عناصر الخطبة:

- المنكرات تدمير للمجتمع والآمرون بالمعروف هم حماة المجتمع

- سفينة المجتمع

- أثر انتشار المنكرات في انعدام الأمن والطمأنينة وحلول النقم

- تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف وآثاره

- وجوب الأمر بالمعروف

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وبعث فينا رسولًا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، أحمده على نعمه الجمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله ربه للعالمين رحمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تكون لنا نورًا من كل ظلمة وسلم تسليمًا كثيرًا، عباد الله اتقوا الله فإن تقواه أفضل مكتسب وطاعته أعلى نسب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102)

 

أيها المسلمون: إن المحافظة على حرمة الإسلام، وصون المجتمع المسلم من أن تخلخله وتقوضه البدع والخرافات، والمعاصي والمخالفات، وحمايته من أمواج الشر الهائجة وآثار الفتن المائجة، وتحذيره مزالق الشقوق، ودركات الهبوط، أصل عظيم من أصول الشريعة وركن مشيد من أركانها المنيعة، يتمثل في ولاية الحسبة وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلك المهمة العظمى والأمانة الكبرى التي هي حفاظ المجتمعات وسياج الآداب والكمالات بها صلاح أمرها واستتباب أمنها وقوة ملاكها ومساكها؛ ما فُقدت في قوم إلا زاغت عقائدهم وفسدت أوضاعهم وتغيرت طباعهم وما ضعفت في مجتمع إلا بدت فيه مظاهر الانحلال وفشت فيه بوادر الاختلال، والأمة حين تكون سائرة في جادة الطريق محكمة شريعة الله بالتحقيق والتطبيق يكون من أول مهامها إقامة ولاية الحسبة ورفع لوائها وإعلاء بنائها وإعزاز أهلها لأن جميع الولايات تعود إليها، يقول تبارك وتعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)) (الحج).

 

ويقول تبارك وتعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)) (آل عمران).

 

أمةٌ قائدة رائدة تحقق في المجتمع المسلم شرع الله وتصدع بالحق في وجوه النفوس المريضة الباغية إشباع شهواتها العابثة بأمن الأمة ومقدراتها، يقول جل وعلا في وصف الأمة المحمدية وذكر أسباب الخيرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110)) (آل عمران).

 

أيها المسلمون: إن المعاصي والمنكرات هي الداء العضال والوباء القتّال الذي به خراب المجتمعات وهلاكها وإن التفريط في تغيير المنكرات ومكافحتها والقضاء عليها من أعظم أسباب حلول العقاب ونزول العذاب، فعن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي دخل عليها فزعًا وهو يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها-" فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال صلى الله عليه وسلم: "نعم إذا كثر الخبث" متفق عليه. والخبث هو الفسوق.
إذا كثر الخبث، فلا ينكر المنكر، ولا يأمر بالمعروف، ويسري داء المنكرات في المجتمع سير الهشيم بلا أيد تحنّه، ولا ألسنة توهنه، عند ذلك ترى الحال التي تستوجب العقوبة والهلاك، فلا تدري أيصبحها ذلك أم يمسيها. إن قومًا جاءتهم اللعنة على لسان نبيين من أنبياء الله تعالى، لما أن صارت حالهم إلى تلك الحال، بل إنهم أنكروا المنكر في أول أمره، ولكنهم ألفوه فما عاد بعضهم ينكره على بعض، روى الترمذي وحسنه، وأبو داود من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي قال: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض"، ثم قال: () لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)) (المائدة).

 

 ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم". لُعنوا في كتاب الله لعنًا يتلى على مر الأيام والسنين وإلى أن يقوم الناس لرب العالمين، فاحذروا عباد الله سبيلهم الوخيم وفعلهم الذميم، فإنه لا صلة بين العباد ورب العباد إلا صلة العبادة والطاعة فمن استقام على شريعة الله كان له من الله الكرامة والرضوان ومن حاد عن سبيل الحق والهدى باء باللعن والخيبة والخسران. وذلك الوعد الصادق بإجابة الدعاء، وفتح أبواب السماء له، لا يتحقق إذا عُطّلت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما جاء عند أحمد والترمذي من حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم". فيا الله، أي حرمان يعيش فيه ذلك المجتمع، وأي شيء يبقى له حين تحجب عنه أبواب الإجابة. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة" رواه أحمد.

