تقول الأسطورة المشهورة إنه بعد حصار الإغريق الطويل لطروادة، وفشلهم المتكرر في اقتحام أسوارها، عمدوا إلى الحيلة، فصنعوا حصانًا خشبيًّا ضخمًا مليئًا بالمحاربين، وتركوه أمام المدينة، أما بقية الجيش فتظاهر بالرحيل، وقام جاسوس إغريقي بإقناع سكان طروادة بأن الحصان هدية من المنسحبين، ودخل الحصان إلى المدينة في احتفال كبير، ولما حل الليل كان السكان في حالة سكرٍ شديد، فخرج الجنود من الحصان وفتحوا أسوار المدينة، فدخلت جيوش الإغريق، واستبيحت المدينة في غفلةٍ من أمرها.

 

بعد مرور أكثر من عام على ثورة 25 يناير أصبح هناك ما يشبه الإجماع على مساوئ الحكم العسكري والخطايا التي مارسها المجلس العسكري أثناء حكمه لمصر في تلك الفترة، وكانت الخلافات بين القوى السياسية تتعلق بتكتيكات أو توقيتات التخلص من حكم العسكر، لا عن حتمية رحيله، وانتهى مجرد الادعاء بأية شرعية للعسكر- فضلاً عن وجود تلك الشرعية- وتكشفت ستارة الدخان الخاصة "بحماية الوطن وعدم إجهاض الثورة... إلخ" التي أصبحت لا تجد لها أية مستمعين، فضلاً عن المؤمنين أو المقتنعين.

 

وزاد الطين بلة مجزرة "إستاد بورسعيد" وتصريحات المشير "اللي عملوا كده موش همه جزء من الشعب المصري"!! "الشعب المصري ساكت عليهم ليه"!! والتي تدلل بوضوح عن توقعات حكام مصر لنتائج المجزرة الوحشية!.

 

وكانت ردود الأفعال في عكس ذلك الاتجاه، وحمّلت المجلس العسكري والداخلية المسئولية عن المجزرة، وتمَّ تقديم طلب بالبرلمان لمحاكمة وزير الداخلية بقانون محاكمة الوزراء، ووضع مهلة زمنية للوزير للتقدم بخطة لتطهير الوزارة من رجالات "حبيب العادلي"، والذين هم الأداة الرئيسية للثورة المضادة، وتعطيل استلام المدنيين للسلطة، فضلاً عن البلطجة والانفلات الأمني، وصرَّح أعضاء لجنة الأمن القومي باستدعاء ممثل الأمن الوطني والمخابرات العامة والشرطة العسكرية، وبدأت تحقيقات النيابة العامة، وتمَّ منع بعض المسئولين من السفر- منهم مدير أمن بورسعيد-، وبدأت تحقيقات اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق العمل في بورسعيد، وأصبح المجلس العسكري في ورطة إذ إنه لا يستطيع أن يصنع أي سحابة دخان للتقليل من حجم الورطة أو الإلهاء عنها.

 

وفي غمرة ذلك ظهر "زياد العليمي" بطوق النجاة عندما وصف المشير بالحمار!! وكأن هدفه من الدخول في البرلمان هو الحصول على الحصانة، والتي تعني رخصة الشتم والسباب! وتمت إثارة الموضوع تحت القبة من قبل النائب "مصطفى بكرى" رجل المواقف الشهيرة في عهد النظام السابق، والذي حذرنا أيام ثورة 25 يناير من البوارج الأمريكية إذا لم نقبل بإتمام المخلوع لفترته الرئاسية!.

 

وتبرَّع "بكري" بإظهار موقف "العليمي" المشين، وحث "الكتاتني" العليمي على الاعتذار قائلاً: "أريد أن أنهي هذه المسألة الآن"، وحكى النائب "مصطفى النجار" كيف أن "الكتاتني" استدعاه هو و"عمرو حمزاوي" لإقناع "العليمي" بالاعتذار وإنهاء الأزمة، وكأن الكتاتني يستحضر في ذهنه حتمية استغلال الموقف من قِبل المجلس العسكري المحاصر دعائيًّا، ولكن العليمي أصرَّ علي صيغ طفولية لـ"شكل اعتذار" يدرك أي طالب بالصف ثانوي أنها لا تعني شيئًا، وبدأ يدّعي البطولة عن استعداده للذهاب للسجن وكأن الشتيمة والسباب أصبحت ميدالية!!

 

الخلاصة: المجلس العسكري قد وُجِدَ للمرة الأولى في موقف المظلوم وعزم على استغلال الموقف لأقصى درجة، فأطلق لواءاته المتقاعدين يجوبون الفضائيات لاستنكار الإهانة والظهور بمظهر الضعيف، ثم أرسل رسالته الشهيرة لمجلس الشعب المتعلقة بالموضوع، وطبعًا في تلك الفترة توقف الكلام في الصحف عن أحداث بورسعيد وخلافه؛ ما يتحمل مسئوليته المجلس العسكري.

