- تصريحات المرشد العام أكدت فهم الإخوان الراقي لدور الفن
- نسعى لاستقلال المؤسسة والخروج من دولاب عمل الحكومة
- نطالب صانعي" أفلام للكبار فقط" بحرية ملتزمة بقضايا المجتمع
- الإخوان مكسب حقيقي لإنعاش الإنتاج السينمائي والنهوض بالصناعة
- الكوميديا السياسية والأفلام المستقلة من أهم إفرازات الثورة
حوار: سماح إبراهيم
المتابع للموقف من الرقابة يجد نفسه حيال عمل تعرض للقمع والتسلط من جانب النظام المستبدّ على مدى عقود طويلة كان النظام خلالها حريصًا على تحصين ذاته وحظر أي عمل فني يمكنه أن يؤثر تأثيرًا حقيقيًّا في الجماهير، وعلى الجانب الآخر كان موقف أهل الفن الرديء رافضًا لفكرة الرقابة من الأصل؛ إذ إن عمل الرقابة يكشف خروج هذا النوع الرديء على تقاليد المجتمع وثوابته وقضاياه؛ الأمر الذي يجعل الرقابة على المصنفات الفنية عملاً محفوفًا دائمًا بالمكاره من طرفين مهمين في النظر إلى العمل الفني.
إنها نقاشات حادَّة وجدل حتمي وأسئلة عديدة تدور بين أطراف الإبداع "الفنان والكاتب والرقيب" حول دور الرقابة.
(إخوان أون لاين) التقى الدكتور سيد خطاب، رئيس الرقابة على المصنفات السينمائية وأستاذ الدراما والنقد بمعهد الفنون المسرحية؛ ليجيب عن أسئلة عديدة حول تحديات الفن الفترة القادمة:
* الشاغل الأهم لدى رجال السينما.. ماذا عن الفترة القادمة؟! هل سيظل مقص الرقيب هو المتحكم في تقديم أفكار المبدعين لجمهورهم أو حجبها؟!
** المبادئ لا تترسخ بالقمع، ومقص الرقيب ليس له أي جدوى في وقتنا هذا، فنحن في عصر التوثيق المعلوماتي، وعلينا جميعًا دعم فلسفة الانتقاء وتربية المشاهد على آليات الاختيار والانتقاء ويترك له حق الاختيار بين كمّ المعروض أمامه حسب مكونه الثقافي والاجتماعي والديني، فهناك مليارات السيول المعلوماتية النصية منها والمصورة ولا سبيل للعقل البشري من استيعابها، وعلينا كجهاز رقابي استخدام المقص فقط لتأمين المعلومة وتقديمها للجمهور بشكل آمن.
* إذًا ما المعايير التي تضعها لجنة الرقابة على المصنفات لحذف مشهد أو منع فيلم من العرض؟!
** ثلاث معايير لا يجب المساس بهم حسب القانون رقم 43 لسنة 55 الذي يحكم لجنة الرقابة وينص في مواده الأساسية على الالتزام بالآداب العامة للمجتمع، ومصالح الدولة العليا وعدم المساس بالعقائد الدينية، وبالتالي يتم منع أي فيلم يتعمَّد ازدراء الأديان والاعتداء على عقائد الآخرين، أو أي فيلم يخترق الآداب العامة، أو يعتدي على فصيل مصري.
وهذه المعايير الثلاثة مرتبطة بحركة المجتمع ومتغيراته، كما أن الآداب العامة تتغير بثقافة الأفراد، فالسينما في الثلاثينيات تختلف عنها في السبعينيات تختلف عن السينما المصرية باختلاف أفكار المجتمع وآدابه العامة؛ مما أعطى مساحة من الحرية بين التطورات التي تَجدُّ على المفاهيم المجتمعية، كما سَمحت للمبدع بمساحة من الحرية فهي حق يكفله الدستور للجميع بما لا يمس ثوابت المجتمع.
* اقترحت إلغاء جهاز الرقابة على المصنفات الفنية وإنشاء مؤسسة "حقوق الملكية الفكرية"؛ ما دور هذه المؤسسة ومهامها؟
** بالفعل، طالبت بتطوير مؤسسة الرقابة وتحويلها من صفتها الرقابية إلى مؤسسة ثقافية وحقوقية؛ لمناقشة الأعمال الفنية وحماية المبدع الفكرية والمادية من ضغوط المجتمع.
ومهام هذه المؤسسة هو رفع العبء عن الدولة والتقليل من حجم الموارد المالية وضخّها مرةً أخرى لشركات الإنتاج لاستكمال دورة رأس المال وإنعاش صناعة السينما، فالرقابة ليست صوت الدولة في الإبداع.
وأيضًا يمكن إقامة ندوات حول الأفلام المعروضة ومناقشتها، وفتح الملفات الشائكة حول طبيعة حركة العمل الفني الديني في المرحلة القادمة، فهناك العديد من المعضلات التي تواجهنا في التقنية الحديثة، مثل شكل المقدس "طبيعيته وحدوده" وماذا عن تجسيد الأنبياء، وماذا عن العشرة المبشرين بالجنة، فهناك بعض النقاط تقف أمام فيلم "المسيح" وتجسيده، فثقافتنا الإسلامية ترفض تجسيد الأنبياء، في حين أن الثقافة القبطية لا تمانع في ذلك!.
