزع المواد الاستهلاكية وحسب على الأمم المتخلفة، وتمتنع امتناعًا غريبًا عن تصنيع البيئة وإعانتها على أن تخدم نفسها بنفسها، وتستغل مواردها الوطنية بقدرتها الخاصة ! كأن شعوب هذا العالم الثالث – كما تسمى – ينبغي أن تظل مشلولة المواهب مكشوفة العجز، لا تستطيع الانتفاع بما لديها من خيرات."(4)
ويصف الدكتور محمد عمارة ما آلت إليه العلاقة بين المانح والممنوح لهذه المعونات الخبيثة، بقوله: "إن حال الهيمنة الأمريكية وقوتها المتغطرسة اليوم، مع الاستضعاف العربي والإسلامي الراهن، تكاد أن تجعل القلم يستدعي صورًا من عصر المماليك ؟! فـ " السلطان – الأمريكي " لا يريد منافسًا ولا شريكًا ولا بديلًا، وهو يريد من النظم " الحاكمة " في وطن العروبة وعالم الإسلام أن تقنع بدور وتقف عند حدود " الحريم " ؟!، وهو يسعى مع تيارات الفكر والسياسة، التي سقطت مشروعاتها النهضوية– مثل الماركسيين – أو التي تخاف من المشروع الإسلامي للنهضة – مثل قطاع من العلمانيين والليبراليين - .. يسعى " السلطان – الأمريكي " مع هذه التيارات إلى القبول بدور " الطواشي .. والخصيان " في " حرملك " بعض النظم في وطن العروبة وعالم الإسلام !!.. إنه ينزع سلاحنا القتالي .. في الوقت الذي يعيد فيه عصر القواعد العسكرية الأجنبية على أرضنا من جديد .. وإذا أعطانا سلاحًا .. فهو يحرص على تفوق قاعدته – إسرائيل – على أوطاننا جمعاء ؟!.. ثم هو لا يسمح لنا باستخدام هذا السلاح إلا في صراعات داخلية، يدبرها .. ويدفع إليها .. ويؤجج نيرانها !.. وهو ينهب ثرواتنا بالثمن البخس .. ويعوق تنميتنا المستقلة .. ويحولنا إلى سوق لاستهلاك سلعه المصنعة – التي إذا قابلنا أسعارها الفاحشة بأسعار موادنا الخام المتدنية، ثبت لنا – بالأرقام – إنه يكاد أن يأخذ موادنا الخام بالمجان ؟!.. ثم هو يأخذ فوائضنا النقدية رهينة في مصارفه، يدعم بها اقتصاده، ويحكم بها حبال التبعية المالية على أعناقنا ؟!.. ثم ها هو قد نجح – في ربع القرن الأخير – أن يضرب " إرادة التحرر الوطني " في مقتل، عندما أغرانا بالاستدانة، حتى أدخلنا في آليات جديدة من التبعية الاقتصادية رهنت إرادتنا واستقلالية قرارنا، بل وكرامتنا كأمة .. الأمر الذي أتاح له – بعد المتغيرات التي رتب بها بيت الحضارة الغربية – أن يطمح إلى دور " السلطان – المملوكي " وأن يطلب إلى بعض " حكامنا " الرضا بمكانة " الحريم " في " ديوان " السلطان " ؟!.. "(5)
وفي الحقيقة يمكن وصف المعونات الغربية بأبعد من ذلك بكثير، فإنها باختصار تجسيد لمقولة " السم في العسل "، ونموذج لما تطفح به العقلية الاستعمارية وحرصها على التفرد بالنفوذ والاستفراد بالمصلحة، والأنانية واللاإنسانية في استغلال الطرف الضعيف إلى أبعد حد وإلى أقصى درجة ممكنة، بل إلى احتقاره ودفعه للقبول بدور التابع الذليل الذي ليس له الحق في أن يأمل أو يفكر أو يطمع في أكثر من الخدمة المذلة مقابل لقمة تسد جوعه وتسدد ديونه، حتى ولو كانت خدمته وتبعيته هذه على حساب دينه ومبادئه وكرامته ومقومات وجوده وبقاء حياته.
قد يظن البعض أن هذه الأقوال فيها مبالغة وتجني وتنكر لليد المانحة التي تقدم مساعدات من أجل نهوض البلاد الفقيرة، لكن الأحداث تثبت أن هذه الدول الغربية المتقدمة لا تساعد أحدًا، ولا تسعى لأن تنتشل أو تُخرج الدول الفقيرة عن طوق فقرها وبؤسها، بل إن هذه المساعدات المالية والاقتصادية التي تقدمها هذه الدول قد تحولت بالفعل إلى أداة قوية لتنفيذ برامجها ومخططاتها، مستغلة فقر الدول النامية وحاجتها الكبيرة للمساعدة، فأمام الفقر وعدم التمكن من توفير ما يلزم لسد جوع الشعوب وتوفير مقومات حياتها، لا تجد هذه الدول الفقيرة أمامها سوى الخضوع لمطالب هذه الدول الغربية الغنية وتنفيذ بنود مخططاتها رغمًا عنها، ومهما أبدت هذه الدول من تحفظات أو محاولات للتملص من تنفيذ ما تريده وتسعى إليه فإنها في النهاية مضطرة لمد يدها والانحناء تحت وطأة الفقر لليد المانحة وما تمليه عليها.