 

***

 

أمّا عن موقف وزارة الداخلية بعد أحداث بورسعيد فقد تم منح مهلة 10 أيام لوزير الداخلية لتقديم خطة إعادة هيكلة للوزارة، وتابعت لجنة الأمن القومي بمجلس الشعب ذلك الملف؛ لدرجة أن النائب د. محمد البلتاجي تحدث عن تلقيه تهديدات بالقتل بعد إثارته لذلك الملف، وذكر بعض الأسماء بعينها، والنائب د. عمرو حمزاوي استفسر عن عدم وجود الخطة- الأمر الذي فسر أن الوزير طلب مهلة إضافية- وكان الضغط على وزارة الداخلية عظيمًا لدرجة أن النائب عن الحرية والعدالة د. أسامة ياسين رئيس لجنة الشباب قد طالب بإقالة وزير الداخلية مرتين في جلستين متتاليتين، ثم ساد الرأي حول عدم جعل الوزير "كبش فداء"، ولكن الانتظار لحين اكتمال تحقيق النيابة وتقرير لجنة تقصي الحقائق النهائي والضغط عليه في هذه الأثناء لإعادة هيكلة الوزارة، ولم يكن هناك أي مخرج للوزير من هذه الأزمة أو ستارة دخان تحد من ضغط الإعلام أو الرأي العام.

 

وفي غمرة ذلك ظهرت على "الفيس بوك" صفحة "أنا ضابط ملتحي" لضباط شرطة أطلقوا لحيتهم ويستدلون على مواقفهم بأدلة شرعية وفتاوى لأهل العلم الشرعي السابقين واللاحقين ممن لهم حظوة عند الناس ولم يعينهم النظام السابق في أماكنهم، والتي تختلف مع أقوال مفتي الجمهورية الحالي د. علي جمعة الذي يعلم الكل درجة تقبل كلامه بين صفوف أفراد الشعب، ولكن أولئك الضباط لم يستمعوا لـ"نادر بكار" المتحدث باسم حزب النور الذي أخبرهم أن الوقت الآن ليس الأنسب، ولم يستمعوا لقول الإمام مالك "ليس كل ما يُعلم يقال، وليس كل ما يُقال حضر وقته".

 

وبالنسبة للموقف من فعلهم فإنه لا يوجد أي شخص مؤمن بالحرية يتنكر لحقهم في إطلاق لحيتهم، ولكن المشكلة في اختيار هذا التوقيت!! ألم يصبر أولئك وقتًا طويلاً أيام المخلوع خوفًا على أنفسهم ودخولهم المادية؟!! ألم يكن من الأولى لهم أن ينتظروا قليلاً بخوف آخر ولكن على أفراد المجتمع من تغول السلطة الشرطية التي تتحين الفرص للدخول في المعارك الجانبية؟!!.

 

إنهم بعملهم ذلك قد وضعوا المجتمع والقوى السياسية والبرلمان بين خيارين:

إما أن ينضموا إليهم في معركتهم فينشغلوا عن المعركة الأصلية لتطهير الداخلية ومنع الانفلات الأمني، وإما أن يتركوهم فيضحوا بهم ويتحملوا المسئولية الأخلاقية، وأيضًا تأصيل سابقة لوزارة الداخلية باستبعاد الملتحين والتي سيتم المداومة عليها.

 

وردًّا على ذلك انبرى وزير الداخلية الذي طالعتنا الصحف بقوله: "حصلنا على فتوى بأن اللحية عادة وسأوقف وأحيل للتأديب مَن يُطلق لحيته من الضباط"، وطبعًا وزير الداخلية لم يتبرع بتصريح مماثل عن تحويله للتأديب لرجالات العادلي في وزارة الداخلية وأمن الدولة، والذين يشكلون العدو الرئيسي على الثورة.

 

ونظرًا لما سبق فأنا أقترح على المجلس العسكري أن يرسل خطاب شكر إلى "زياد العليمي" منقذ المجلس العسكري وبطل موقعة "الحمار"، وأقترح على وزير الداخلية أن يرسل خطاب شكر إلى "الضباط الملتحين" الذين اختاروا توقيت يعبِّر عن عدم اكتراث بالمجتمع وأفراده في مواجهة الآلة الغاشمة للداخلية المتصيدة للأخطاء.

 

الخلاصة: إن قلعة الثورة يوجد أمامها حصانان خشبيان لا من جيش الإغريق ولكن من قِبَل بعض الحراس، فهل ننقذ المدينة وندرأ الأخطار أم ندخل في مرحلة السكر والطبطبة انتظارًا للغزو المحتوم.