تأتي ذكرى استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا في 12 فبراير من عام 1949 في ظروف عصيبة على الأمة الإسلامية والتي تمر بمرحلة مخاض جديد قد تطول آلامه.. تتكون فيه الأمة بعد مرحلة تفكيك وتركيب جديدة، وهي ما تسمى بعهد الانتقال من حال إلى حال والذي يعد أخطر العهود في حياة الأمم.

 

وجاءت ذكرى استشهاد إمام مع ذكرى سقوط طاغية قد أسام قومه سوء العذاب.. نحيي فيها ذكرى إمام حي بيننا.. ونحتفل بسقوط طاغية قائم وما زال والفارق بينهما كبير.

 

لم يختلف العهد الذي أشرق عليه البنا بفكره قليلاً عما تمر به الأمة الآن.. فقد جاء البنا على قدر، والأمة تمر بأقسى مراحلها من استعمار بمختلف أنواعه العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي.

 

فقد كانت معظم البلاد الإسلامية واقعة تحت نيران الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والإيطالي.. إلخ.

 

جاء البنا وقد سقطت الخلافة الإسلامية وتيتمت أمة الإسلام في 1924 وقامت الدعوات الإقليمية والانعزالية والأفكار الانحلالية التي حملها رجال الاستعمار البيض والسمر ليؤسسوا حضارة جديدة على النهج الغربي نظامًا ومنهاجًا.

 

جاء البنا كرفيف الضياء.. لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.. رجل هو أمة أو قل كان أمة في رجل.
رباني بكليته.. إمام ملهم موهوب وأستاذ قده محبوب.. مجدد للإسلام للقرون السبع الماضية.

 

حدثنا عنه الشهيد سيد قطب "حسن البنا وعبقرية البناء" قائلاً:

"... في بعض الأحيان تبدو المصادفة العابرة كأنها قدر مقدور وحكمة مدبرة في كتاب مسطور.... "حسن البنا" إنها مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه... ولكن الحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء وإحسان البناء؛ بل هي عبقرية البناء!!..".

 

وعنه قال الإمام الشيخ أبو الحسن الندوي:

"إن كل من عرف هذا الرجل عن كثب لا عن كتب وعاش متصلاً به.. عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود وفاجأت مصر بل العالم كله بدعوتها وتربيتها.. بجهادها وقوتها؛ فهو العقل الهائل المنير.. والفهم المشرق الواسع.. وهو العاطفة القوية الجياشة.. والقلب المبارك الفياض والروح المشبوبة النضرة...".

 

جاء البنا ومصر تحت الاحتلال الإنجليزي ليقول: "سوف نعلم أولادنا الحرية والوطنية كما نعلمهم السورة من القرآن".

 

جاء البنا مواجهًا للأفكار التغريبية التي تدعو إلى الانحلال وإبعاد المجتمع المصري عن هويته الإسلامية في ظل احتلال اقتصادي من جانب المحتل البريطاني.

 

جاء البنا مواجهًا للعصابات اليهودية في فلسطين، مدركًا بذلك أبعاد المخطط الاستعماري الكبير، وشاركت الجماعة القضية الفلسطينية بجميع الوسائل المادية والمعنوية، وكانت أول كتيبة للإخوان المسلمين في 20 أكتوبر عام 1947م تشارك في قتال العدو الصهيوني.

 

جاء البنا مهتمًّا بقضايا العالم الإسلامي، داعيًا إلى وحدته وتحريره من ربقة الاستعمار، فكانت دار الإخوان نزلاً للأحرار مثل بورقيبة وعلال الفاسي وأمين الحسيني وغيرهم؛ ما أدى إلى انتشار الجماعة في بلدان العالم العربي والإسلامي.

 

وهكذا أصبح البنا وجماعته خطرًا على التركيبة الاستعمارية والقوى الصهيونية وبعض القوى في الداخل؛ مثل القصر الملكي والقوى العلمانية والرأسمالية والإقطاعية.

 

وكان اغتيال الشهيد بطلقات الخلود والاستشهاد في 12 فبراير 1949م في عملية تشاركت فيها كل القوى السابقة وتقاسمت وزرها إلى يوم الدين.. قال عنها الكاتب الأمريكي "روبرت جاكسون" (.. هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلاً بالكنز الذي يقع في يده، إنه رجل لا ضريب له في هذا العصر، لقد مر في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر، فقد كان الكلمة التي سبقت وقتها أو لم يأتِ وقتها بعد).

 

ومضى البنا إلى ربه راضيًا مرضيًّا وقد استكمل البناء الذي أسسه.. مضى ليكون استشهاده على النحو الذي أُريد له.. عملية جديدة من عمليات البناء.. عملية تعميق للأساس وتقوية للجدران:

لك يا إمامي يا أعز معلم

يا حامل المصباح في الزمن العمي

يا مرشد الدنيا لنهج محمد

يا نفحة من جيل دار الأرقم

حسبوك غبت وأنت فينا شاهد

نجلو بنهجك كل درب معتم

شيدت للإسلام صرحًا لم تكن

لبناته غير الشباب المسلم

وكتبت للدنيا وثيقة صحوة

وأبيت إلا أن توقع بالدم

-------

* Dr_nanyos@yahoo.com