في مثل تلك الآونة منذ ثمانية أعوام أتممت مسودة كتابي "أطواق النجاة لأمة تغرق" وعرضتها على العديد من دور النشر، فتخوفَت بعد قراءته أن تنشره، في ذات الحين ولكوني- بفعل فاعل- لست أحد مشاهير الكتَّاب راودتني فكرة أن أبحث عمن يمنح كتابي خاتم الجودة والصلاحية، وفي نفس السياق وجدتني أطمح إلى توافق وطني بين القوى السياسية حول صلاحية ما ورد بالكتاب من سياسات ورؤى؛ تهدف إلى إنجاز نهضة كبرى لمصر، تتبعها بالضرورة نهضة لأمتنا العربية والإسلامية؛ فكيف يكون لي هذا؟!
خلصت إلى حتمية أن يكون مانحو أختام الجودة والصلاحية من رموز القوى والتوجهات السياسية المختلفة، ولكن أنى لهذه الحتمية أن تتحقَّق وكثير من هؤلاء الرموز رافض من حيث المبدأ لانتماءات الآخر وتوجهاته؟ إذن كان لا بد لي أن أخفي عن كل رمز نيتي في مقابلة الرموز الأخرى!! خلصت أيضًا إلى أن هذه الرموز لا بد أن يكون في طليعتها القوة السياسية الكبرى في مصر والعالم العربي والإسلامي؛ ألا وهي الإخوان المسلمون، رغم يقيني أن مجرد الاقتراب من هذه القوة تهمة موجبة للعقاب إن لم يكن بالقانون فبدونه، كما كان لا بد أن يكون ضمن هذه الرموز رمز ناصري اشتراكي وآخر رأسمالي منفتح، وثالث قانوني، ورابع علمي أكاديمي، وخامس مسيحي، أي أنني بصدد ستة رموز حددتهم على الترتيب في فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف، والأستاذ الدكتور عزيز صدقي، والأستاذ الدكتور عبد العزيز حجازي، والسيد المستشار عوض المر، والعالم الدكتور أحمد زويل، والبابا شنودة الثالث، وجميعهم أعرف من أن يعرفوا.
في إيجاز شديد لم أوفَّق سوى لمقابلة فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف والأستاذ الدكتور عزيز صدقي والأستاذ الدكتور عبد العزيز حجازي؛ حيث توفي الدكتور عوض المر في تلك الآونة، كما كان البابا شنودة في اعتكاف بأحد الأديرة، ولكنني أرسلت إليه فيما بعد بنسخة من الكتاب مع أحد الزملاء المسيحيين، ولا أدري هل تسلمها أم لا، كما لم يتيسَّر لي مقابلة الدكتور زويل، ولكنني أرسلت إليه فيما بعد بنسخة في إحدى محاضراته بالجامعة الأمريكية، ولا أدري كذلك هل وصلته أم لا!!.
أبدأ إذًا بلقائي مع فضيلة الأستاذ عاكف، والذي لم يزد عن ثلث الساعة، وكان مفعمًا بالودِّ والجرأة والصدق؛ حيث أثنى خلاله الأستاذ عاكف شفاهةً على مضمون الكتاب ثم زاد في الثناء بكلمته المحررة إلى حدٍّ لا أملك حياله سوى وصف هذا الرجل- كما أسلفت في أحد مقالاتي- بأنه الأنقى والأصدق والأجرأ بين من قرءوا الكتاب أو قيَّموه شفاهةً أو تحريرًا.
ثم أنتقل معكم إلى لقائي بالدكتور عزيز صدقي (رحمه الله) في مكتبه بحي الزمالك، وهو لقاء لا شاهد عليه سوى الله وكفى به شهيدًا، لم يتجاوز ربع الساعة، تفضل فيه الراحل بالثناء على مضمون الكتاب، واعتذر عن كتابة تقديم له، قائلاً: "يا ابني أنا أهنئك على الكتاب، ولكنني إنسان منتهي الصلاحية"، ثم دار بيننا حوار سريع عن ماضينا وواقعنا السياسي، أنهاه بسؤالي: هل تظن أن مصر صارت في حاجة إلى ثورة جديدة؟! فأجبته: نعم، فنظر إلي في تعجب، فأردفت: ولكنني أتمني أن تكون ثورة فكر وقيم وليست ثورة عضلات؛ لأن الأخيرة في ظل واقعنا الأمني تعني أن بحارًا من الدم سوف تجري في شوارع مصر.
ثم أنتقل معكم أخيرًا إلى لقائي بالدكتور عبد العزيز حجازي في مكتبه بحي الدقي، وهو لقاء استمر ساعةً كاملةً، رغم أنني طلبت الانصراف بعد نصف الساعة من بدايته تقديرًا لوقت سيادته، ولكنني أشهد للدكتور حجازي بالكرم والوداعة والتواضع المحمود، وقد تطرق هذا اللقاء أيضًا إلى تقييم لا يخلو من مقارنة لعهد عبد الناصر وشخصه وعهد السادات وشخصه وعهد مبارك وشخصه، إلا أن أمرين استوقفاني في هذا اللقاء:
- أن الدكتور حجازي سألني في معرض حديثه عن عهد مبارك.. هل تظن أن مصر صارت في حاجة إلى ثورة جديدة؟! سبحان الله!! فأجبته نفس إجابتي على الدكتور صدقي، ثم اختتم اللقاء بثنائه شبه التام على مضمون الكتاب؛ حيث وصفه بأنه يكاد لا يترك قضية من قضايانا إلا وقدَّم لها حلاًّ بأسلوب وصفه بالأدبي المتميز، إلا أنه نقد الكتاب في جزئية واحدة؛ ألا وهي قسوة أسلوبي في الحكم على عهد ورجال ثورة يوليو، وقد وعدته بأنني سأراعي ذلك في مسودة الكتاب قبل الطباعة؛ عساني أكون بالفعل قد تجاوزت.
- ثم إذا به يتوجه إلي بكلمة صدق أخيرة- لا أنكر أنها أزعجتني وإن لم أُبدِ له ذلك- يخبرني فيها أنه لن يذكر في مقدمة الكتاب ما ذكره شفاهةً في اللقاء من ثناء شبه تام على مضمونه لحساسية موقفه، فأجبته صادقًا بأنني مقدر لذلك، ولكنني أيضًا أقولها بكل الصدق إنني لم أتوقع ما جاء بكلمته المحررة والتي نشرتها من باب الأمانة في مقدمة الكتاب، رغم أنها لم تعد بحساسيتها تمثل خاتمًا للجودة والصلاحية كما كنت أتمنى.
وإلى لقاء قادم عبر مقال جديد بمشيئة الله، وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا بمصر ولها.
----------