جرارات "منصور الأمريكية":

- دخلت في صفقة مريبة وخسائرها 2 مليار جنيه

- قصيرة الأجل وغير مطابقة للمواصفات المصرية

- ثقيلة الوزن جدًّا ودوائرها الكهربائية عالية الفولت

الخبراء:

- صفقات منصور وإخوانه مشبوهة ولا بد من مراجعتها

- الوزارة لم تسعَ إلى النهوض بالسكك الحديدية

- تطهير وزارة النقل من رجال المخلوع واجب

 

تحقيق: أحمد هزاع

 

"ومن جوه يعلم الله".. هكذا يُعلِّق المسافرون عبر قطارات السكك الحديدية على الجرارات الجديدة التي استوردتها الهيئة في عهد النظام المخلوع، وتكتفي بالتجمل الخارجي بطلائها ومظهرها البراق، فيما تكرر أعطالها ومشاكلها.

 

(إخوان أون لاين) فتح ملف الجرارات التي استوردتها إدارة وزير النقل الأسبق محمد لطفي منصور، عبر صفقةٍ مريبةٍ بلغت ملياري جنيه، من خلال توريد شركة جنرال إليكتريك الأمريكية 120 جرارًا دفعت ثمنها عبر منحة قدمتها قطر وليبيا للحكومة المصرية، وكانت الجرارات غير مطابقة للمواصفات العالمية ولا تتناسب مع السكك الحديدية المصرية.

 

أعطال متكررة

يقول مصطفى عبد العاطي عضو رابطة سائقي السكة الحديد: إن المشكلة الحقيقية التي تواجه سائقي السكة الحديد هي سوء حالة الجرارات بسبب غياب الصيانة وعدم توافر قطع الغيار؛ ما انعكس بدوره على زيادة الأعطال، وبالتالي التأخير في ساعات الوصول عن المواعيد المحددة، فضلاً عن مشكلة أخرى وهي الأعطال الدائمة في الاتصالات الخاصة بين البلوكات الموجودة في المحطات لطلب خلو السكك بينها لتأمين سير القطارات.

 

ويضيف سعد إبراهيم سائق قطار أن الصيانة منعدمة والمعدات التي نعمل بها في حالةٍ يُرثى لها، مؤكدًا أن حالة السكة الحديد المتردية جاءت من تفشي السرقة والفساد وانعزال الحكومة متمثلة في وزارة النقل عن الأحوال السيئة التي تعانيها السكة الحديد.

 

ويقول: الوزارة تمنينا منذ عامين بقدوم جرارات جديدة وحتى الآن لم يأتِ شيء يفيد الراكب ويطور السكك الحديدية، وما زلنا نعاني من قاطرات منتهية وجرارات متهالكة كما نعاني من فقدان الثقة مع الإدارة فقد صرف رئيس مجلس الإدارة مبالغ طائلة على تحديث المحطات دون النظر لحال الجرارات أو السائقين.

 

ويختتم حديثه بقوله: الهيئة تخسر نحو 2 مليار جنيه سنويًّا، تتحملها ميزانية الدولة، بدون خدمات تتناسب مع تلك الإنفاقات والديون.

 

مشكلات متعددة

ويكمل السائق إبراهيم عبد الملك: لدي خبرة تزيد عن الـ20 عامًا في قيادة القطارات، ولاحظت في الجرارات الجديدة التي أتت منذ عامين عدة مشكلات أولها عدم وجود باب خارجي للكابينة وضيق الباب الذي يمر عبره السائق من القطار إلى الكابينة، ما يتعثر معه مرور سائق ثقيل الوزن.

 

ويتابع: كما أن الكابينة بها كهرباء خطيرة وذات ضغط كبير عن سابقتها، فضلاً عن الارتفاع الكبير للجرار، وزيادة وزن الجرار بنحو 12 طنًّا ما ترفع وزن القطار إلى 140 طنًّا، وهو وزن ثقيل بالنسبة لسككنا الحديدية التي بها 6 أكس أو دنجل، ويجب ألا يزيد الوزن عن 20 طنًّا بحيث لا يتعدى إجمالي الوزن 120 طنًّا، هذا غير أعطال "الكمبروسر- شحن الهواء" ومشاكل "الفرامل" وغيرها.

