أتعجَّب من عبارة يتناقلها بعض الناشطين أو إن صح التعبير المهمشين الذين ليس لهم وجود في الشارع المصري سوى الظهور على الفضائيات المثيرة للجدل ألا وهي: الثورة قد سرقها أناس ركبوا الموجة واستغلوا القوة التنظيمية لديهم في بسط سيطرتهم على المشهد السياسي في مصر.

 

طبعًا من الواضح جدًّا أنهم يقصدون التيار الإسلامي الذي يتزعم مشهده (جماعة الإخوان المسلمين) التي تم تأسيسها منذ ما يقرب من ثمانين سنة، والتي ألزمت نفسها فهم الإسلام بمنهج شمولي يشمل الجانب السياسي الذي يعتبره الكثير من المراقبين أنه محور العمل الرئيسي لديهم، لذا أتَعَجَّب ممن يطلقون عليهم عبارة (أنصار الإسلام السياسي) ولا يوجد في ديننا تلك العبارة، فالإسلام منهج إلهي متكامل يشمل كل جوانب الحياة، ونتيجة هذا اللبس في الفهم لدى الكثير ممن يطلقون عليهم النخبة أن سعي الإخوان هو وراء الكراسي، وأنهم يستخدمون العاطفة الدينية للوصول لأغراض سياسية!!.

 

وإني لا أعجب من ذلك فما تمَّ في 60 عامًا من تخريب العقول مع جهاز لا يمل ولا يكل من لعبة الأراجوز حتى يُذهب عقول الناس! فماذا يبقى بعد غياب العقول!! وأقحموا معهم أيضًا التيار السلفي الذي وإن لم يكن له وجود سياسي في الفترة السابقة؛ نتيجة عدم المشاركة واكتساب الخبرة إلا إن رصيده الاجتماعي والدعوي أيضًا أثر بصورة إيجابية في تعديل الكثير من المفاهيم والأمراض الاجتماعية التي رسختها الأنظمة البائدة، لكن بعد انتخابات نزيهة قد اختار الناس الأحزاب الإسلامية، بالرغم من أنهم لا يملكون أجهزة إعلامية عملاقة مثلما يملك غيرهم، ورغم حملات التشويه المستمرة والطعن في وطنيتهم، ورغم الضغوط الخارجية للضغط على السلطة الانتقالية في البلاد لإبعادهم عن حقهم الطبيعي الذي يستحقونه.

 

فيا ترى ما السبب في تلك المفارقة العجيبة؟! السبب واضح جدًّا أن هؤلاء هم في الأساس من صنعوا ركائز الثورة منذ نشأتهم، ففي الوقت الذي ترك أناس كثيرون دورهم المنوط بهم ممن يظهرون على الفضائيات ويدعون كذبًا وزورًا أن الثورة سُرقت كان هؤلاء في وجه الطغيان يصارعهم ويكشف خططهم لتدمير مصر، ويراق دمهم في السجون والمعتقلات جراء هذا.

 

والشارع المصري يدرك مَن وقف معه واقترب منه وتجاوب معه في قضاياه، فالشباب الذي قام بالثورة هو من أيد الانتخابات الحرة النزيهة، والذي يؤيد دعاة الحرية في كل مكان، ولا يمكن أبدًا أن يسوى بينه وبين شباب يدمِّر ويخرب ويسعى إلى العصيان مدعيًا بأن الثورة لم تحقق أهدافها، كيف لم تحقق الكثير من أهدافها؟!! وقد ذهب عنا جبروت النظام السابق في أعتى قوته، وقد رأينا الحرية أمام أعيننا وذقنا حلاوتها، وقد مارسناها في اختيار نواب الشعب والشورى بنزاهة وشفافية، وقد اتضح للجميع أنه لا يمكن أن تفرض إرادة فوق إرادة الشعب، ولا يملك أحد هذا الآن، وقد رأينا برلمانًا حقيقيًّا يعبر عن شعبه ويناقش قضاياه وهمومه بحكمة وصبر وموضوعية، وقد أصبح الكل يعبر عن رأيه دون خوف من سلطة حاكمة أو زبانية يطرقون بابه آخر الليل، ...... إلخ.

 

إن تحدثنا عن منجزات الثورة فلن تنتهي أقوالنا من تزاحمها؛ لأنها في الحقيقة كانت للشعب المصري بكلِّ انتماءاته، منه بدأت سواء بالشباب والشيوخ والنساء والأطفال، الكل شارك بحب وتضحية، وإليه أيضًا تعود ثمار الثورة الطيبة، ولا يستطيع أحد أن يستأثر بها لنفسه ويبتلعها أو ينسب ذلك لنفسه، لن يتم ذلك إلا بتلاحم المصريين لبناء مصرهم، وتحقيق السلم الاجتماعي بينهم، وقبول الآخر وليس تخوينه طالما لم يثبت عليه ذلك بأدلة واضحة، ولن تُسْتَكْمَل أهداف الثورة إلا بوحدة المصريين للعمل والبناء.