أثارت تهديدات شيوخ الكونجرس الأمريكي بقطع المعونة الأمريكية عن مصر حفيظة السواد الأعظم من الشعب المصري، الذي أكد رفضه التام للمساومة على حريته وكرامته بهذه المعونة وذلك بعد أن تكشفت خيوط قضية التمويل الأجنبي التي اتهم فيها نفر كثير من جنسيات مختلفة ومنهم على الأخص مواطنون أمريكيون.

 

وكان هذا سببًا في التصريحات والتهديدات التي أثارها أعضاء الكونجرس وتقدموا باقتراحات بشأنها محاولين الضغط على الحكومة المصرية، وعلى القضاء المصري النزيه للإفراج عن المواطنين الأمريكيين المتهمين والمحتجزين على إثر هذه القضية، ملوحين بورقة المعونات الأمريكية والتي بدأت تتلقاها مصر من الولايات المتحدة الأمريكية بصورة ثابتة في أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979م؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر تقديم معونة اقتصادية وأخرى عسكرية لكل من مصر والكيان الصهيوني تحولت منذ عام 1982م إلى منح لا ترد بواقع 3 مليارات دولار للكيان الصهيوني و1.2 مليار دولار لمصر، وتمثل هذه المعونة نسبة كبيرة مقارنة بما تحصل عليه مصر من معونات ومنح دولية أخرى.

 

والأهداف المعلنة للمعونة الأمريكية حسب تصريحات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية هي تنمية الاقتصاد المصري لكي يصبح قادرًا على التنافسية العالمية ويحقق الاستفادة العادلة لجميع المصريين في جميع المجالات.

 

وبرز في أفق العلاقات المصرية الأمريكية اتجاه واضح لتقليل المعونات الحكومية المقدمة لمصر وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تطبيق هذا التوجه والخفض منذ يناير 1998م وتقرر تخفيض المعونات الاقتصادية اعتبارًا من 1999م.

 

أما فيما يتعلق بالمعونات العسكرية الأمريكية لمصر فهي ثابتة عند مستوى 1.3 مليار دولار سنويًّا، وإن كانت هناك أيضًا مقترحات بتخفيضها، إلا أن ثباتها تأكد أخيرًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه لا نية لتخفيضها بل ستظل عند مستواها السنوي المعهود.

 

ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير بعد المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه قاضيا التحقيق خيوط القضية، التي اتهم فيها عددًا من المنظمات الدولية العاملة في مصر وهي منظمات مراكزها الرئيسية في الدول الأجنبية ونشاطها سياسي بحت لا صلة له بالعمل الأهلي الذي قننه الفقه القانوني المصري.

 

وثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التحويلات اتخذت بعدًا جديدًا عقب أحداث ثوره يناير، وامتد الأمر إلى محاوله التأثير في المناخ السياسي المصري من خلال  توجيه العملية السياسية في مصر لخدمة مخططات وأجندات خارجية.

 

بل بلغ بهم السفه حدًّا تقدم على إثره بعض أعضاء الكونجرس بمشروعي قانون حول المساعدات الأمريكية لمصر: أولهما خاص بحماية الحريات المدنية في مصر، وثانيهما بحرمان القاهرة من المساعدات بسبب أزمة منظمات المجتمع المدني الأخيرة.

 

وأرى أن هذه المنظمات تهدف إلى إنبات بذور الفتنة وشق وحدة الصف الوطني المصري وزعزعة ثقة المواطنين في دولتهم ومؤسساتهم وتبث الرعب والخوف في نفوسهم.

 

لكن الشعب المصري يثبت بين الحين والحين نقاء معدنه وصفاء سريرته وقوه شكيمته، إذ اتحدت كلمته على مضي المؤسسات القانونية ممثلة في قضائه النزيه في إتمام نظر القضية  دونما اعتبارات لمعونة أو تهديدات من هنا أو من هناك.

 

وأضحت النغمة المتناسقة على لسان رجل الشارع العادي ناهيك عن المؤسسي؛ أننا نرفض أن نساوَم على كرامتنا وحريتنا وسيادة أراضينا، وسنحافظ عليها بكل غالٍ ورخيص، ولن ننحني أو نركع أمام هذه الضغوط البغيضة.

 

وكان للمبادرة التي رفع لواءها الداعية الكبير الشيخ محمد حسان وقعها وأثرها لدى أوساط كثيرة في المجتمع المصري، وإن حاول بعض المغرضين التقليل منها، لكنها مبادرة كريمة تعيد التفاف الشعب المصري، وتعاونه واتحاده ليحيا على أرضه كريمًا أبيًّا مرفوع الهامة شامخ القامة.

 

وتبقى كلمتان أوجههما لشيوخ الكونجرس الأمريكي:

أولاهما: أنكم سبق وأن أصدرتم قانونًا تهدفون به حماية دولتكم، وكان ينص على حظر أي تمويل خارجي بل أي نوع من الاتفاق الذي يرتبط بجانب من الجوانب السياسية، وذلك من جانب أي حكومات أو أفراد من الدول الأجنبية، فلم تلوموننا وتهدوننا لأننا نحاول أن نحمي دولتنا من المخربين الذين يعيثون في الأرض فسادًا، ويتخذون شعارات براقة لأهدافهم تبدو في ظاهرها أنها نبيلة لكن باطنها مليء بالمكر والدهاء؟!!.

 

ثانيهما: لمن يلوحون لنا بالمعونة الأمريكية ظانين أنه لا حياة لنا بدونها، وأنها وسيلة لإنقاذ ما تريدونه من مخططات وأجندات؛ فنقول لكم خاب سعيكم وخسر ممشاكم وإن مصر إن تعثرت بعض الوقت لكنها لن تبقى ذلك كل الوقت، وسيأتي يوم تعود لمصر مكانتها ولن نرضى بأي ضيم أو إذلال، وسيتصدى الشعب المصري كله لهذه المحاولات، فشعبنا الذي لا تعرفونه يقف صفًّا واحدًا في الأزمات والملمات، ويواجه بكل نفيس وغالٍ من يحاول أن يلبسهم لبوس الخزي والمهانة، وإن قلبتم قلوب أبنائه وتفحصتم ألسنتهم فلسوف تجدونهم يتخذون من كلمات شاعر الحماسة العبسي عنترة شعارًا له في حياته، لمَّا قال:

حكم سيوفك في رقاب العذل  ***   وإذا نزلت بـدار ذل فـارحـل

وإذا ابتليت بظالم كن ظالمًا   ***   وإذا لقيت ذوي الجهالة فاجهل

موت الفتى في عزة خير له   ***   من أن يبيت أسير طرف أكحل

لا تسقني ماء الحياة بذلة بل  ***    اسقني بالعز كــأس الحنظل

ماء الحياة بذلة كجهـــنم   ***    وجهنم بالعــز أشرف منزل

-----------------

* باحث بالقانون الدولي وعضو هيئة كبار العلماء بالجمعيات الشرعية.