* ماذا عن التعديلات القانونية والمشاريع التي ستتقدم بها أمام مجلس الشعب المنتخب عقب اجتماعكم مع النقابات الفرعية الثلاث؟
** القوانين تحتاج إلى تفعيل وتطوير فحسب، وفيما يخص مشاريع التطوير سنتقدم بملف تطوير مهني وإداري يضع في أولوياته المساواة بين المبدع والمواطن وعدم تجريم المبدع في نشر وعرض أفكاره "في إطار الحرية الملتزمة".
وسنسعى لاستقلال المؤسسات وأن تكون المؤسسة ملتقى فكريًّا وثقافيًّا بعيدًا عن النمط البيروقراطي المتعارف عليه والخروج من دولاب عمل الحكومة والاعتماد على نفسها اقتصاديًّا.
كما تم إعداد خطة تطوير لجدول الرسوم بالتعاون مع النقابات الفرعية الثلاث، والتي سترفع من مرتبات العاملين إلى 3 أضعاف، بالإضافة إلى إعطاء الرقباء 25% من إجمالي ما يتم تحصيله؛ نظرًا لعدم وجود لوائح مكافآت، بالإضافة إلى قلة العاملين بالمؤسسة.
* وماذا عن المهام الأخرى التي تشرف عليها الرقابة؟
** تتولى اللجنة الرقابية على المصنفات مراقبة تطبيق قوانين الرقابة في الملاهي الليلية والفنادق؛ لمنع استغلال الفتيات القاصرات من العمل في تلك الأماكن، بالإضافة إلى رصد كل المواد القادمة من الخارج بمطارات وموانئ مصر قبل دخولها أو خروجها، فضلاً عن "إدارة التفتيش الفني"، وجميع أعضائها دورهم التنفيذي هو القضاء على فكرة القرصنة ومطاردة مزوري الأفلام وسارقيها.
* كيف كان يدار جهاز الرقابة على المصنفات الفنية سابقًا؟
** على مدار السنوات العشر السابقة كانت الحركة الرقابية خارج نطاق عملها تتأرجح بين الحرية والمنع والكبت حسب متغيرات المجتمع، ومن الغباء الذي لم يدركه النظام السابق هو الاستهانة بقدرات شعبه واستخدام سياسية الكبت والحجر على الحريات.
وحقيقة الأمر أن الأفكار لا تقاومها سوى بأفكار أخرى، والمادة المرئية الرديئة تقابلها مادة مرئية نظيفة، والثورات العربية والتغيرات في الخريطة السياسية ستؤثر بشكل واضح في نوعية الأعمال الفنية التي ستقدم فيما بعد.
* أصرت لجنة الرقابة على المصنفات على حذف مشهد من فيلم "واحد صحيح" رغم عرضه كاملاً بمهرجان دبي، أليس هذا تعنتًا رقابيًّا؟!
** إطلاقًا؛ ليس هناك أدنى تعنت، فالجميع سواء أمام قانون الرقابة، والمشهد المحذوف كان يتضمن لغة مغايرة لطبيعة الشخصية، وهذا الخطأ الفني جاء في كتابة السيناريو، وكان له أثر سلبي مع الجمهور، فبدلاً من أن يبكي الجمهور تعاطفًا مع الأزمة التي كانت تعاني منها "البطلة" ضحك عليها، ويمكن إرجاع ذلك لاستخدام السيناريست الخاطئ للمفردات.
* ألا تخشى من احتكار الإخوان للسينما وتوجيهها بما يتناسب مع فكرهم بدخولهم في مجال الإنتاج السينمائي؟
![]() |
|
د. سيد خطاب |
كما أن تصريحات الدكتور محمد بديع، مرشد الإخوان، في المجال الفني وعدم الحجر على أفكار المبدعين أو المعروض السينمائي في مقابل طرح بدائل فكرية وفنية تبشر بأن الفترة القادمة ستشهد تنافسًا؛ من أجل تقديم أعمال غير مستهلكة وغلق منافذ الأفلام التجارية، فأنا أتفاءل بالقادم فلا سقوط بعد ذلك، وبالتالي فإن الآتي لا بد أن يكون صعود.
* ما مدى تأثير الأحداث السياسية في الفن في الفترة القادمة؟
** سنجد في الفترة القادمة سمات التعدد الفني، وسنرى تنوع الكم المعروض من الأفلام بقدر الحدث السياسي وقراءاته المختلفة من قبل التيارات السياسية.
وستنتشر الأفلام التسجيلية والتي تعدُّ مدخلاً مهمًّا لقراءة التاريخ وتفنيد الأحداث السياسية ورصد الأخطاء الذي وقع فيها النظام السابق ليتفاداها النظام اللاحق.
وقد كنت أتوقَّع من الإخوان إنشاء قناة وثائقية؛ لأنها سوف تحظى باهتمام بالغ وستكون من أكثر القنوات رواجًا، كما أتوقع ثراءً في أفلام الكوميديا السياسية.
