(1) مدخل: النور نهائي والتغيير داخلي
هل فكر أحد يومًا في الربط بين كون الإسلام هو النسخة النهائية والخاتمة من الدين الإلهي وبين آليات تغيير سلبيات الحياة في رحلة تقدمها في الزمن؟
وهل فكر أحد يومًا في حل هذا الإشكال؟ كيف تستقيم حياة الإنسانية وهو تتطور في ظل شريحة ظاهرة منها جهاز الفساد في الوقت الذي حكم ربنا سبحانه بتوقف الوحي الواصل من السماء إلى الأرض.
لا بد والأمر هكذا أن يكون إجراء التغيير داخليًّا ذاتيًّا وهو ما نصبو إلى فحصه الآن.
عرفت الشريعة الإسلامية منذ أعلنت قيامها بواجب إرشاد الحياة، وتوجيهها، وقيادتها جهازًا داخليًّا ذاتيًّا يرعى تصحيح كل خلل يظهر في حياة الناس.
وهذا الجهاز في حركته التصحيحية الإيجابية يتحرك في طريق ترسم معالمه ثلاث خطوات متراكبة يبدأ مسيره من إدراك تصور جلي للحياة والوجود والكون قطره الأصوليون جميعًا في كليات ظاهرة، وزاد من تقطيرها بعض المعاصرين في التوحيد والإعمار وتزكية الإنسان، ويتحرك هذا الجهاز على ضوء من هذا الوعي ليراقب حركة الحياة والعمران داعمًا لما توافق مع التصور نافيًا ما يتصادم معه.
ويعاكسه ويؤخر أثره في حياة الناس.
وهو الجهاز الذي ابتكره الإسلام وسمته الأدبيات الفقهية والحضارية عند المسلمين باسم الحسبة الإسلامية، وظهور هذا الجهاز إعلان ظاهر على أنه ما دام أن النور نهائي فلا بد أنه لن ينطفئ ولا بد أن التغيير ذاتي وداخلي ومستمر!.
ومنطقي أن يتطور عمل جهاز الحسبة الإسلامية بتطور عمران المجتمعات الإسلامية نفسها، وهو إنما يميل بنا إلى أن نقرر أن ثمة آفاقًا جديدة ورحبة يملكها هذا الجهاز بطبيعة تكوينه بما هو ذراع في يد الشريعة لتصحيح مسيرة حياة الإنسان في جزء من حركته في الحياة.
(2) الحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة من الانكماش إلى التمدد والازدهار
الذين يدرسون تراث مصنفات الحسبة في الحضارة العربية الإسلامية يلحظون تضخمًا واضحًا في إجراءات مقاومة الانحراف وأشكاله التي تهدد بدن الإنسان بما أن تأمين هذا البدن غاية كلية ثابتة رعاها الذكر الحكيم منذ بدء نزول الوحي بشهادة القرآن المكي الكريم يقول تعالى (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)) (قريش).
أولاً: جاء طلب عبادة الرب بعد تاريخ طويل من تأمين الحياة الإنسانية في بعديها البدني والروحي (طعام/ أمن).
ثانيًا: أن التكليف والأمر به كان بعد تهيئة أجواء الحصول على عادة تأمين الحياة الإنسانية والوصول بها إلى مرحلة الإلف والعادة (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ...).
ثالثًا: وربما أمكن أن نقرر أن ذلك لم يكن إلا بعد تهيئة أجواء الحصول على مادة، قامة حياة الإنسان وقد أحاط بها وحفها أجواء ترعى قدرًا من المتعة والرفاهية (رحلة شتوية/ وصيفية).
وهذا التضخم في إجراءات مراقبة الأسواق ومنتديات العمل وحركة الجماهير المسلمة يبدو واضحًا لأهمية حفظ البدن وتقدمه في سلم أولويات الإنسان.
لكن ذلك لا يعني أن الحسبة الإسلامية بما هي حركة لمحاصرة المنكر والخطأ ودعم المعروف والصواب كانت وقفًا أو حكرًا على حركة السوق بمعناه الواسع العام.