لقد أجاد الغرب استخدام أداة المعونة للضغط على الدول النامية من أجل تمرير قراراته وسياساته، ليس فقط على المستوى الثنائي بين المانح والممنوح، بل على المستوى الدولي أيضًا من خلال استغلال منابر ومؤتمرات الأمم المتحدة ومؤسساتها الاقتصادية، التي تفرض على دول العالم الثالث - التي اعتادت على مد يدها لفقرها وحاجتها - ثقافة وسلوكيات وسياسات الدول الغربية المانحة، دون قدرة الدول النامية على الرفض أو الاعتراض.
بقول الدكتور نبيل شبيب: "الواقع المشهود هو أن ما يتم الاعتراض أو التحفظ عليه على النحو المشار إليه في البداية يجد طريقه إلى التنفيذ من جانب الدول المعترضة، وذلك تحت تأثير الضغوط المالية والمادية في الدرجة الأولى .. وسيان هنا هل كانت الاعتراضات صادقة أم لا، وتكفي الإشارة كمثال على ذلك إلى أن معظم الدول الصناعية تبنت إضافة شروط جديدة على ما يسمى المساعدات الإنمائية والقروض الاستثمارية المباشرة، أو عن طريق المؤسسات العالمية كصندوق النقد والبنك الدوليين، وهي شروط تنطلق أولًا وأخيرًا من التصورات الغربية للحريات والحقوق والديمقراطية والقيم ودور المرأة وتربية الأطفال والناشئة والعلاقة بين الجنسين وقضايا التعليم والإعلام .. وغير ذلك مما يستند استنادًا مباشرًا إلى القيم والنظم الغربية .. وهو ما يجد بالتالي طريقه إلى الدول المعنية فيما يسمى العالم الثالث، بما في ذلك البلدان الإسلامية، عن طريق تلك المساعدات الإنمائية والقروض الاستثمارية والعلاقات التجارية وغيرها"(6).
ولما كان من قومنا من أصابته حمى الإيمان بالغرب والكفر بمرجعيتنا الإسلامية، ولا يعجبه كلام علماء الإسلام ومفكريه حتى ولو كان من الوضوح بحيث لا يحتاج معه إلى دليل، فهذه جملة من أقوال علماء الغرب ومفكريه تؤكد ما ذهبنا إليه، وتثبت أن فخ المعونات الخارجية سلاح حقيقي استخدمته القوى الغربية كأداة نفوذ واستغلال وتوجيه لإرادة الشعوب الفقيرة، تلك الشعوب المغلوبة على أمرها والتي ما لم تفق بعد من تراكمات ما أحدثه الاحتلال الغربي لبلدانهم ومقدراتهم وثرواتهم.
يقول "بيتر تيلور" في بيان كيفية استخدام المساعدات الاقتصادية كأداة للضغط على الدول: "تمثلت إحدى الطرائق بالغة الوضوح التي واصلت بها بلدان المركز ممارسة نفوذها في بلدان الأطراف(7) للحقبة ما بعد الكولونيالية في برنامج المساعدات الاقتصادية، فقد استخدمت المساعدات الاقتصادية – والتي رُوج لها على أنها مبادرات دولية للإنعاش المجتمعي – كأداة للحفاظ على أو للتطوير وتعزيز النفوذ السياسي لبلدان المركز في الدول المستقلة حديثًا، ولو أن اهتمامات الدول المانحة للمساعدات كانت "إنسانوية" Humanitarian لكان من المتوقع تنفيذ برامج موجهة للبلدان الأفقر بوجه خاص، غير أنه لم تكن هناك أي علاقة فعلية بين الفقر وأموال المساعدات الجاري تخصيصها، وإنما نجد بدلًا من ذلك التنافسات الجيوبولوتيكية(8) هي المحددات الأكثر أهمية فيما يتعلق بمن يحصل على المساعدات وحجم ونوعية تلك المساعدات، وليس في ذلك ما يثير الاستغراب، نظرًا لأن فكرة المساعدات الدولية جرى تحويلها إلى سياسة عملية مع بداية الحرب الباردة وأخذت في الانحسار منذ انحسرت الحرب الباردة واختفت، وبوصفها أداة من أدوات السياسة الخارجية، مثلت المساعدات الاقتصادية تجليًا مهمًّا للإمبريالية غير الرسمية."(9)