 

السائق متهمًا

ويرى محمدي عوض (سائق) أن السبب في تعطُّل الجرارات الأمريكية تتمثل في عدم قدرة السائقين على التكيف معها؛ لأنها تختلف تمامًا عن الجرارات الأخرى، وأجهزتها الكهربائية تعتمد على الكمبيوتر وفيها نظام يشمل جميع العوارض، وكذلك جميع البرامج الخاصة بتشغيل أجزاء القاطرة المتمثلة في الدوائر الكهربائية ودوائر التبريد والحماية من الحريق والأعطال وغيرها، وكابينة القائد تم الاهتمام بها من ناحية الراحة؛ حيث إنها مكيفة وبها ثلاجة.

 

ويضيف ماجد المصري: بجانب هذه الإيجابيات يوجد بعض السلبيات الخطيرة مثل عدم وجود باب خارجي لكابينة القيادة ما يمنع التواصل بسهولة مع المحطات في استلام الأوامر، وهو مهم أيضًا في حالات الطوارئ والحريق، ويتم الدخول والخروج من بابٍ لا يتعدى 40 سم، ويوجد 3 أبواب أخرى في منتصف الجرار شديدة الضيق مخصصة للصيانة وتخدم الفنيين لمتابعة وصيانة الجرار، ويهدد مرور السائق ومساعده من تلك الأبواب التعرض للدوائر الكهربائية التي تصل إلى 1400 وات، ما قد يتسبب في صعقه عند ملامستها في حالة فتح الأبواب الداخلية الخاصة بالدوائر.

 

ويوضح أن نظام المشاية الواحدة الداخلية في الجرارات يعوق الحركة أثناء الرحلة ويصعب التعامل مع استلام الأوامر من المحطات والتعامل مع المعداوي الذي يحتاج الصعود إلى الجرار حتى يتمكن من ملاحظة السكة.

 

الجرار الألماني

ويشدد معتز الغول على ضرورة تعمير وصيانة الجرارات الألمانية التي يبلغ عددها أكثر من 180 جرارًا وتعمل أكثر من 32 عامًّا، وهي في رأيه أفضل من الجرارات الأمريكية صاحبة التجارب الفاشلة سابقًا وحاليًّا، ولا يتجاوز عمرها 15 سنةً، وهي كذلك لا تتماشى مع سككنا الحديدية.

 

ويرى أنه لا بد من وضع ضوابط لاختيار الجرارات المستخدمة من قبل أساتذة الجامعات في كليات الهندسة والمعنيين بوسائل المواصلات، وخاصة السكك الحديدية التي تخدم معظم الشعب المصري وتعد الوسيلة الأولى في نقل الركاب.

 

تكييف الكوارث!

ويؤكد مجاهد علام أن المسئولين يحاولون التغطية على كوارث ومصائب الجرارات القديمة بأساليب مختلفة منها أن الكبائن بها ثلاجة وتكييف وكمبيوتر ويدعون وجود وسائل أمان عالية، وهذه الأخيرة متوافرة حتى في الجرارات القديمة.

 

ويؤكد أن الأمر أصبح واقعًا، ويجب التماشي معه والبحث بجديةٍ لحل هذه المشاكل والتفكير الجدي في كيفية إصلاحها بالاتفاق مع الشركة المصنعة قبل انتهاء فترة الضمان، وحل مشكلة باب الكابينة والحصول على قطع الغيار الإستراتيجية المهمة حتى لا تتعطل الجرارات مثل سابقتها.

 

عواقب مجهولة

ويوضح شريف النجار، المهندس بهيئة السكك الحديدية، أنه لولا بطولة بعض مهندسي وفنيي السكة الحديدية المصرية العاملين في الورش لوقعت كارثة كبيرة وتعطلت عجلة السكة الحديدية بسبب عدم ملاءمة الجرارات الأمريكية وتكيفها مع قضبان سكك الحديد المصرية، فضلاً عن ثقلها الكبير.

 

ويقول: هذه الجرارات تتعطل كثيرًا وتقف بصورة مفاجئة؛ ما يعد كارثةً قد تودي بحياة الآلاف من المواطنين إلا أن خبرة السائقين تجعلهم يتغلبون عليها ولكننا لا نضمن العواقب التي من الممكن أن تأتي على غير المتوقع.

 

ويفجر مفاجأة بأن 96 جرارًا في الصفقة المشبوهة ليس لها أوراق رسمية ورفضت الشركة الأمريكية إجراء صيانة لهم لعدم وجود أوراق خاصة بهم.