لقد ظهرت ملامح من عناية الحسبة الإسلامية بترشيد حركة الإنسان في ميدان العلم والعقل والتهذيب والمؤسسات القائمة على رعاية أمورها.
مما يصح معه أن نقرر أن الحسبة الإسلامية تملك رصيدًا جديدًا من الحركة في مجال العلم والمعرفة يمكن استثماره وتطويره والدفع به في آفاق جديدة.
في الكتاب الذي صنفه الماوردي علي بن محمد بن حبيب الشافعي (364- 45-هـ) بعنوان (الرتبة في طلب الحسبة)، وما يرهن على ما نذهب إليه.
لقد توقفت أمام عدد من الفصول في هذا الكتاب يمكن أن تعد بداية صالحة للتطور والبناء عليها لنخرج بتطبيقات معاصرة للحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة وهذه الفصول أو الأبواب هي (من السادس والأربعين إلى التاسع والأربعين في ترتيب الكتاب):
أولاً- في الحسبة على مؤدبي الصبيان.
ثانيًا- في الحسبة على القومة والمؤذنين.
ثالثًا- في الحسبة على الوعاظ.
رابعًا- في الحسبة على المنجمين وكتاب الرسائل.
والتوقف أمام هذه الأبواب الأربعة تعيينًا بما ضخمه في داخلها من تفصيلات يدخل بعضها في الصميم من العمل العلمي والمعرفي وتوجيه أمره وإنكار المنكر منه ودعم المعروف منه- مدخل صالح للقول بأن تراث الحسبة في التأليف الإسلامي يمتلك البدايات التي يمكن البناء عليها واستثمارها لتطوير نظام إسلامي للحسبة في مجال العلم والمعرفة ينهض بما توافر من وصف أمة الإسلام بالأمة الشاهدة والمصححة لمسيرة الأفكار عند غيرها بحكم وظيفة كتابها الذي نص على قيامها بوظيفة الهيمنة على ما سبق من الكتب.
في هذه الأبواب الأربعة محاولة لرعاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تفصيلات علمية معرفية من مثل:
أ- التدرج في التعليم والبناء التراكمي المتدرج للعلم بداية بتعليم المتعلم قصار السور بعد مهارته في معرفة الحروف وضبطها ثم تعليمه أصول الحساب ومنع المتعلم من حفظ الأشعار الماجنة إلى غير ذلك.
ب- مراعاة قراءة القرآن كما أمر سبحانه ومحاربة تلحين القراءة تلحين الأغاني والأشعار.
ج- مراعاة حال الوعاظ في علمهم وحفظهم ومروياتهم وصحتها.
د- محاصرة البدع بالتنبيه على أدلة حرمتها.
صحيح أن هذه الحسبة في مثل ما مرت به من مشكلات كان من باب حياطة النظام العام في المجتمع الإسلامي، وصيانته بما يحفظ سلامة الاجتماعي وتحقيق سمته وهويته وحفظ مقاصد الشريعة في الدين والعقل والنفس لكن ذلك لا يمنع أنها تفصيلات تأسست على مراعاة الشأن العلمي والمعرفي بما هو ظاهر فيها بشكل أساسي بل ربما أمكن أن نقرر في غير ما شطط أن نشأة علم الجرح والتعديل مثلاً من أصرح الأمثلة على تطبيقات الحسبة في مجال العلم والمعرفة.
(3) مجالات تفعيل الحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة
وقراءة جانب من حياة التصنيف العلمي في الحضارة الإسلامية تقود إلى إمكان القول بأن ثمة تطبيقات علمية يمكن أن تمثل أساسًا لما سميناه بالحسبة الإسلامية في مجالات العلم والمعرفة وفيما يلي: محاولة لرصد هذه المجالات توصلاً للعمل على تطويرها واستثمارها وتقنينها في الحياة المعاصرة.
أولاً- الاستدراك
التصنيف العلمي في غير مجال علمي ولا سيما في علمي الحديث واللغة مصنفات كثيرة رفعت عناوين مشتتة من الاستدراك.