 

ويقول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: "ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب" رواه أبو داود وغيره. وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى بعض عماله: "أما بعد، فإنه لم يظهر المنكر في قوم قط ثم لم ينههم أهل الصلاح بينهم إلا أصابهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده ولا يزال الناس معصومين من العقوبات والنقمات ما قُمع أهل الباطل واستخفى فيهم المحارم".

 

أيها المسلمون: إن الإدهان في الدين.. وعدم التناهي بين المسلمين من أعظم أسباب اللعن والطرد والإبعاد عن رحمة أرحم الراحمين.

 

يا من رضيتم بالله ربًّا.. وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا: أصيخوا سمعكم وأصغوا قلوبكم لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم.

 

وانظروا وتساءلوا أين أثر تطبيق هذا الحديث في نفوسنا ومجتمعاتنا؟ أين إيماننا الصادق؟ وخضوعنا التام لما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم؟!.

 

"من رأى منكم منكرًًا فليغيره بيده" الحاكم في دولته، والوزير في وزارته، والقائد في جيشه، والمدير في إدارته، والرجل في أهل بيته، وكل مسئول فيما تحت ولايته ومسئوليته"، يقول عثمان رضي الله عنه: "إن الله يزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن"، ويقول بعض السلف: (ما قيمة حق لا نفاذ له).

 

فإذا لم يكن للإنسان سلطة يزيل بها المنكر باليد ولا يقدر على إنكار المنكر بلسانه وجب عليه أن ينكره بقلبه، قال العلماء: "ومن اقتصر على الإنكار بقلبه وهو قادر على الإنكار بلسانه فقد ترك الواجب عليه ولم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمره بالإنكار بلسانه، وكذلك من اقتصر على الإنكار باللسان وهو قادر على الإنكار باليد فقد ترك الواجب عليه ولم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمره أن ينكر بيده. أما الإنكار بالقلب فلا يسقط بحال ولا يعذر فيه أحد، ومن لم ينكر قلبُه المنكر دل على ذهاب الإيمان منه. وقد ابتلي كثير من الناس في هذا الزمان بالتلاوم والتواكل وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يؤدِّ كل منهم ما يجب عليه نحوه، وصار كل واحد يلقي بالمسئولية على غيره ويبرئ نفسه ويقوم بأعمال من العبادات من الذكر والقراءة والصلاة والصيام ونحوها، ويفرطون في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله، وهذا ولا شك قصور في فهم دين الله لأن تارك حق الله الواجب عليه أعظمُ جرمًا وأسوأُ حالًا من مرتكب المعصية الذي لم يترك شيئًا مما أوجب الله.

 

وتأتي حجة أخرى باعثها التقاعس عن تلك الشعيرة أو المحاربة لها، وذلك حين يقول القائلون إن المرء عليه بنفسه وصلاحها، ولا يلتفت إلى مخالفات الآخرين فإن ذلك لا يضر به فالضرر على أصحابها فقط، ثم يستدل بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) (المائدة).

 

ولو تأمل الآية بتمامها لما نطق بالاحتجاج بها على رأيه هذا، فالله تعالى قال:" إِذَا اهْتَدَيْتُم"ْ يقول فأين الاهتداء إذا عُطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تصدى الصديق رضي الله عنه لهذه الشبهة فقال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) (المائدة)، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي.

 

ويأتي آخر ويوهن من قدر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصدع بالحق بحجة أن ذلك موجب للفتنة والبلاء، وقد يُتسلط بسبب ذلك على الصالحين.

