في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر بن الخطاب إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهبًا أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله".
إن هذه الجلسة التي حكاها لنا التاريخ بين عمر بن الخطاب وصحبه لها دلالات كثيرة ما أحوجنا إليها منها:
أن عمر أراد أن يطمئن على رعيته فسألهم عن أمنياتهم في الحياة ليعرف مدى قربهم من أحكام الدين وتعاليمه أو بعدهم عنه؟ هل ما زالت الآخرة هي همهم الأعظم وغايتهم الكبرى أم غرتهم الدنيا ومالوا إلى نعيمها؟ إن عمر يريد أن يطمئن أن الهدف الذي أسلم عليه الصحابة وباعوا من أجله المال والولد والوطن ما زال أصيلاً في نفوسهم لم ينحرفوا عنه ولم تطمس معالمه مع طول العمر وإقبال الدنيا.
إن معرفة الطموح الذي يسعى إليه الإنسان والأمنية التي ينشدها هي معبر حقيقي عن الشخصية ومؤشر على علوها وكمالها ونضجها أو ضحالتها وسقوطها لو سُئل شخص ما عن ما ماذا يريد؟ فكانت إجابته: لاعب كرة مشهور، أو ممثل معروف، أو رجل أعمال بارز إنها إجابة تدل على تفكير محدود يلبي رغبة نفسية في امتلاك المال والشهرة والحب المفرط للذات!!
أما لو كانت الإجابة: عالم بارز في تخصص ما أخدم به أمتي وأنفع به وطني إنها أمنيات كبيرة تنبئ عن نفوس عظيمة عشقت معالي الأمور وأبت إلا أن تعيش فوق القمم وتتربع على هاماتها، هكذا كانت أمنيات الصحابة كل ما يشغلهم نصرة الدين وحراسته والتقرب بكل ما يرضي الله تعالى عنهم.
لم تكن أمنيات فردية- أريد شقة، أو سيارة، أو حتى زوجة.... هذه مطالب محدودة تأتي متأخرة في سلم الأولويات، كانت أمنية عامة يكثر نفعها ويعظم أثرها "لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهبًا"، "لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا".
كلهم يتمنون أن يحوزوا أثمن وأغلى ما في هذه الدنيا من المال لا ليكنزوه ولا ليشتروا به مكانة مزيفة، ولا ليخربوا به الذمم، ولا يكون لهم سبيلاً إلى كل محرم؛ إنه المال الذي يصلحون به أمر الدنيا، ويقيموا به العدل ويطعموا الجائع ويكسوا العاري ويحرروا به الإنسان من قيد العبودية كل ذلك جاء في قولهم: "أنفقه في سبيل الله وأتصدق به".
الأمنية العمرية:
"أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله".
لماذا لم تكن أمنيته ذهبًا وفضة مثل من سبقوه؟
أولاً: لأنه إذا توفر هذا المعدن النفيس وهذه العملة النادرة فإنها قادرة بما وهبها الله تعالى من صفات نفسية وعقلية وبدنية أن توجد كل مقومات النهضة ومتطلبات الإصلاح وكما قال الإمام حسن البنا: "إذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه أسباب النجاح جميعًا"، إن مصر الآن قد وضعت قدمها في سلم الأمم الناهضة بثورتها المجيدة، وإن أول ما ينبغي علينا فعله والتفكير فيه أن نحسن صناعة الرجال وبناء الشخصية الصالحة واستثمار موارد الدولة ومرافقها في التعليم والإعلام والأسرة لإيجاد هذا الطراز.
ثانيًا: أن الرجولة الحقة والشخصية الصالحة والنفسية العالية التي يعول عليها الناس في إصلاح دينهم ودنياهم عملة نادرة فعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "إنما الناس كإبل المائة لا يوجد فيها راحلة" ابن حنبل في مسنده ج 2/ ص 44 حديث رقم: 5029 والرجل الكفاءة قد يساوي الكثير وقد يزن آلاف الناس وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.
وقد حاصر خالد بن الوليد (الحيرة) فطلب من أبي بكر مددًا، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي وقال: لا يهزم جيش فيه مثله، وكان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل!
ولما طلب عمرو بن العاص المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فتح مصر كتب إليه: (أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد).
ومن أمثلة الرجال الذين تمنى عمر أن تمتلئ بهم الأمة "أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة".