من مثل المستدرك لأبي عبد الله الحاكم، واستدراك الغلط الواقع في كتاب العين لأبي بكر الزبيدي الأندلسي، وهي ومثلها دليل ظاهر على ما يمكن أن نسميه الأمر بالمعروف في المثال الأول والنهي عن المنكر في المثال الثاني بمعني أن ما حمل الرجلين على صنيعهما هو إرادة توسيع دائرة النفع فيما جمعه استدراكًا على أصحاب الكتب الحديثة الصحيحة وإرادة محاصرة الغلط بما هو منكر بالمعنى الواسع وإن لم يكن وقوعه مقصودًا في تصحيح أغلاط معجم العين.
ويدور في فلك هذا الفرع التطبيقي أغصان علمية من مثل:
أ- كتب التكملات في العلوم العربية الإسلامية كالتكملة للصغاني والتكملة للزبيدي (في المعاجم).
ب- كتب لحن الخواص وتصحيح ما يقعون فيه من أخطاء لغوية.
ج- كتب تصحيح الأوهام والأغلاط في العلوم العربية الإسلامية.
من مثل: إصلاح خطأ المحدثين للخطابي، وغلط الضعفاء من الفقهاء لابن بري المصري.
د- كتب التنبيه أو التنبيهات في المجالات العلمية المتنوعة
من مثل: التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها وضبطها تصحيف وخطأ في تفسيرها ومعانيها وتحريف في كتاب الغريبين لابن ناصر السلامي البغدادي وكتاب التنبيه على أوهام أبي على في أماليه للبكري وكتاب التنبيهات لعلي بن حمزة الذي نبه فيه على أخطاء الكامل للقالي والفصيح لثعلب والغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي وإصلاح المنطق لابن السكيت والمقصور لابن ولاد.
هـ- كتب الذيول
مما يعد داخلاً بشكل ما في المصنفات التي حملت عنوان (التكملة) ولعل التأليف في الطبقات والتاريخ والرجال أظهر الأمثلة للحسبة العلمية في هذا المجال تمديدًا لعمل الأوائل بما يتمم معروفها والانتفاع بها.
ولو توسع الإنسان وصنع دراسة مسحية لطرائق التأليف عند العرب والمسلمين لأمكن أن تزيد هذه القائمة النوعية بشكل ملحوظ عما هي عليه هنا الآن لكنها دالة بحالها هذه على توافر التطليقات التراثية للحسبة الإسلامية في مجال العلوم والمعارف بمعنييها جميعًا وأمرًا بالمعروف فيما كان من غرضه تتميم عمل اللاحق للسابق تكملة أو استدراكًا أو تذييلاً ونهيًا عن المنكر وتغييره فيما ظهر من إصلاح الغلط أو التنبيه عليه وتصحيحه مما كان مشغلة كثيرين من العلماء في مواجهة السابقين عليه.
(4) هل هناك إمكان لتطوير تطبيقات الحسبة في مجال العلم والمعرفة في العصر الحديث؟
إن هذا السؤال يبغي الكشف وإقامة المنارات الدالة على عدم انقطاع علامات العناية بالحسبة الإسلامية في مجالات العلوم والمعرفة في العصر الحديث وإن جنحت تطبيقاتها إلى محاصرة الأغلاط والأوهام والأخطاء وما انضاف إليها من ملاحقات السرقات العلمية تعيينًا.
صحيح أن الكثيرين ممن يقومون بهذا الواجب لم يظهر منهم في الغالب ربط ظاهر بين عملهم المتابع والمصحح وبين مفهوم الحسبة بما هو نهي عن المنكر ودرء للمفاسد الذي هو عين مفهوم هذا المصطلح الإسلامي.
لكن ذلك لا يعني غيابه غيابًا كاملاً يقول الدكتور سعيد عبد العزيز مصلوح في كتاب (في اللسانيات العربية المعاصرة: دراسات ومثاقفات) (عالم الكتب بالقاهرة سنة 1425هـ= 2004م، ص 199): "ولا بد أخيرًا من إحياء وظيفة الحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة".
وهذه الدعوة من هذا العالم الكبير جاءت عن وعي بما يربطها بالفكرة الإسلامية في عمقها عندما يقرر أن هذه الدعوة من جانبه كانت بسبب من إرادة حماية العقل التي هي من مقاصد الدين بإجماع أهل الأصول.