 

 بين ذلك شيخ الإسلام من أكثر من ثلاثين وجهًا كما نقل ذلك ابن القيم رحمه الله، وقال ابن القيم عمّن هذا شأنه من القيام بعبادات كثيرة مع التفريط في واجب الأمر والنهي قال: "وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينًا؛ فإن الدين: هو القيام لله بما أمر به؛ فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالًا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي".

 

 ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه؛ رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينًا والله المستعان، وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغب عنها، وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق.

 

وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلا مبالاة بما جرى على الدين، وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضةٌ عليه في جاهه أو ماله، بذل وتبذل، وجدّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب.

 

أيها الآباء والأمهات: طهروا بيوتكم من جميع المنكرات، وليكن بيت النبوة على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى السلام لكم في ذلك قدوة وأسوة تنتهجون نهجه وتحذون حذوه، أيها المسلمون إن المجتمع الإسلامي إنما هو كالسفينة توحدت عقائده وتوحد اتجاه سيره وتوحدت غاياته والمخاطر والتحديات التي تواجهه، وإن القائم في حدود الله تعالى هو تلك الفئة الصالحة الملتزمة بشرع الله الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، وإن الواقعين فيها هم أولئك الذين ينتهكون حرمات الله من ترك الواجبات والوقوع في المحرمات. 

 

 عن النعمان بن يشير رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "مثل القائم على حدود الله و المدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها و أصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذونا فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا و لم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم و ما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا و إن أخذوا على أيديهم نجوا و نجوا جميعا" (رواه البخاري).

 

ألا فاتقوا الله عباد الله وكونوا من القائمين بحدود الله الذابين عن حياض هذا الدين الغيورين على محارمه، واقدروا لمن يقوم بهذه المهمة قدرهم، وكونوا لهم سندًا ومدوا لهم يدًا، وكونوا على الحق أعوانًا، ومن عجز منكم عن الإنكار باليد والسلطان فلينكر باللسان والبيان، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم". متفق عليه، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه" رواه الترمذي وحسنه وأحمد وزاد: "فإنه لا يقرّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقال بحق أو يذكّر بعظيم" وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يحقر أحدكم نفسه"، قالوا يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول فيّ كذا وكذا فيقول خشيت الناس، فيقول الله جل وعلا: فإياي كنت أحق أن تخشى". رواه ابن ماجه.

 

أيها المسلمون: إن الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى أن تتوالى الفتن على القلوب ويزيل خطر المعاصي في النفوس فيواقع الناس حدود الله وينتهكون أوامر الله، ويصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين قلب أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًّا كالكوز مجخيًّا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه". رواه مسلم. وسُئل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: من ميت الأحياء؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يأمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

 

 أيها المسلمون: لم يفتأ أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين ومن سار في ركابهم من فسّاق الأمة المستغربين العلمانيين، يشنون على أمة الإسلام حملات متلاحقة عبر وسائل ورسائل لا يخفى مستواها ولا يُجهل فحواها ومحتواها، غرضها زعزعة عقيدة الأمة وتدمير أخلاقياتها وطمس هويتها وتغييبها عن رسالتها

 

فبماذا واجه المسلمون تلك الحملات؟ هل أوصدوا دونها الأبواب؟ هل جاهدوها حق الجهاد؟ هل قاموا بالضمانات الكافية من عدم انتشار الشر والفساد؟.

 

لقد فتح كثير من المسلمين بسبب الغفلة عن دين الله وقلة التحفظ والتوقظ، فتحوا بلادهم ومتاجرهم وبيوتهم وقلوبهم لتلك التيارات الوافدة وأسلموا مجتمعاتهم للأمم الكافرة المعاندة وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى! فقال صلى الله عليه وسلم فمن؟! رواه البخاري. ويشخص الإمام حسن البنا رحمه الله حالة الأمة بسبب بعدها عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فأصيبت (في ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها، واستيلاء الشركات الأجنبية على مواردها ومصادر خيراتها، وهي مصابة في ناحيتها الفكرية بالفوضى والمروق والإلحاد يهدم عقائدها ويحطم المثل العليا في نفوس أبنائها، وفى ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عادتها وأخلاقها والتحلل من عقدة الفضائل الإنسانية التي ورثتها عن الغر الميامين من أسلافها، وبالتقليد الغربي يسري في حياتها سريان لعاب الأفاعي فيسمم دمائها ويعكر صفو هنائها، وبالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرما ولا تؤدب معتديًا ولا ترد ظالمًا، ولا تغني يومًا من الأيام غناء القوانين السماوية التي وضعها خالق الخلق ومالك الملك ورب النفوس وبارئها).