والتطور في عالم الصورة المرسومة والفن ثلاثي الأبعاد والبرمجيات وجميع أدوات التصوير والمونتاج ملك للمبدع الفرد؛ حيث أصبح في غنى عن شركات الإنتاج.
* حرية الإبداع وتوقف الحظر على الأفلام ذات البعد السياسي، ترى إلى أي مدى تحققت؟
** دعينا نتفق أن العمل الذي يخلو من التمرد عمل منقوص، فالإبداع مقترن دومًا بالتمرد، واختيارات المبدعين تتجه دائمًا لمهاجمة النظام، وأعتقد أن الحظر على الأفلام ذات البعد السياسي قد توقف إلى حد كبير بعد الثورة، فنحن نؤمن بأن الأفكار لا تموت بل تتراكم على بعضها البعض ولا مجال لتلاشي فكرة إلا بوجود فكرة أخرى، فلا يوجد خطوط حمراء على الأفلام السياسية.
* ما مكتسبات الثورة في المجال السينمائي والمسرحي؟ وما مقترحاتك لإنعاش صناعة السينما المصرية؟
** الثورة المصرية أنشأت مدارس فكرية وفنية جديدة، وأفرزت فنًّا مؤهلاً ليعبر عن واقع ومشكلات مجتمعه، فأصبح ما يمكن تحقيقه في 100 سنة قادمة سهل تنفيذه خلال بضع سنوات، ومن أهم المكاسب التي ستعود على الفن في الفترة القادمة هي ظهور تجربة رائدة في المسرح تسمي "مسرح الشوارع" والاهتمام بتطوير أدواته، فهناك ما يزيد عن 300 فرقة مسرحية لديهم طاقات إبتكارية لا تحتاج لمسارح مكيفة أو مجهزة وتعمل جاهدة بإنتاجهم الشخصي الضعيف، فنحتاج إلى الاهتمام بهم ودعمهم فالمسرح هو جماع الفنون.
ونحن نمر بمرحلة هامة وهي إعادة ترتيب سلم القيم، الأمر الذي يستلزم جهدًا تربويًّا وثقافيًّا وأخلاقيًّا وتشكيل الوعي العام للمشاهد، ودور الإخوان وغيرهم هو إعادة إحياء منهج الإمام حسن البنا بالمدارس والاهتمام بالجانب المسرحي والخطابي لتهيئة وإعداد جيل قادر على تذوق الثقافة والفنون، فأنا تربيت على هذا النشاط المدرسي واكتسبت منه ثقافة التلقي والانتقاء.
أما عن نوعية الأفلام المستحدثة والتي أظنها قادرة علي إحداث طفرة فنية فهي "أفلام السينما المستقلة"، والتي تعد نافذة أساسية لتطور السينما المصرية، وقد شاهدت الكثير من الأعمال لمجموعة من الشباب وبهرتني عبقريتهم وإنتاجهم من خلال موجز فكري صغير لا يتعدى العشر دقائق، وبرغم أن الرقابة لم تطلع على مرحلة السيناريو إلا أن جميع الأفلام القصيرة المعروضة تحترم ما تنصه الرقابة بشكل ذاتي، واستطاعوا خلق نمط جديد من الدراما المصرية.
* ما المعوقات التي تواجه العاملين بالرقابة؟
** ضعف الإمكانيات والتجهيزات بالمؤسسة فغير معقول أن يبحث الرقيب عن مكان وجهاز لمتابعة فيلم خارج المؤسسة ليصدر حكمًا أو تقريرًا عنه، وذلك لعدم توفر الإمكانيات بداخلها.
ونريد الاهتمام بالمؤسسة الرقابية وتخصيص مبنى خاصًّا لها، فضلاً عن تزويدها بالأجهزة والمعدات اللازمة، وقد تقدمنا بعمل مشروع من شأنه تطوير لائحة الرسوم نظرًا لوضع العاملين المالي المتدني وعدم وجود لوائح مكافآت لهم.
* أفلام للكبار فقط؛ ماذا عنها بعد الثورة؟ هل سيتم منع هذه النوعية من الأفلام التي تستخدم هذه بغرض تفادي حذف مشاهد بعينها؟
** نحن نحترم جميع الأفكار ولكن تقابلنا بعض الملاحظات على طريقة تناول هذه الأفكار التي قد نراها خادشة للحياء أو بها مشاهد إباحية لا تتوافق مع قيم وآداب المجتمع العامة، فالمعلومة يجب أن تكون آمنة للمواطن والتصنيف العمري هام ولكن لا يجب استغلال هذا المعنى في عرض أفلام تفسد مضمون الفيلم، فضلاً عن أن القانون يجرم بث أي عمل فني بدون موافقة الرقابة.
ورسالتي لصُنّاع الأفلام والمبدعين هي: "قدموا ما شئتم ولكن بحرية ملتزمة بقضايا المجتمع ومبادئه، ومسئولة عن حماية العقيدة التي هي جزء من التكوين الثقافي للأفراد، فلا يوجد تناحر بين الدين والفن في نشأتهم.
