لم أكن أعلم أن قدرة مبارك على استغلال المواقف تصل إلى حدِّ إساءة استخدام الشعر؛ حتى وهو في أحلك الظروف بين رمق الموجودين له بأعينهم وسماعهم له بآذانهم.

 

ومع ذهولي مما قال لكني ما تعجبت كثيرًا، خاصةً بعد أن بدأت تطفو على السطح أفعاله التي عكَّرت الصفو المصري في شتى نواحيه.

 

وهذا الذي قاله مبارك يدل من ناحية على استجدائه للمحكمة، ومن ناحية أخرى على قدرته على تشويه الوقائع، وإظهار نفسه في صوره البريء الوديع.

 

وأتساءل قائلا:

أحقًّا هو مبارك الذي كبَّل الكاهل المصري بقيود التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ والذي يعد بحق من أكبر مساوئه التي ابتكرها الكيان الصهيوني لإلزام العرب بتبادل سلمي معه في بعض المجالات؛ ليبرهنوا على جديتهم في السلام مع الكيان الصهيوني.

 

إن مبارك جعل التطبيع مع العدو الصهيوني من ثوابت السياسة المصرية أيًّا كانت ملامحه ونتائجه وتأثيراته على سيادة مصر واستقلالها وعروبتها، وتخلل هذا التطبيع أمور ساعدت على تقويته، منها: اتفاقية "الكويز" مرورًا بالتعاون الزراعي وصولاً إلى اتفاقية الغاز التي لا يزال الشعب المصري يدفع ثمن إبرامها.

 

أحقًّا هو مبارك الذي استطاع إيجاد ذريعة لحصار الفلسطينيين، وإغلاق معبر رفح البري، وتجويع الفلسطينيين، وتبرير موافقة الكيان الصهيوني لبناء الجدار العازل على الحدود بين مصر وفلسطين؟.

 

أحقًّا هو مبارك الذي استحل هو وربيبه يوسف والي الشعب المصري من خلال السياسات الزراعية الخاطئة التي تسببت في إصابة الملايين من المصريين بالسرطان والفشل الكلوي والكبد الوبائي بمسرطنات كأنها استوردت لإبادة الشعب المصري من الكيان الصهيوني؟ وكأن العلاقة بيننا وبين الكيان الصهيوني هي من العلاقات الكاثوليكية التي لا انفصام فيها ولا فكاك عنها؛ ما جعل مصر تتصدر دول العالم في نسبة الإصابة بسرطان الكبد.

 

إضافة لسياسة التطبيع الزراعية مع الكيان الصهيوني حين أقدم على ابتعاث 22 ألف بعثة مصرية بهدف التدريب على الوسائل الحديثة للزراعة، ومع كل الخلل الذي أحدثه في الزراعة المصرية ظل متمتعًا بالحرية والحصانة في عهد مولاه مبارك.

 

أحقًّا هو مبارك الذي أهان الإنسان المصري في سجونه ومعتقلاته بواسطة يده الطولى المتمثلة في جهاز أمن الدولة السابق بابتكار وسائل تعذيب ما سمعنا بها في آبائنا الأولين حتى يعترفوا بأشياء لم يفعلوها؟.

 

أحقًّا هو مبارك الذي كان حائلاً هو وزبانيته بين المسلمين وإتمام شعائرهم  الدينية بتمامها وكمالها، وحاصر هو وفقهاء سلطانه الإسلام في مصر الإسلامية والعقيدة الإسلامية والمؤسسات الدينية الرسمية بدءًا من الأزهر الشريف والأوقاف وانتهاءً بالإفتاء؟.

 

ولم تشهد مصر حمله لتشويه التعليم الديني مثلما شهدته في الحقبة المباركية، إضافة إلى ما قام به رجالاته من حمالات متكررة لتضييق الخناق على الذاكرين والذاكرات، والتلويح لهم بعصا المعتقلات والسجون.

 

بل وصل الأمر إلى تشويه الرموز الدينية في عصره الذين أساء لهم إعلامه أكثر مما أفاد، وكان مهمة الإعلام محصورة في نشر الرذيلة، وتشجيع الفسق والفجور إلا ما رحم ربي من بعض القنوات المعتدلة.

 

أحقًّا هو مبارك الذي لم يهتم بالتأكيد على هوية مصر الإسلامية خاصة في المحافل الدولية إذ إنه طيلة الثلاثين عامًّا التي حكم فيها البلاد لم يحضر أي قمة لمنظمة العالم الإسلامي والتي انعقدت ست مرات طيلة أعوام حكمه؟.

 

ثم ها هو يخرج علينا مؤخرًا ليؤكد أن الشعر أيضًا لم يسلم منه، عندما أساء استغلاله في قاعه المحكمة لما قال:

 

بلادي وإن جارت علي عزيزة    وأهلي وإن ضنوا علي كرام

 

لكني أصحح له ما تردد على لسانه، وما تناقلته وسائل الإعلام قائلاً له: كان من الصواب أن تقول:

 

بلادك وإن جُرت عليها عزيزة    وأهلك وإن ضننتَ عليهم كرامُ