إن القارئ لتاريخ النهضة الإسلامية فلن يجدها تقوم إلا من قلب المحنة، ومن رحم المعاناة التي تتضاءل بصبر أصحابها فتصير آمالاً ولهذا قيل من لم يعان لا يدرك المعاني، والقلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها. إن نجاح الأمم في تحقيق التنمية والرفاهية والتقدم والخروج من دائرة الفقر والجهل والتخلف رهين بمدى فاعلية أبنائها وبذلهم الجهود في العمل والبناء والرفعة وصناعة الحرية والدفاع عنها بأسلوب حضاري مهذب والالتزام بأدب الحوار.
وهنالك عوامل ومؤشرات معينة إذا ظهرت في أي حضارة من الحضارات فإن مآلها إلى السقوط،فالأمة الإسلامية اليوم تشهد صحوةً ويقظةً كبيرةً وهائلةً فلنتعلم كيفية ممارسة الحرية والمحافظة على مقدرات الوطن أم أننا شعب لا نحسن ممارسة تطبيق معنى الحرية الصحيحة.
إنّ من أخلاق المسلم وصفاته أنّه يحفظ لسانه من الزلل ويصونه من الخطأ،فلا ينطق إلاّ بخير ولا يتلفظ إلاّ بصلاح من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، فسباب المسلم فسوق وقتاله كفر ويستحضر في كل لحظة قول الله تبارك تعالى (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق)، ويستحضر قوله تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) (الإسراء: من الآية 53). لقد قامت الثورة العظيمة من أجل هدم الفساد والاستبداد وتحطيم الظلم والجور وإقامة العدل..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن الله تبارك وتعالى ينصر الدولة العادلَةَ وإِن كانت كافرة،ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنَة، فالعدل أساس الملك.. ورحم الله الشيخ الشعراوي الذي يقول الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد، والثائر هو من يأتي ليرد مظالم الناس، وأنه لا يثور ضد طائفة إنما يثور ضد ظلم طائفة وأنه يأتي ليأخذ علي يد الظالم ويعطي للمظلوم ثم يجعلهما أمام عينه ويقيم العدل بينهما فلا بد أن نثور لتغيير وتحسين ما بداخلنا من سلوكيات وأخلاق وتصحيح المسار والمحافظة على الجانب الإنساني والأدب والتربية ومجاهدة النفس، وعدم الإساءة للغير وتجنب العصبية والتعصب للرأي والمحافظة على وجه مصر المشرق أمام العالم لا نشتم ولا نسب، ونتحرى أطايب الكلام كما نتحرى أطايب الثمر حتى لو كنت على خلاف مع الغير، فالسفاهة هي قلة التدبير وفساد الرأي ورداءة الفهم وسرعة اقتراف الذنب فالسفيه دائم العصيان أسير الطغيان يعمل بخلاف مقتضى العقل.
إن الاحترام هو معرفتك لقيمة ومكانة الشخص الذي تتحدث معه وتجنب الغلط فيه بالفعل أو الكلام، والاحترام على حسب التربية من الصغر، وهو أيضًا من أساسيات التربية السليمة.
يجب على الشباب أن يوسعوا صدورهم ومدارك فهمهم ولا يعتقدوا أن ما يملكون من معلومات هو عين المعرفة لأن الإنسان مهما توصل من علم وحقائق ومعرفة ومهما بلغ من مناصب وحصانة إلا أن معرفته تكون قاصرة ويشوبها النقص ما لم يفكر مرارًا وتكرارًا ويناقش ويستشير ويكون عنده القرائن الواضحة الدامغة حتى لا يقع في الأخطاء، وحتى تكون نظرته شاملة، وليست محصورة وقاصرة وكل هذه الأمور في النهاية بتوفيق الله تبارك وتعالى.
والقليل من يكون عنده الشجاعة الأدبية ويعتذر ويعترف بأن رأيه خطأ، أو أنه كان مخطئًا في رأيه وفي كلامه وادعائه وسبابه ويتنازل للطرف الآخر بكل تواضع مع العلم بأنه مدرك تمامًا بأنه مخطئ فغروره وعناده وإصراره يمنعه من البوح بذلك وهذا خطأ يقترفه بحق نفسه بالتأكيد فلا يصح أبدًا أن يسب ابن من أبناء هذه الأمة وشاب من شبابها ونائب في برلمانها أي إنسان مهما كانت درجة الخلاف معه لأن هذا إساءة لهذا البرلمان ولأعضائه جميعًا، ولنتحلى بكظم الغيظ ولا نتسرع ولنهدأ جميعًا ولنتخلص من ثقافة التخوين والاتهام بالعمالة والوصاية والسباب لأن الله تبارك وتعالى ناصر هذه الأمة ولا يوجد مبرر لهذه الإساءة وعلينا جميعًا بالنضال الدستوري والتشريعي والقانوني لإحقاق الحق والارتقاء بآمال الشعب والالتفاف حول هذه الأهداف فأمامنا الكثير لا بد من إنجازه لمصرنا الحبيبة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
فالتعامل مع الآخرين يعكس صورة المجتمع الذي نعيش فيه فالإنسان ابن بيئته إن هذا المناخ الذي نعيش فيه الآن هو مناخ جديد يحتاج إلى روح وثقافة وممارسات جديدة لنتمتع بمناخ الحرية، ويوم يتصدر السفهاء والرويبضة، ويتكلمون باسم الأمة فقد أتت على الناس السنوات الخداعات، والأزمنة التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم، فعلى شبابنا تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس، وتنقية المشاعر ونشر المحبة والألفة وروح التعاون والإخاء بين المسلمين ولو أن المسلمين تعاملوا بهذه الأخلاق الكريمة والنفوس الصافية والصدور السليمة لتغير حالهم وعظم أثرهم في أنفسهم وفي نفوس غيرهم من غير المسلمين.
ألا فليرجع المسلمون إلى أخلاق النبوة وآداب الرسالة ليرجع إليهم تميزهم ويكونوا خير أمة أخرجت للناس كما كان أسلافهم، وحق علينا أن نرعى هذا الشباب ونحتضنه ونتبناه ونواليه بالنصيحة وبالتربية الصالحة.. وجزى الله إخواننا عنا خير الجزاء على ما قدموه ويقدموه لنا من تربية صالحة نافعة والتشديد عليها في جميع المراحل والمستويات.
وإلى اللقاء في المقال القادم.... إن شاء الله تعالى.
-----------
* السعودية- الرياض