ويقول " مايلز كوبلاند " - وهو واحد من رجال المخابرات الأمريكية - معبرًا عن وجهة نظر الحكومة الأمريكية بصفة عامة في مساعداتها التي تقدمها لغيرها: "فالحقيقة الكامنة وراء كل المساعدات هي تحقيق مصالحنا بالدرجة الأولى، هذا ما نأخذه دومًا بعين الاعتبار عند تخطيط إستراتيجيتنا في أبراج وزارة الخارجية في واشنطن، إن أية مغانم يحققها الطرف الآخر، سواء كانت خيالًا أم واقعًا لن تكون مقصودة أبدًا، كما أنه لا تستبعد أبدًا أن تكون طعمًا في يد صياد يغري بها فريسته حتى تقع في شباكه".(10)
ويقول "فرانسيس مور لابيه": "إننا لا نزعم أننا نملك كل الإجابات بشأن المعونة الغذائية إلا أن بعض النقاط قد أصبحت واضحة:
أولًا: لا بد أن يعرف الجياع أن مانحي الغذاء الغربيين لا يمكن أبدًا أن يكونوا مصدرًا للأمن الغذائي، وفي الحقيقة فإن الأمن الغذائي ليس شيئًا يمكن أن يُعطى حتى من حكومة أجنبية حسنة النية، والأفضل أن تفترض البلدان المتخلفة أن الحكومات الغربية ستستخدم فوائضها الغذائية للمساعدة على توسيع أسواقها التجارية ولمساعدة تغلغل الشركات الزراعية ولمساندة نفس الأنظمة التي تعمل في تعارض مباشر مع السياسات التي يمكن أن تمكن الجوعى من تحرير أنفسهم من الجوع.
ثانيًا: لا بد ألا يعتقد المواطنون المهتمون أن المعونة هي الطريقة لمساعدة الجياع، فالتركيز على موضوع المعونة الخارجية – كم تكون وأي معيار يجب استخدامه – يصرف الانتباه عن عملية خلق الجوع، ويجعلنا ننسى أن التأثير الساحق للغرب على قدرة الناس على أن يصبحوا معتمدين على أنفسهم غذائيًّا لا يأتي من خلال المعونة بل من خلال تغلغل الغرب عسكريًّا واقتصاديًّا، ومن خلال الشركات في بلدانهم".(11)
هكذا استطاعت أمريكا والدول الغربية الكبرى الإيقاع بالعديد من دول العالم الثالث الفقيرة في فخ المعونات الخارجية، وتمكنوا من خلال هذه الأداة الجهنمية السيطرة على العديد من مجريات الأمور، وتوجيه إرادة وسياسات هذه الدول لتحقيق أهدافها ومصالحها العليا، " فما من أحد درس بجدية سياسات المعونة للولايات المتحدة يمكنه أن يتهم البلاد بأنها طيبة القلب! وكما عبر عن ذلك أحد أعضاء مجلس الأمن القومي: (منح المعونة الغذائية للبلدان، لمجرد أن الناس جوعى هو سبب بالغ الضعف) لا، فالمعونة الخارجية شديدة الانتقاء بالفعل، وتذهب لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية الضيقة لمجموعات معينة في الغرب".(12)
وهكذا عشنا لفترات طويلة نعاني من فخ المعونات الخارجية، التي بها ومن خلالها امتدت الضغوط الغربية إلى أمس خصوصيات البلدان العربية والإسلامية، وما زال الغرب يمارس ضغوطه تحت غطاء المعونة بدعوى إحداث إصلاحات كما يحلو له أن يسميها، وبالرغم أن بلادنا تحتاج فعلًا إلى الكثير من أوجه الإصلاح والتغيير، إلا أن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع هي أن الإصلاح الذي تقصده الولايات المتحدة الأمريكية وتحالفها الغربي لا يقصد سوى ما فيه صالحها وصالح الكيان الصهيوني على حساب بلادنا وإرادة شعوبنا، ودون النظر إلى مصالحنا وقضايانا من قريب أو بعيد، وأن هذه الدول المانحة قد نجحت بالفعل خلال العقود السابقة في استخدام أداة المعونة لتحقيق ما سعت إليه.