وفي هذا السياق أمكن أن تتكشف دوائر جديدة تمثل بدايات قوية على طريق هذا الإحياء للحسبة الإسلامية في هذا الميدان الخطير.
وبعيدًا عن قضية استحياء الضمير العلمي بمعنى ضرورة ألا يتدخل الإنسان أو يتتبع ما ليس من تخصصه، وعمله العلمي بوازع أخلاقي، وهو الأمر الذي شاعت الدعوة إليه في أعقاب كل قضية للسرقة العلمية، فإن من المهم هنا تقنين إجراءات الحسبة في العلم كما كانت مقننة قديمًا في مجالات مراقبة الأسواق والمصانع ومؤسسات الدولة.
وفيما يلي محاولة للإشارة إلى بعض من هذه المجالات التطبيقية المعاصرة في هذا الميدان المهم والفعال في حياة الأمة:
أ- تنقية علم نقد التحقيقات وتدريسه والتوسع فيه وهناك أئمة معروفون من المعاصرين بقيامهم بهذا الواجب العلمي من أمثال: محمود شاكر وعبد السلام هارون والسيد أحمد صقر وأحمد شاكر ومحمود الطناحي ورمضان عبد التواب وبشار عواد معروف وغيرهم.
ب- الإشراف الفعال على الكتاب الجامعي حماية من تفشي تشويه المعلومات وهو الأمر الذي دعا إليه سعد مصلوح في الكتاب المذكور سلفًا.
ج- التقدم في باب حماية الملكية الفكرية ومقاومة السرقات العلمية بما يمنع من ظهورها فضلاً عن تفشيها وبما يردع أصحابها.
د- التوسع في باب المراجعات العلمية والفكرية تدريسًا في مراحل الدراسات العليا وتدريبًا عليها وإقرارًا لها في الخطط البحثية وبرامج الترقيات والتوسع في الدوريات والأوعية التي تعني بنشرها وهو ما يعرف بدوريات عروض الكتب ونقدها التي تكاد تنعدم في الحياة العلمية والعربية المعاصرة إلا من أمثلة نادرة جدًّا مع شيوعها في المجتمع العلمي العربي.
هـ- إعادة تقييم المراجعات التي قام بها عدد من الحركات المختلفة إسلامية وغير إسلامية من مثل مراجعات جماعة العنف أو ما يعرف بظاهرة المتحولين إلى الإسلام ولا سيما أن جزءًا من وقوعها كان بسبب علمي سواء بسبب النقد الذاتي أو بسبب النقد الخارجي الموجه من غيرهم إليهم.
د- التوسع في نشر ثقافة التحكيم العلمي الجاد والمسئول للأبحاث العلمية والرسائل الأكاديمية والأوراق والمشروعات البحثية والتأني والتفصيل في كتابة التقارير المقومة لها.
وهذه المحاور من جانبنا مجرد أمثلة على ما يمكن تطويره واستثماره وتفعيله من تطبيقات معاصرة في مجال الحسبة الإسلامية في العلوم والمعارف.
(5) وظائف الحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة
والحق يقضي بأن نقرر أن ثمة وظائف كثيرة جدًّا تتبدى وتلوح من خلف العناية بإحياء الحسبة الإسلامية بهذا المجال.
وسنحاول فيما يلي رصد أهم هذه الوظائف الظاهرة التي نرى ظهورها وقدرتها على قضية الدفع والدعم لإحياء الحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة:
أولاً- وظيفة تحقيق مقاصد الشريعة:
كان ظاهرًا جدًّا فيما نقلته عن سعد مصلوح أن دعوته إلى إحياء الحسبة الإسلامية كان لتحقيق مقاصد الدين بما أن حفظ العقل أحد هذه الكليات الكبرى.
وجلي أن شيوع المعلومات المشوهة المغلوطة يمثل ضررًا بالغًا على مسيرة العقل وقدراته على الاستنباط والاجتهاد وترقية الحياة.
ثانيًا- القيام بوظيفة التناصح في الأمة:
ذلك أنه مما كان وأمر به المصطفى صلى الله عليه وسلم التناصح بين الناس في مستويات حياتهم المختلفة وبين طبقاتهم جميعًا.
