مع الإعلان عن فتح باب الترشح للرئاسة بدأ الحديث يتزايد عن المرشح الأنسب لتحمل تبعات حكم مصر العربية والإسلامية، والتي هي بحق القلب النابض لشقيقاتها من الدول العربية والإسلامية.

 

ويتسم هذا الحديث بالتوجس تارة والخيفة تارة أخرى، خاصة أننا مقبلون على عملية سياسية حقيقية لم تشهدها البلاد من قبل، وإن شئت سمها ثقافة سياسية لم تطبق عمليًّا لاختيار مَن يتولى حكم البلاد.

 

وإن كان هذا شيء نخجل من البوح به لكنها حقيقة لا بد من التأكيد عليها، ويتبارى المزمعون على ترشيح أنفسهم في محاولة الوصول لرجل الشارع ببرامج وبنود تمت تعبئتها بمثاليات تذكرنا بالمدينة الفاضلة، والتي إن تم تحقيقها على أرض الواقع سوف نرى واقعًا مضيئًا نستطيع من خلاله في غضون سنوات معدودات أن نقف على قدم المساواة مع الدول الكبرى.

 

لكن لي ملاحظة وإشارة:

أما الملاحظة فهي أنهم يتحدثون من خلال برامجهم وأحاديثهم من منطلق نظري بحت قد يجافي في بعضه- إن لم يكن في أكثره- الواقع الذي نحياه، وأرى أنهم يسيئون للمواطن من حيث يريدون الإحسان إليه، عندما يتحدثون عن هذه البرامج الطموحة، ويلقون بعبء تنفيذها على أنفسهم دونما تلويح، ناهيك عن التصريح بأن المواطن جزء من هذه المعادلة البنائية الإصلاحية.

 

ولم لا أو ليست هي بلاده التي انتفض من أجلها وقام ليخلصها من طغيان جثم على صدورها طيلة ثلاثين عامًا متوالية، فلم لا يكون شريكًا في عمليات البناء والإصلاح، أم أنه كتب عليه أن يبقى سلبيًّا في وطنه؛ حيث تدار مقدراته وتتفاعل معطياته دونما أدنى مشاركة منه؟.

 

وكيف يتم تحقيق هذه البرامج دون مشاركة السواد الأعظم من هذه القاعدة العريضة للشعب الذي لن يقبل بأن تكون لهجة التعامل معه هي التهميش أو الإبعاد لأنه شريك أصيل في هذا الوطن، وهو قادر مع وجود قيادة رشيدة واعية ملتزمة بأساسيات القيادة وفنونها أن يتحمل تبعة نهضة البلاد وتقدمها والخطو بها إلى الأمام في ظل عالم متشابك العلاقات، يوجب عليه هو أيضًا أن يكون متفاعلاً مع مجتمعه في منظومة علائقية تنموية سليمة.

 

أما الإشارة فهي حقيقة لا بد للحاكم أن يتغياها في ممارسته لمسئولية الحكم، ألا وهي العدل والإنصاف بين الناس، والتي بها صلاح البلاد والعباد.

 

وتزخر الأدبيات الإسلامية بآثار كثيرة تؤكد مكانة العدل وأهميته؛ حتى إنك لو عقدت مقارنة بين الشريعة الإسلامية والنظم الوضعية فيما يتعلق بالعدل فلن تجد للعدل ذكرًا في القوانين الوضعية إلا في ميدان القضاء.

 

أما الشريعة الإسلامية فلقد اهتمت بهذا المبدأ وكرست له في نصوصها وأدبياتها له في كل مناحي الحياة، ومع كل إنسان أيًّا كانت ديانته أو انتماؤه.

 

ولا أدل على ذلك من نص المولى سبحانه عليه في كتابه لما تحدث عنه جملة فقال سبحانه: (اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) (النحل: من الآية 90)، ولما أوجبه في شئون الأسرة لما قال سبحانه: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (النساء: من الآية 3)، ولما أوجبه كذلك في وثائق الإثبات لما قال سبحانه: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) (البقرة: من الآية 282).

 

بل لقد خصَّ الله الحكام العدول بخاصية لم يخصص بها أحدًا سواهم، ألا وهي أنهم مظللون بظله يوم لا ظل إلا ظله، بل إن الإمام العادل هو أول المظللين بنص الحديث.