 

ويقول أحد الدعاة: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف من الضنك وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة".

 

أيها المسلمون: "إنكم أغلى وأعلى وأعز وأكرم من أن تهبطوا من سماء عليائكم إلى التشبه بأمم كافرة فاجرة تعيسة بئيسة حائرة شاردة تلهث وراء شهوتها وتستهيج في سبيل متعتها، فلقد شرفكم الله جل وعلا بأعظم دين، وأكرمكم بأفضل رسول محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل عليكم خير كتاب فاشكروا الله على ما حباكم وأعطاكم، وجابهوا جهود أعداءكم بجهود أقوى وأمضى قبل أن تشتد شوكتهم وتحتد شكتهم، جهود تحفظ أمانة الدين الذي ائتمنكم الله عليه، صونوه طاقتكم واحفظوه جهدكم (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)) (محمد).

 

أيها المسلمون: لقد استحكمت غربة الدين وعظمت المصيبة على كثير من المسلمين في كثير من البلاد بسبب إفشاء الفساد وإشهاره ومداهنة بعض الناس في إنكاره، وإن أطمّ المصائب وأوضع المراتب أخذ المال السحت على الإقرار عليه وحماية فاعله من أن يتوصل للإنكار عليه.

 

فأين القائمون لله؟ الذابون عن دينه، الذائدون عن محارمه، بمجاهدة عدوه وأهل معصيته.
عباد الله: إن مما يبعث على الحرقة والأسى.. أن يرى المسلم في مجتمعه وأمام عينيه صورًا ممرضة وأحوالًا مريضة من المنكرات والمحرمات فلا يجد لذلك في نفسه أسيً ولا حسًّا ولا توجعًا، فأي ركن قد وهى؟ وأي نور للأمة قد ذهب واختفى؟ نعوذ بالله من اندراس معالم هذه الشعيرة واستيلاء المداهنة على القلوب وذهاب الغيرة الدينية.

 

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم يا خير أمة أخرجت للناس: أين الحمية التي تتأجج في صدوركم لدين الله؟؟ أين الغضب؟؟ أين تمّعر الوجوه لانتهاك حدود الله؟؟، تقول عائشة رضي الله عنها: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل" رواه مسلم.

 

أيها المسلمون: تعاقدوا وتعاهدوا أن تنصروا شريعة الرحمن وقوموا قومة تُعلي راية الإيمان وخذوا على أيدي سفهائكم قبل استفحال الداء وإعواز الدواء، واعلموا أن التواكل والتلاوم والتحسر والتضجر دون عمل وجد واجتهاد وأمر ونهي ودعوة وإرشاد لا يغير من الواقع شيئًا، بل هو داعية غم وهمّ وفتور وإحباط.

 

إننا لا نريد غيرةً لا تعدوا أن تكون مجرد معان نتمناها بأذهاننا أو نحسها مجردة في مشاعرنا، إننا نريدها باعثًا قويًّا وواقعًا عمليًّا وعملًا إيجابيًّا لخدمة دين الله والانتصار لشرع الله وفق القيود الشرعية والضوابط المرعية.

