رحل عن أمتنا منذ أيامٍ- إثْر حادثٍ أليمٍ- الأستاذ الدكتور إبراهيم الفقي، لينضم إلى قافلة الشهداء من علمائنا الأفذاذ المعاصرين أمثال الأستاذ الدكتور مصطفى مشرفة وغيرهم، رحمة الله عليهم أجمعين.
ومُصاب الأمة أبلغ ما يكون في علمائها؛ لذا فحماية علماء الأمة ورعايتهم وتهيئة المناخ المناسب لأداء أعمالهم من الواجبات الأولية.
والعلماء المعنيون هم صنفان؛ الأول هم العلماء الربانيون العاملون الذين عَكَفوا على دراسة وتدبر كتاب الله المقروء الذي نَزَل على محمد (صلى الله عليه وسلم) وسنته المطهرة وسِيَر الأعلام من قبلهم، ليظفروا بما يُجَدِد للأمة إيمانها، ويقوي عزائمها للمضي قُدُمًا لمواجهة أعدائها وحماية مقدساتها وإصلاح شأنها.
وفقه هؤلاء العلماء وما يستنبطونه باجتهاداتهم من أحكامٍ تشريعية يلزمان لإرشاد الأمة في سيرها، وضبط مسلكها، فتطمئن بذلك في حياتها وتسعد في آخرتها.
أما الصنف الآخر فهم أولو الألباب الذين نظروا فأمعنوا البحث في كتاب الله المنشور الذي خلقه- سبحانه وتعالى- وهو الكون، ذلك الكتاب الذي نَزَلت أول آية في القرآن تأمر الرسول ومن وراءه بالقراءة فيه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)) (العلق). هؤلاء هم العلماء الذين يُخْرِج نِتَاج فكرهم وجهدهم اختراعاتٍ وعلومًا لازمةً لإعمار الأرض، ولنفع الناس، بل لتوفير ضرورياتٍ معيشيةٍ خاصةً مع تقدم الزمان وازدياد تعداد ساكني المعمورة.
ومن هؤلاء العلماء من يعمل على النفس البشرية، ويعنى بالدراسات الاجتماعية، اللازمة لتنظيم حياة الناس، وزيادة كفاءة المجتمع.
وإبداعات العقل البشري وما يَبْلغ من العلوم هو الذي باهى به الله (سبحانه وتعالى) ملائكته، فما كان لهم إلا أن قالوا: (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) ) (البقرة).
لقد كان الدكتور إبراهيم الفقي من الخبراء الأعلام العالَمين في مجال الطاقة والتنمية للموارد البشرية؛ فقد درس- رحمة الله عليه- العلوم الحديثة الرافدة لهذا المجال، والتي توصلت إليها خبرة البشر على مر السنين، واهتدى كذلك لما في المنهجية الإسلامية من بواعث للطاقات وآليات عظيمة للتنمية البشرية، وعليه فقد جمع من قُطبي العلم السالف وَصْفهم.
كان- رحمه الله- رجلاً حيويًّا فريدًا من نوعه، ذا قدرة عالية على التأثير خاصةً بين الشباب، وذا مهارة عالية في تنظيم الأفكار وتسلسلها، ناهيك عن قدراته التحليلية وطرحه للحلول في خطواتٍ منهجيةٍ مرتبة، وكان سببًا في تغيير حياة كثيرٍ من الناس نحو الأفضل، لذا فقد بدا قائدًا كما كان عالمًا.
وهو بحقٍ مثالٌ للعربي المسلم الناجح أمام المجتمع الغربي، وهو ما يعاكس الفكرة- التي يحاول أن يُرسخها إعلامهم- عن همجية العرب والمسلمين. على أنه تلوح في الأفق الآن مراجعاتٌ واقعيةٌ تعقلية لهذه النظرة نحو العرب والمسلمين.
وكغيره من الكثير من النوابغ خرج الدكتور إبراهيم الفقي من بلاده قبل أن يموت كَمَدًا، ويُكَفَّن في إبداعاته. إلا أن الأصيل من هؤلاء النوابغ عاش حنينًا في ألمٍ ما ذكر بلاده التي لم تغب عن خاطره، وظلت ناظراه صوب بلاده، يتحين الفرصة تلو الفرصة ليُفيد أبناء بلده، كما كان يفعل- رحمه الله- بزياراته المتكررة لوطنه العربي، كان النصيب الأكبر منها لوطنه مصر.
ولما قامت الثورة المصرية، رأى الدكتور إبراهيم أن الحاجة لما لديه أصبحت مُلِحَة، وأن عليه مسئوليةً كبيرةً في لَم شَمْل الشباب ودفعهم لخدمة بلادهم وأنفسهم، وعليه كَثَف- رحمه الله- من جهده في بلاده؛ فمن محاضرةٍ بكليةٍ إلى أخرى عازفًا على أوتار قلوب من يحبون مصر، محفزًا إياهم أن يهبوا للعمل والإنتاج، ولصنع مستقبلهم ومستقبل بلادهم، وأن يستثمروا الطاقات والأعمار، ففيهم الأمل وعليهم الرجاء.
وفي نهاية المطاف ناداه ثرى مصر ليكون مثواه الأخير في الدنيا، وشاء الله أن يُختَم عمله بالجهاد بين أبناء بلده، فطوبى له، حيث الأعمال بالخواتيم.
أنني أتفق مع القارئ الكريم أن الكلمات التي تقدمت لا تُوفي عالمنا الراحل حقه.
وليس بالوسع في الختام إلا أن ندعو الله له أن يغفر له وأن يتقبله شهيدًا عنده، والأمل مرجوٌ أن يُخْرِج الله لنا من تلامذته من يواصلون سعيه.
---------------
* استشاري هندسة إنشاءات