 

وعندما نتحدث عن الحكام العدول تتبادر إلى الأذهان صورة حاكمين عدلين أولاهما جد لثانيهما؛ أما الأول فهو صاحب الموافقات الإلهية الذي كان يتنزل القرآن بلسانه، وهو الخليفة الثاني سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وأما الثاني فهو أشج بني أمية الخليفة الخامس وصفًا لا عددًا سيدنا عمر بن عبد العزيز.

 

أما سيدنا عمر بن الخطاب فلقد علم الحكام كيف تكون المسئولية، مؤكدًا أنه لا وساطة ولا شفاعة في الحكم، بل لم يسع يومًا لتوطين الحكم وثوريثه.

 

فحين دعي للقاء ربه واقتربت اللحظات التي سيودع فيها دنيا الناس، وكانت مشغلته الكبرى هي اختيار من سيسلمه الأمانة والزمام، اقترب منه المغيرة بن شعبه قائلاً له إنه عبد الله بن عمر، فانتفض عمر وقال: (لا أرب لنا في أموركم، إني ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كانت خيرًا فقد أصبنا منه، وإن كانت شرًّا فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل ويسأل عن أمر أمة محمد، إلا إني قد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافًا لا وزر ولا أجر أني لسعيد)، بالله ما أتقاه وما أنقاه وما أبرّه وما أطهره.

 

وأما ثانيهما فلو لم يكن له من مظاهر عدالته إلا أنه حدد مواصفات الحاشية في خمس مواصفات لكفاه هذا التحديد، وقد رأينا ما حل ببلادنا بسبب سوء الحاشية، وما أحدثته من سوءات لا تزال البلاد تعاني منها.

 

وكأني بالخليفة العمري الحفيد قد فطن لمساوئ الحاشية، لذا حدد لها هذه المواصفات الخمس:
أولاها- يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها.

 

ثانيها- يعيننا على الخير بجهده.

ثالثها- يدلنا إلى الخير الذي لا نهتدي إليه.

رابعها- لا يغتابن أحد عندنا.

خامسها- لا يعرضن فيما ليس له.

وكما حث المولى سبحانه على العدل وحض عليه نهي عن الظلم وقبحه في آيات متعددات، منها قوله سبحانه: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)) (الشورى).

 

ولقد ضرب لنا التاريخ الإسلامي نماذج كثيرة لأناس جابهوا الظلم والطغيان، ووقفوا موقف حق عند حكام جائرين، منهم على سبيل المثال لا الحصر سيدنا سعيد بن جبير، الذي لما عدد العلماء أئمتهم قالوا أعلم الناس بالطلاق سعيد بن المسيب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاووس، وبالتفسير مجاهد بن جبر وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير.

 

الذي جاءوا به لطاغية زمانه الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل أمة بذنوبها وجئنا بالحجاج وحده لرجحت ذنوبنا.

 

وكانت لسعيد بن جبير مواقفه المعارضة للبيت الأموي وللحجاج، فسلك الحجاج معه كل المسالك ولما يئس منه، قال لزبانيته اذبحوه فقال سعيد بن جبير أما أنا فأشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله خذها مني تلقاني بها يوم القيامة، اللهم لا تسلطه على أحد من خلقك يقتله من بعدي، فمات ولسانه رطبًا بذكر الله.

 

أما الحجاج الطاغية ما هنئ بعدها بنومه، وكان يستيقظ من نومه فزعًا وهو يقول: رأيت سعيدًا ممسكًا بثيابي ويقول لي لأسألنك غدًا أمام الله فيم قتلتني.

 

لذا فلا يبقى بعد هذه الإشارة التي اشتملت على حقيقتين هامتين ولازمتين في كل زمان ومكان إلا رسالة أوجهها لحاكم مصر القادم، فأقول له: إن اقتفيت أثر الحكام العدول خلدك التاريخ بين جنباته في صفحات بيضاء لا يصيبها يومًا زيف أو بطلان، ناهيك عما أعده الله للحكام العدول من خاصية لم يخصص بها سواهم.

 

أما إن انحرفت عن الجادة والصواب وغرتك الدنيا وزينتها وبهجتها فلك في الحجاج وبن علي ومبارك والقذافي وصالح العظة والعبرة، وأبشر عما قليل بخزي أو طرد أو سجن أو سحل أو خلع وفي كل سوء، وتبقى حسن العاقبة للمتقين.

---------------------

* Princemoby.12@yahoo.com