 

سمسرة

ويؤكد الدكتور إبراهيم عبد الرحمن أستاذ الميكانيكا بهندسة المطرية جامعة حلوان أن كل صفقات القطارات التي تمَّت في عهد المخلوع من حيث الكفاءة في عمرها الافتراضي ضعيفة ولا بد أن تُراجع، مضيفًا أن القائمين على وزارة النقل وهيئة السكك الحديدية في العهد البائد كان شغلهم الشاغل "سمسرة الصفقات"، ولا يعنيهم الكفاءة.

 

ويضيف أنه لا يشكك في قدرة الجرارات الأمريكية التي استوردتها الوزارة في عهد الوزير الأسبق محمد منصور من حيث ملاءمتها للشروط القياسية المصرية، ولكن كان من الأفضل الاستيراد من ألمانيا؛ لأن الجرارات الألمانية أثبتت كفاءة عالية وتعمل منذ أكثر من 30 عامًا وحتى الآن.

 

ويرى أن السكك الحديدية بمصر لها مواصفات خاصة تعاملت معها المصانع الألمانية منذ عقود، فضلاً عن أن السائقين لديهم مهارة عالية في التعامل مع الجرارات الألمانية.

 

ويشير إلى أن الجرارات الأمريكية ذات تكنولوجيا عالية لا يستطيع السائق التعامل معها، بالإضافة إلى أن هذه التكنولوجيا تفوق احتياجات السكك المصرية ولا داعي لها توفيرًا لجهد المهندسين لتدريب السائقين عليها، كما أنها توفر الكثير من الأموال التي دفعت ثمنًا لها.

 

صفقة مشبوهة

ويضيف الدكتور عبد الله بديوي أستاذ ميكانيكا القوى بهندسة قنا أن صفقة الجرارات الأمريكية التي تمَّت في العهد البائد هي صفقات مشبوهة كان غرضها في المقام الأول تحصيل الأموال وإيجاد سبل مختلفة لنهب ثروات الشعب المصري.

 

ويرى أن جميع وزراء النقل في عهد المخلوع كانوا بعيدين تمامًا عن آلام وهموم الشعب المصري، فنجد عشرات الحوادث يوميًّا في الطرقات، وامتدت حتى وصلت إلى السكك الحديدية، خاصةً بعد حادثة "قليوب" فأراد بها الوزير آنذاك التستر على جريمته وعلى إثرها استورد تلك الصفقة المريبة من الولايات المتحدة.

 

ويضيف أن الوزارة لم تسعَ إلى النهوض بالسكك الحديدية، وفي مقدمتها القطارات والجرارات من الداخل بل اعتمدت على المنحة المالية من دولتي قطر وليبيا، ورغم ذلك تم سرقة معظمهما التي لو استثمرت بشكلٍ جيد لكان حال الجرارات أفضل بكثير مما هي عليه الآن.

 

ويشدد على ضرورة النهوض بالسكك الحديدية عن طريق تصنيع أو استيراد جرارات جديدة ذات كفاءات عالية تُسهم في تطوير وسائل النقل الذي يعد القطار أهمها.

 

المواصفات القياسية

ويرى الدكتور يوسف عزت أستاذ هندسة القوى والآلات الكهربائية بهندسة عين شمس أن الجرارات الأمريكية لا تتناسب مع المواصفات القياسية المصرية، خاصةً في وزنها الثقيل الذي يُؤثِّر بالسلب على كباري السكك الحديدية، وهو ما ينذر بالخطر.

 

ويضيف عزت أن الجرارات الألمانية برغم مرور عشرات السنوات عليها إلا أنها ما زالت تعمل حتى الآن وذات أعطال طفيفة بالمقارنة بالجرارات الأمريكية التي لم يمر عليها 5 سنوات وتزداد أعطالها يومًا تلو الآخر.

 

ويطالب وزير النقل بإقالة المنفذين لهذه الصفقة المريبة الذين ما زالوا يعملون داخل هيئة السكك الحديدية ومحاسبتهم على هذا العمل الفادح وتقصيرهم الواضح.

 

ويشدد على أهمية توفير جرارات حديثة ذات تكنولوجيا عالية تُسهم في تطوير سككنا الحديدية، مشددًا على ضرورة تدريب السائقين على كيفية التعامل معها من خلال دورات مكثفة ومستمرة للوقوف على المستجدات في الجرارات سواء التي توجد في مصر أو في كل دول العالم للوصول إلى سائقٍ عالمي.