 

أيها المسلمون: إن القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة جسيمة ذات أعباء لا يقدر عليها إلا الكمّل من الرجال، هي مهمة الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، مهمة تصطدم بشهوات الناس ونزواتهم وغرورهم وكبرياءهم وهبوط السفلة منهم، ولا بد أن ينال القائمون بها شيء من الاعتداء والأذى، فصبرًا صبرًا يا أهل الحسبة، فقد أوذي إمامكم وقائدكم خاتم الأنبياء وإمام الحنفاء محمد صلى الله عليه وسلم فصبر وصابر حتى نصره الله (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (الأنعام:34) (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40))(الحج).

 

أيها المسلمون: إن إيذاء المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أو الاعتداء عليهم أو الطعن فيهم أو تضخيم أخطائهم وبث الإشاعات الكاذبة ومصادرة أموالهم ومحاربتهم في أرزاقهم وعقد المحاكمات الظالمة لهم جرم عظيم وذنب كبير تصيب المرء مغبته ومعرّته ولو بعد حين، يقول جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)) (آل عمران).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب" رواه البخاري.

 

فاحذروا من الانخداع بمقالات الجاهلين أو الانسياق وراء أكاذيب الحاقدين وما يدور على ألسنة المغرضين، يقول جل وعلا: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)) (الأحزاب).

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا

 

عباد الله:

اتقوا الله وراقبوه وأطيعوه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)) (التوبة).

 

ارحموا أهل المعاصي والمنكرات ارحموهم وأرشدوهم ووجهوهم فالراحمون يرحمهم الرحمن، أنقذوهم من الضلالة والعمى وبصّروهم طريق الرشاد والهدى، واهجروا من أصر منهم على معاصيه وجاهر بفسوقه ومخازيه.

 

 إن المعلوم بمقتضى النصوص والمشاهد بالواقع المحسوس أن هجران المجاهرين بالمعاصي والمنكرات المصرين على باطلهم وفسقهم وأمرهم بالمعروف ونهيه عن المنكر له الأثر الأكبر والنصيب الأوفر في إضعاف المعاصي واضمحلالها. يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور"، فلا بد من القوة والحزم مع ضرورة تجفيف منابع الشر وسبل الفساد.

 

أيها القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اعلم أن العلم إمام العمل، فلتكن عالمًا بما تأمر، عالمًا بما تنهى، رفيقًا فيما تأمر، رفيقًا فيما تنهى، حليمًا فيما تأمر، حليمًا فيما تنهى، وليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر بلا منكر.

 

عباد الله: كونوا للحق أعوانًا (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)) (الأنفال).

 

معاشر المسلمين: لا يخفاكم ما يمر به إخواننا في فلسطين من حرب ضروس، وهم فيها منصورون بإذن الله حتى ولو خذلهم الصديق والقريب؛ لأن الله ناصر دينه ومعلٍ كلمته.

 

 ومن نصرهم فإنما ينصر نفسه، ومن جاهد معهم بماله أو ببدنه فإنما يجاهد لنفسه والله غني عن العالمين.

 

تعرضوا لأبشع أنواع الحرب والإبادة والقتل والتشريد والحصار والتجويع من اليهود الملاعين والصليبيين الحاقدين، وسكت العالم لأنهم مسلمون، والله المستعان.

 

 وقد استنصروكم في الدين فعليكم النصرة ولا تقولوا قد أنفقنا وأعطينا، فاليوم يتبين المنفق من الشحيح (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9)) (الحشر).

 

آتوهم من مال الله الذي آتاكم (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) (المزمل:20) تقبل الله منا ومنكم الطاعات ووفقنا وإياكم للعمل بالباقيات الصالحات.

 

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويعافى فيه أهل المعصية ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر وتقال فيه كلمة الحق لا يخشى قائلها في الله لومة لائم.

 

اللهم احفظ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم شد عزائمهم وقوِّ شوكتهم والق في قلوب عدوهم المهابة منهم، ووفقنا جميعًا لنصرتهم ومدِّ يد العون لهم، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الداعين إلى منهجك وطريقك، وأنعم علينا بتحكيم شرعك وتطبيق منهجك ففيه عز الأمة وغناها وقربها وتقواها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.