لماذا نص على هؤلاء الثلاثة؟
بشيء من دقيق النظر تدرك أن أبا عبيدة بن الجراح رجل كان قائدًا ناجحًا وسياسيًّا محنكًا يمتلك بجانب الخبرة والكفاءة الأمانة وطهارة القلب واليد قال عنه- صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه الترمذي- عن أنس بن مالك: "لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" وعن كفاءته قال أبو بكر للأنصار في يوم السقيفة: "قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح"، وهي نفس الشهادة قالها عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة: "لو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته فإن سألني ربي غدًا قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله".
أما معاذ بن جبل فهو العالم المتضلع بالقرآن والفقه قال عنه النبي- صلى الله عليه وسلم- أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل.." أسد الغابة جـ1 ص 30= وبعثه النبي- صلى الله عليه وسلم- قاضيًا على أهل اليمن وقال لهم: "بعثت لكم بخير أهلي...".
أما سالم موالى أبي حذيفة فهو أحد حفظة القرآن ومصدر معتمد ومرجع مهم في حفظ القرآن ومعرفة وجوه قراءته قال عنه- صلى الله عليه وسلم-: "استقرؤوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" رواه البخاري ومسلم وقال عنه عمر: "لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا لاستخلفته".
إن الثلاثة يمثلون شرائح مختلفة فأبو عبيدة يمثل طبقة القادة ورجالات الحكم وخبراء السياسة، ومعاذ بن جبل يمثل العلماء الربانيين، والفقهاء والدعاة المصلحين والمثقفين النابهين، وسالم يمثل طبقة العمال الكادحين والموظفين المخلصين كأنه يقول في اختياره هذا:
إن الأمة إذا أرادت أن تستيقظ من غفلتها وتفيق من سكرتها وتتبوأ مكان الصدارة فعليها أن يكون على رأس كيانها رجال أكفاء أمناء كأبي عبيدة: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: من الآية 26)، وقال أيضا: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: من الآية 55)، وأن يكثر فيها العلماء والفقهاء والكتاب وأصحاب الرأي ليكونوا رقباء على الحكام ونصحة للسلطان ومعلمين ومربين للأمة كمعاذ بن جبل "استقرؤوا القرآن من أربعة...".
وأن تكون ثقافة الكفاءة والتميز هي السائدة بين أبناء الأمة وأن يصبح كل واحد قادرًا على أداء مهمته وأن يدفع إلى هذه الأمانة أصحاب العلم ولو كانوا أوضع الناس نسبًا وأقلهم حسبًا وأفقرهم مالاً وجاهًا وجمالاً كسالم مولى أبي حذيفة وصدق من قال: "يا له من دين لو كان له رجال"
الرجولة ليس لها علاقة بالسن:
لأنها قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور والبعد عن سفاسفها وقد ترى أناسًا سمانًا أصحاب ثروة وجاه لكن خلت نفوسهم من كل فضيلة فأولئك قال فيهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" (صحيح).
وصدق الله العظيم إذ يقول: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (الكهف: من الآية 105).
الرجولة معناها أن تعرف حقك ولا تفرط فيه عن سهل بن سعد قال: عن ابن عباس قال: "دخلت مع رسول الله على خالتي ميمونة ومعنا خالد بن الوليد، فقدمت إلينا ضبابًا مشوية، فلما رآها رسول الله تفل ثلاث مرات ولم يأكل منها، وأمرنا أن نأكل، ثم أتى رسول الله بإناء فيه لبن فشرب وأنا عن يمنيه، وخالد عن يساره، فقال لي رسول الله: "الشربة لك يا غلام وإن شئت آثرت بها خالدًا". فقلت: ما كنت لأوثر بسؤر رسول الله أحدًا" (شرح صحيح البخاري لابن بطال جـ8 ص 75).
فعبد الله بن عباس يعرف أنه صاحب الحق في الشرب أولاً وهو إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن وإن كان الطالب هو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولذا رأيناه يقول بلغة الأدب والحب: "ما كنت لأوثر بسؤر رسول الله أحدًا" هذا ما نريده من شبابنا وبناتنا وكل أفراد مجتمعنا أن يعرفوا حقوقهم ولا يفرطوا فيها مهما كلفهم ذلك.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.