خضت تجربة قاسية قبل أيام، أبعدتني قسرًا عن عالم الصحافة، وهي تجربة لا تمثل أنينًا خاصًّا، بل هي جزء من الأنين العام، الذي يعاني منه ملايين الشباب المتزوج؛ حيث انتقلت من منزل إلى آخر، بعد قرب انتهاء مدة التعاقد بحسب قانون الإيجار الجديد.
انتقلت من حي أرض اللواء بالعجوزة إلى أكتوبر بعد أن اكتشفت أن فارق الإيجار ليس كبيرًا، وأن التوحش في الأسعار، يحتاج إلى ثورة جديدة، ترحم أجيالاً وراء أجيال من عنت وظلم.
وخلال هذه التجربة، دار الحديث مع قطاعات عدة حول قانون الإيجار الجديد ومشاكل العمال وأزمات الإسكان والتي تحتاج إلى تصدي برلمان الثورة لها وكل من يهمه الأمر بعده، لنسدل الستار على جريمة لم يعاقب عليها مبارك وعصابته بعد وهي "إفقار الشباب المصري وتكبيده فوق طاقة البشر".
عم "حسن"، سائق عربة نقل الأثاث، تخطي الستين من عمره، يسكن في شقة بالإيجار القديم بأربعة جنيهات، تعجب من قدرة الشباب على تحمل عناء قيمة الإيجار الجديد المبالغ فيه، وطالب بمحاكمة مبارك على ما فعله في هذا الشباب، الذي يتزوج في شقة، ويعمل ليدفع قيمة الإيجار للمالك وكأنه يعمل عنده!.
عم "حسن" أشار أيضًا إلى مئات الآلاف من الشقق السكنية التي يرتع فيها الهواء، بسبب عدم قدرة الشباب على السكن فيها، ويستنكر أن يبني أحد عمارة برخص التراب، ويجمع منها الملايين في شقق الإيجار الجديد غير مبال بالشباب الغلبان.
الأسطى "ياسر"، "صنايعي" من عمال التراحيل، مقر عمله أمام مسجد الحصري، جاء لينهي "إصلاحات" في المنزل الجديد الموقع تحت مظلة قانون الإيجار الجديد، محملا بهموم أقرانه، الذين لا يجدون تأمينًا صحيًّا، ولا مظلة نقابية تحميهم من وعثاء الحياة والإصابات المقعدة.
وجه آخر للمعاناة الشخصية التي تمثل جزءًا من الأنين العام، بالإضافة إلى عبء النقل والترتيبات، هي أن العمال يتعاملون معك على قاعدة "من أنت وماذا تعمل؟" ليحددوا أجرتهم، غير ناظرين لقيمة العمل ذاته، وهي أزمة ضمير تحتاج إلى إصلاح عمالي.
قانون الإيجار الجديد أيضًا وجه معاناة شديدة، تحتاج إلى تصدٍّ سريع من أعضاء البرلمان، لوضع قانون عادل يراعي ظروف الشباب، والعهد الجديد، بالتزامن مع حملة إعلامية واسعة لتغيير مفاهيم استقرت في العهد البائد وتقديم حلول تراعي ظروف المجتمع.
وقانون الإيجار الجديد غير بعيد "التمليك"، لأن الاستقرار يحتاج إلى شقة تمليك، وفي ظل توحش الأسعار الحالي، قد يأتي التمليك لأحدنا بعد الستين ربيعًا، بعد رحلة عمل شاقة، في الداخل أو الخارج.
إن مصر الثورة يجب أن تغير مفاهميها على أرض الواقع، وأن تصل إلى أبنائها إيجابيات الثورة، وليس سلبيات تأخير المرحلة الانتقالية التي تغتال يوميًّا من قيم الثورة النبيلة الكثير تحت وطأة الأحداث.