وأما الآن فقد تحررنا وتخلصنا من أكبر عقبة أمام تقدمنا ونهوضنا الذي نستحقه، عقبة تمثلت في ثلة من اللصوص والفاسدين قد تحكمت لعقود طويلة في مقاليد البلاد والعباد، ثلة كان هدفها الكبير- وطالبت به وألحت عليه شروط المعونات الغربية - إحراق الأرض وتجفيف المنابع، ولن ينفعنا اليوم إلا اعتمادنا على الله تعالى، ثم على عقول وسواعد وإرادة أبنائنا، وليس ببعيد عنا تلك النجاحات والانجازات التي تحققت في العديد من البلدان الإسلامية على يد أبنائها، وكيف استطاعت هذه البلدان التقدم بخطوات بعيدة على طريق التقدم والنهوض، حتى أصبحت في عداد الدول المتقدمة في فترة وجيزة، كإندونسيا وماليزيا وتركيا...
فحين تُذكر المعونة، علينا أن نستدعي ما سبق ذكره في حقيقة المعونة والقصد منها، وكيف أنها كانت أداة خبيثة سيئة النية كما بينا، وأن سياساتنا وعلاقاتنا وتعاملاتنا مع غيرنا من الدول لا بد معها من وضوح الرؤية والحرص التام على احترام إرادتنا ومراعاة مصالحنا، وعلينا أيضًا حين تُذكر المعونة أن نتذكر قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )(13)، وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ."(14)، قال الحافظ في الفتح: "قال الْخطابِيّ: "هذا لفظه خبر ومعناه أمر، أي: لكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحية الغفلة فينخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاهما بالحذر ... وقال أبو عبيد، معناه: لا ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه أن يعود إليه".(15)
----------------------
* باحث شرعي، ومحاضر بعدة جامعات إسلامية بالولايات المتحدة الأمريكية f.shaddad2000@gmail.com
---------------
الهوامش:
( ) صناعة الجوع ( خرافة الندرة ) – سلسلة عالم المعرفة – ص341– العدد (64) سنة 1403هـ - 1983م. ترجمة أحمد حسان .
(2) المصدر السابق - ص332.
(3) المصدر السابق: ص 343 – بتصرف بسيط.
(4) قذائف الحق – الشيخ محمد الغزالي – ص 218 - بتصرف بسيط .
(5) الغارة الجديدة على الإسلام .. بروتوكولات قساوسة التنصير – دكتور محمد عمارة – ص 13 - 14 .
(6) مجلة قضايا دولية – مقال بعنوان: المؤتمرات الدولية العملاقة .. ظاهرة جديدة لفرض القيم والنظم الغربية– ص 47 – العدد (300) السنة السادسة – بتاريخ جمادي الأولى 1416هـ- أكتوبر 1995م .
(7) يقصد بيتر تيلور بقوله " بلدان المركز ": أي البلدان الغنية في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا واليابان، وأما بلدان الأطراف: أي البلدان الفقيرة في العالم الثالث، انظر: الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر – بيتر تيلور، كولن فلنت - 2/48 - سلسلة عالم المعرفة – العدد (282) يناير 1978م. ترجمة د. عبد السلام رضوان، د. إسحاق عبيد .
(8) قال المؤلف في معنى " الجيوبوليتيكا ": لهذا التعبير معنيان، أولهما: الممارسة السياسية (لبلد ما) كما حدد من خلال سماتها الجغرافية ومواردها البشرية، وثانيهما: العلم الذي يبحث في ذلك – المصدر السابق: 1/91.
(9) المصدر السابق: 1/233 .
(10) احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام - د. سعد الدين السيد صالح – ص277، نقلًا عن: لعبة الأمم – ميلز كوبلاند – ص 55 .
(11) صناعة الجوع – مصدر سابق: ص 463 – 464 - باختصار.
(12) المصدر السابق: ص293- 294.
(13) سورة التوبة: من الآية 28.
(14) رواه البخاري في صحيحه 8/31(6133) كتاب الأدب – باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وفي "الأدب المفرد" 1/435(1278)، والإمام مسلم في صحيحه 4/2295(2998) في الزهد – باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وابن حبان في صحيحة 2/437(663)، وأبو داود في سننه 4/266(4862)، وابن ماجة في سننه 2/1318(3982،3983)، والدرامي في سننه 3/1830(2823)، وعبد بن حميد في "المنتخب" 1/240(735)، والطبراني في"الأوسط" 7/34(6769) وفي "الكبير" 12/287(13138) من طريق الفضل بن دُكين، بهذا الِإسناد، والبيهقي في "الكبرى" 6/520(12839) وفي "شعب الإيمان" 13/338(10450)، وفي "الآداب" 1/149(355)، والأصبهاني في "أمثال الحديث" 1/44(10)، والبغوي في "شرح السنة" 13/87(3507)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 4/96(1463)، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/169(1175).
(15) فتح الباري شرح صحيح البخاري – الإمام أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي( 773هـ 852هـ) – 10/530 - دار المعرفة - بيروت - لبنان- سنة 1379هـ- ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وتحقيق محب الدين الخطيب - باختصار.