وإحياء الحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة تطبيق عملي معروف منذ القديم في أروقة العلم عند المسلمين.
ولعل أصرح الأمثلة على تطبيقه وإعلانه ما ظهر في أجواء الجدل حول تجريح الرجال وتصحيح الأقوال وعلاقتهما بالغيبة، ورد العلماء على ذلك بالنفي وانتفاء العلاقة بينهما، قيامًا بواجب النصيحة لله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم لدرجة حملت على التأليف المستقل في هذا الباب؛ إذ كتب ابن رجب الحنبلي كتابه عن الفرق بين النصيحة والتعيير مقررًا أن نقد أخطاء العلماء فيما يتعلق بما يقع منهم في العلم لا يدخل في الغيبة ولا في التعيير يقول (ص19- 20 من طبعة المكتبة القيمة بالقاهرة سنة 1402هـ=1982م بتحقيق الدكتور نجم عبد الرحمن خلف): "اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان المقصود منه مجرد الذم والعيب والنقص فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين وكان المقصود منه تحقيق تلك المنفعة فليس بمحرم بل مندوب إليه، وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردوا من سوى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه، ولا فرق بين الطعن في رواة حفاظ الحديث، ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأول شيئا منها على غير تأويله، وتمسك بما لا يتمسك به؛ ليحذر من الاقتداء به وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضًا ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير والحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك ممتلئة من المناظرات ورد أقوال من تضعف أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يترك أحد من أهل العلم، ولا ادعى فيه طعنًا على من رد عليه قوله ولا ذمًا ولا نقصًا".
وقد أطلنا في هذا النقل؛ لندلل على عمق وضوح آثار العمل بالحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة تحقيقًا لوظيفة النصيحة لله تعالى ولكتابه الكريم ولنبيه صلى الله على وسلم.
ثالثًا- القيام بواجب الأمانة والمسئولية الفردية العلمية:
والأمر الذي يتصل بالوظيفة السابقة لكن من جانب تعبدي فردي يقوم به صاحبه قيامًا بالواجب في حق نفسه، ذلك أن من رأي في نفسه قدرة على شيء لزمه الوفاء به دينًا وأمانةً وتعبدًا لله تعالي، ولا سيما أن العلماء في التصور الإسلامي يلزمهم عهد بتبيين العلم.
رابعًا- تطٍوير المعرفة والارتقاء بالحياة العلمية قيامًا بأمانة العلم:
وقد استقر أن العلم يزكو بالسجال والمناقشة والاختلاف والتحليل وفتح باب القول في المسائل من جهاتها المختلفة، فضلاً عن أن تطوير أدوات الباحث رهن في بعض جوانبها بتقدمه في النقد والمتابعة والاستدراك وغير ذلك.
خامسًا- محاصرة الدخلاء وغير المتخصصين:
وهي وظيفة مهمة جدًّا لترقية المجتمع العلمي من الأمراض الكثيرة التي تفشت فيه.
سادسًا- الخوف من الوقوع في إثم كتمان العلم
فلقد تواتر في الشريعة التشديد على منع كتمان العلم وتأثيم من يكتم العلم بما يترتب عليه من إلجام فاعل ذلك بلجام من نار، فكان ظهور تطبيقات الحسبة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة طلبًا للنجاة والطهرة من إثم كتمان العلم وعدم تبيينه للناس.
إن الله عز وجل بما أودعه في هذه الديانة الشريفة من خصائص ذاتية لهي قادرة على تجديد مسيرتها، ومحاصرة عمل الغالين فيها، والإثابة على جهاد المجتهدين في ميدان خدمة العلم والمعرفة في أروقتها التزامًا بالأمر بالمعروف ودعمه في مجال العلم والتزام النهي عن المنكر والقضاء عليه في المجال نفسه بما حاولنا أن نكشف عنه فيما ذكرنا من تطبيقات القدماء والمعاصرين معًا مما يثبت أن الإسلام العظيم يملك قدرة هائلة على تجديد مسيرة المنجز العلمي وتكميلها وتصحيحها.